ستة أعوام على التدخل الروسي في سوريا.. هل ما تزال موسكو متمسكة ببقاء الأسد؟

درويش خليفة

يشكل الموقع الجيوسياسي لسوريا إغراءً لأي دولة طامحة للتوسع ولعب دور دولي أو إقليمي، وهذا ما أدركته قيادة الاتحاد السوفياتي مبكراً قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة، لكن الأخير عمل منذ استيلائه على الحكم، بتوطيد علاقاته مع السوفييت وتنويعها لتشمل مجالات عديدة: عسكرية واقتصادية وسياسية، إضافة إلى رغبة الطرفين في ديمومتها بما يحقق مصالح كل منهما على المدى المتوسط والبعيد.

وبالفعل فتحت دول الاتحاد السوفياتي مخزوناتها العسكرية أمام نظام حافظ الأسد، مقابل حصولها على موطئ قدم بإنشاء قاعدة عسكرية في طرطوس السورية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، سعياً من موسكو لتحقيق مصالحها المتعددة وتمركزها بالقرب من المياه الدافئة.

 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1980، وقّع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية معاهدة صداقة وتعاون مع الجمهورية العربية السورية، تضمنت 15 مادة، تنص على قوة العلاقة والصداقة التي تجمع البلدين وشعبيهما في عدة مجالات تتجاوز الاقتصاد والتسليح العسكري، لتشمل قطاع الترفيه من ثقافة وفنون وزيارات لوفود رياضية.

ومن المفارقات الغريبة، أن المعاهدة حُددت بفترة زمنية تمتد إلى عشرين سنة تنتهي في عام 2000، حينما توفيّ حافظ الأسد، السنة التي وُرِّث فيها حُكم سوريا لابنه بشار بمباركة روسية وأمريكية وصمتٍ عربي ودولي.

لم يكن لدى روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي خيارات لخليفة حافظ الأسد من خارج ضباط الجيش السوري، فقد وضعوا مصطفى طلاس في حساباتهم قبل بشار الأسد، ولكن تقدمه بالعمر كان عائقاً أمام وصوله إلى سدة الحكم، غير أن الأمر لا يتعلق بذلك، سوى أنه ينتمي إلى الأكثرية السنية، وقد أشار إلى ذلك الجنرال الروسي، الفريق فلاديمير فيودوروف، الملحق العسكري الأسبق في السفارة الروسية بدمشق، منوّهاً إلى أنّ قبولهم ببشار الأسد وريثاً للرئاسة السورية، يستند إلى مبدأ الحفاظ على السياسة الخارجية ومصالح بلاده، وضمان ذلك يتطلب وجود شخصية من عائلة الأسد. الأمر الذي أدّى بالخبراء العسكريين الروس إلى إقناع حافظ الأسد وبشكل مباشر بأن ابنه بشار مؤهل لقيادة سوريا، وبالتالي؛ إن وجوده يضمن مصالحهما وفق منظورٍ جديد للتعاون بين البلدين. ورغم فتور العلاقة بين الأسد الوريث والروس، في الفترة التي سبقت الثورة السورية، إلا أنها كانت فرصة لعودة العلاقات إلى أفضل أحوالها. وفيما بعد التدخل الروسي ميدانياً لحماية رأس النظام، صار من البديهي التشكيك في نوايا الكرملين بالتخلّي عن الأسد سوى بصفقة ضخمة تضمن مصالحها، بشرط ألا يكون البديل من خارج دائرة النظام الضيقة، على الأقل بالنسبة لهم في العامين أو الثلاثة الأولى، ويأتي ذلك بعد مراقبتهم لسير الأمور ومدى تطابقها مع ما يتطلعون إليه في سوريا والمنطقة، بشكل عام، لأن سلوك الدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط يشير إلى أنهم حققوا خطوات لا رجعة عنها بأي ثمن، والحفاظ على الوضع الراهن في سوريا يقتضي حلاً سياسياً وفق أهوائهم، دون الانتقاص من دورهم هناك.

ولإلقاء المزيد من الضوء على واقع الموقف الروسي، لابد من عرض وتحليل المخاوف والشكوك الموجودة في موسكو، والتي أتت نتيجة لعدم الثقة بالتعامل مع الغرب، وغياب أيّ ضمانات تشير إلى أن القاعدة البديلة للنظام الأساسي ستأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية في سوريا.

مقاربة روسيا للشأن السوري كنقطة محورية تتوسع من خلالها لتحقيق ما تطمح إليه موسكو في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، أكثر مناطق العالم سخونة، لكنها تبقى مهمة بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية، سيما مع التقارب الذي أوجدته حكومة بوتين بتدبير علاقاتها مع إيران وتركيا بمسار أستانا ومؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، محاولةً بذلك إحداث خرق داخل كيان الحلف الأطلسي (الناتو) بإبعاد أنقرة عن حلفائها وهندسة علاقات أكثر حميمية مع دول الخليج ومصر، مستفيدة من الخلل الذي حصل في البيت الخليجي بالأعوام القليلة الماضية، ولا سيما بتعاطيهم مع ملفات المنطقة في سوريا وليبيا والموقف من إيران.

حتى إنّ أكثر الراغبين بالعودة إلى الشرق الأوسط، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو على الأقل يبدو الأمر كذلك، ومع كل ما يدور من أحاديث حول تسيُّد الترويكا (روسيا والصين وإيران) المنطقة في المستقبل القريب، إلا أنّ الفرنسيين لا ينتقصون من دور الدول آنفة الذكر.

الدور الفرنسي لم يظهر بعد في سوريا، لكنه واضح في لبنان والعراق، فثمة وعود لرئيس الوزراء العراقي، قدمها ماكرون في قمة بغداد، بإبقاء 600 جندي فرنسي في العراق وتوقيع اتفاقات اقتصادية كبيرة، وكذلك قيام باريس في الشهور الأخيرة بنشر وحدات حماية بحرية، بما في ذلك فرقاطة وحاملة طائرات هليكوبتر شرق المتوسط.

الأهم بالنسبة لموسكو، أن واشنطن لا تولي اهتماماً للمسألة السورية، لكنها انشغلت بحلول جزئية وتركت للإدارات الأمريكية المتعاقبة مسؤولية توقيع الحل النهائي بالشراكة مع فريقها الدبلوماسي، ولكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث.

مجريات الأحداث في الميدان السوري لا توحي بوجود رغبة روسية بتقديم الأسد قرباناً لعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة الأمريكية، في السنوات المقبلة؛ خصوصاً، بعد خرق الاتفاق الذي يخص درعا، بين روسيا كضامن للنظام مع أمريكا والأردن إضافة إلى إسرائيل، الأمر الذي ينطبق على مناطق خفض التصعيد في شمال غرب سوريا.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

يشكل الموقع الجيوسياسي لسوريا إغراءً لأي دولة طامحة للتوسع ولعب دور دولي أو إقليمي، وهذا ما أدركته قيادة الاتحاد السوفياتي مبكراً قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة، لكن الأخير عمل منذ استيلائه على الحكم، بتوطيد علاقاته مع السوفييت وتنويعها لتشمل مجالات عديدة: عسكرية واقتصادية وسياسية، إضافة إلى رغبة الطرفين في ديمومتها بما يحقق مصالح كل منهما على المدى المتوسط والبعيد.

وبالفعل فتحت دول الاتحاد السوفياتي مخزوناتها العسكرية أمام نظام حافظ الأسد، مقابل حصولها على موطئ قدم بإنشاء قاعدة عسكرية في طرطوس السورية على سواحل البحر الأبيض المتوسط، سعياً من موسكو لتحقيق مصالحها المتعددة وتمركزها بالقرب من المياه الدافئة.

 

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1980، وقّع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية معاهدة صداقة وتعاون مع الجمهورية العربية السورية، تضمنت 15 مادة، تنص على قوة العلاقة والصداقة التي تجمع البلدين وشعبيهما في عدة مجالات تتجاوز الاقتصاد والتسليح العسكري، لتشمل قطاع الترفيه من ثقافة وفنون وزيارات لوفود رياضية.

ومن المفارقات الغريبة، أن المعاهدة حُددت بفترة زمنية تمتد إلى عشرين سنة تنتهي في عام 2000، حينما توفيّ حافظ الأسد، السنة التي وُرِّث فيها حُكم سوريا لابنه بشار بمباركة روسية وأمريكية وصمتٍ عربي ودولي.

لم يكن لدى روسيا الاتحادية وريثة الاتحاد السوفيتي خيارات لخليفة حافظ الأسد من خارج ضباط الجيش السوري، فقد وضعوا مصطفى طلاس في حساباتهم قبل بشار الأسد، ولكن تقدمه بالعمر كان عائقاً أمام وصوله إلى سدة الحكم، غير أن الأمر لا يتعلق بذلك، سوى أنه ينتمي إلى الأكثرية السنية، وقد أشار إلى ذلك الجنرال الروسي، الفريق فلاديمير فيودوروف، الملحق العسكري الأسبق في السفارة الروسية بدمشق، منوّهاً إلى أنّ قبولهم ببشار الأسد وريثاً للرئاسة السورية، يستند إلى مبدأ الحفاظ على السياسة الخارجية ومصالح بلاده، وضمان ذلك يتطلب وجود شخصية من عائلة الأسد. الأمر الذي أدّى بالخبراء العسكريين الروس إلى إقناع حافظ الأسد وبشكل مباشر بأن ابنه بشار مؤهل لقيادة سوريا، وبالتالي؛ إن وجوده يضمن مصالحهما وفق منظورٍ جديد للتعاون بين البلدين. ورغم فتور العلاقة بين الأسد الوريث والروس، في الفترة التي سبقت الثورة السورية، إلا أنها كانت فرصة لعودة العلاقات إلى أفضل أحوالها. وفيما بعد التدخل الروسي ميدانياً لحماية رأس النظام، صار من البديهي التشكيك في نوايا الكرملين بالتخلّي عن الأسد سوى بصفقة ضخمة تضمن مصالحها، بشرط ألا يكون البديل من خارج دائرة النظام الضيقة، على الأقل بالنسبة لهم في العامين أو الثلاثة الأولى، ويأتي ذلك بعد مراقبتهم لسير الأمور ومدى تطابقها مع ما يتطلعون إليه في سوريا والمنطقة، بشكل عام، لأن سلوك الدبلوماسية الروسية في الشرق الأوسط يشير إلى أنهم حققوا خطوات لا رجعة عنها بأي ثمن، والحفاظ على الوضع الراهن في سوريا يقتضي حلاً سياسياً وفق أهوائهم، دون الانتقاص من دورهم هناك.

ولإلقاء المزيد من الضوء على واقع الموقف الروسي، لابد من عرض وتحليل المخاوف والشكوك الموجودة في موسكو، والتي أتت نتيجة لعدم الثقة بالتعامل مع الغرب، وغياب أيّ ضمانات تشير إلى أن القاعدة البديلة للنظام الأساسي ستأخذ بعين الاعتبار المصالح الروسية في سوريا.

مقاربة روسيا للشأن السوري كنقطة محورية تتوسع من خلالها لتحقيق ما تطمح إليه موسكو في الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، أكثر مناطق العالم سخونة، لكنها تبقى مهمة بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية، سيما مع التقارب الذي أوجدته حكومة بوتين بتدبير علاقاتها مع إيران وتركيا بمسار أستانا ومؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، محاولةً بذلك إحداث خرق داخل كيان الحلف الأطلسي (الناتو) بإبعاد أنقرة عن حلفائها وهندسة علاقات أكثر حميمية مع دول الخليج ومصر، مستفيدة من الخلل الذي حصل في البيت الخليجي بالأعوام القليلة الماضية، ولا سيما بتعاطيهم مع ملفات المنطقة في سوريا وليبيا والموقف من إيران.

حتى إنّ أكثر الراغبين بالعودة إلى الشرق الأوسط، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو على الأقل يبدو الأمر كذلك، ومع كل ما يدور من أحاديث حول تسيُّد الترويكا (روسيا والصين وإيران) المنطقة في المستقبل القريب، إلا أنّ الفرنسيين لا ينتقصون من دور الدول آنفة الذكر.

الدور الفرنسي لم يظهر بعد في سوريا، لكنه واضح في لبنان والعراق، فثمة وعود لرئيس الوزراء العراقي، قدمها ماكرون في قمة بغداد، بإبقاء 600 جندي فرنسي في العراق وتوقيع اتفاقات اقتصادية كبيرة، وكذلك قيام باريس في الشهور الأخيرة بنشر وحدات حماية بحرية، بما في ذلك فرقاطة وحاملة طائرات هليكوبتر شرق المتوسط.

الأهم بالنسبة لموسكو، أن واشنطن لا تولي اهتماماً للمسألة السورية، لكنها انشغلت بحلول جزئية وتركت للإدارات الأمريكية المتعاقبة مسؤولية توقيع الحل النهائي بالشراكة مع فريقها الدبلوماسي، ولكن شيئاً من هذا القبيل لم يحدث.

مجريات الأحداث في الميدان السوري لا توحي بوجود رغبة روسية بتقديم الأسد قرباناً لعلاقات أفضل مع الولايات المتحدة الأمريكية، في السنوات المقبلة؛ خصوصاً، بعد خرق الاتفاق الذي يخص درعا، بين روسيا كضامن للنظام مع أمريكا والأردن إضافة إلى إسرائيل، الأمر الذي ينطبق على مناطق خفض التصعيد في شمال غرب سوريا.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit