درعا البلد.. قصة صمود وتعلّق بالجذور

درويش خليفة

ماراثون مفاوضات خاضته اللجنة المركزية الممثلة لأهالي درعا البلد، بمقابل نظام الأسد وقواته المدججة بالعتاد والذخيرة والعناصر الأكثر تدريباً وتأهيلاً بين الفرق العسكرية في صفوف الجيش السوري الموالي للسلطة الحاكمة، إضافة إلى مساندة مليشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، لمهاجمة آخر جيوب المعارضة الثورية في جنوب سوريا.

ولأنّ درعا البلد لها رمزية خاصة، من كونها مهد التظاهرات السلمية التي انطلقت قبل عقد وبضع شهور من الزمن ضد حكم عائلة الأسد، التي ما تزال تحكم سوريا بالحديد والنار، إلا أنَّ ثوار درعا، ومن خلفهم شيوخها وكبار القوم، رفضوا في معظمهم الخروج من أرضهم، متمسكين فيها مؤكدين على الشعارات التي رفعوها في بداية الحراك الشعبي، منتصف آذار 2011، “سوريا لينا وما هي لبيت الأسد”، “عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد”.

صعّد النظام حملته الأخيرة على درعا البلد بعد محاصرتها لمدة 68 يوماً، استخدم خلالها جميع أدوات الجريمة المنظمة، من قتل وتجويع وقطع المياه والكهرباء ومنع إدخال المواد الغذائية، بما فيها الطحين وحليب الأطفال، بالإضافة للدواء ومواد الطاقة، حتى وإن استبعدنا الأخيرة لأنّها شبه مفقودة بالنسبة للمدنيين في مناطق سيطرة النظام. إلا أنّ الإجرام لم يتوقف عند الحصار فقط، بل رافقه عمليات عسكرية استغرقت مدتها 37 يوماً، تخللها قصف جنوني بكافة أنواع القذائف المحلية الصنع “صواريخ الفيل – جولان ألف”، المصنعة في اللواء 40 من الفرقة الرابعة بإشراف الضابط مروان كمال الدين، والتي تعتبر من الصواريخ القصيرة المدى والقوة التدميرية الكبيرة، حيث يحمل كل صاروخ 200 كيلو غرام من المواد المتفجرة.

كان الأسبوع الأخير الأكثر وحشية من حيث الهجمات والقصف العنيف والمتواصل، في محاولة من قبل قوات النظام وحلفائها الطائفيين لإرغام المقاتلين المرابطين من أبناء المدينة على تسليم أسلحتهم والاستسلام أو الترحيل إلى الشمال السوري، وفي كلا الحالتين تكمن الخسارة والهزيمة، وهذا ما لم تعتد عليه درعا وأبناؤها طيلة أمد الثورة.

وقال مصدر استخباراتي غربي إن عدة آلاف من العائلات في البلدات المحاصرة فرّت إلى مناطق أكثر أمناً قرب الحدود الأردنية، ما دفع الجيش الأردني إلى الاستعداد لموجة جديدة محتملة من اللاجئين.

وفي ظل تلك الظروف، كانت اللجنة المركزية في درعا البلد تتفاوض مع النظام من خلال الوسيط الروسي، والذي عبر بسلوكه عن انحيازه لنظام الأسد، عندما كان يمنحهم الفرصة تلو الأخرى للانقضاض على درعا، ولكن أبناء المدينة كان لهم رأي آخر إزاء ذلك، عَبَّرُوا عنه لممثِّليهم في اللجنة المُفاوضة، من خلال صمودهم وتمسكهم بأرضهم، مما دفع القيادة العسكرية الروسية إلى إقالة الضابط الروسي، المسؤول عن التسويات في الجنوب السوري، والمعروف باسم “أسد الله” ب(الجنرال أندريه)، الذي جاء ومعه خارطة طريق للتسوية مدتها أسبوعين، تعتمد وقفاً لإطلاق النار وتسيير دوريات روسية في محيط أحياء درعا البلد، لمراقبة الاتفاق والاطلاع على الأوضاع ميدانياً.

كما اتضح أن الضامن الروسي، بصمته، كان يحاول التنصل من الاتفاق الذي تم توقيعه في أغسطس/ آب 2018، بحضور الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إضافة إلى الأردن وروسيا، كضامن للنظام في دمشق. وقد أشار إلى ذلك في عدة مناسبات المتحدث باسم «لجنة التفاوض المركزية»، المحامي عدنان المسالمة.

على أية حال، فشلت الخطة الروسية وما تخللها من جولات تفاوضية، بسبب عنجهية النظام واستمرار قصفه لدرعا البلد، وإصراره على تهجير شبابها إلى الشمال السوري، بيد أن اليوم الأخير من الفترة الممنوحة للنظام (الساعات الأخيرة من آب) جاءت باتفاقٍ جديد، وهنا أؤكد على أنّ فترة الأسبوعين، كانت اختباراً روسياً للنظام وحلفائه، وفي الوقت نفسه إيصال رسالة مفادها؛ أنه لا انتصار في سوريا لطرف على آخر، ما لم يتدخل الطيران الروسي وأسلحته المتطورة، لحسم المعركة، كما حدث في مناطق أخرى من البلاد.

ومن الدروس المستفادة، مما شهدته درعا في الأسابيع الأخيرة، أن المقاومة ليست شعارات تطلق يمنة ويسرة، بل هي صمود وتمسك بالمبادئ والثوابت، وكل ما دون ذلك قابل للتفاوض والمرونة وفق أسس الواقعية السياسية، حيث تتساوى القوة والحنكة على الطاولة في مساحة لا مكان فيها للضعفاء، ومن طبائع المفاوضات أن يكون بحوزتك أوراق قوة وأنت في طريقك إلى الطرف المقابل، لاسيما في ظلّ صراع الأجنحة داخله.

في الحقيقة، إن ملف درعا البلد يكتنفه الكثير من الغموض، بسبب لا مركزية قرار النظام وتشتت قواته بين موالٍ للروس وتحركاتهم، وبين رافض لها، كالفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، عبر نقضهم للاتفاق المبرم في عام 2018. وهما يجدان أن الاتفاق نصّ على بقاء السلاح الفردي والمتوسط بأيدي مناهضي الأسد، الأمر الذي يعرّض قوات النظام لخطر الاغتيال، في حين أن الاتفاق لم يوفر الأمان للناس، الذي لم يفلتوا من ابتزاز الحواجز الأمنية، التي انتشرت في أطراف المدينة، واعتقالها لبعض الشبان، حيث مكث بعضهم لمدة تصل إلى عامين دون محاكمة.

صمتُ المجتمع الدولي ومنظماته عن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات النظام وحلفاؤها يجعل من مصير الجنوب السوري مجهولاً، بل ويشجعهم على مواصلة أعمالهم الهمجية التي تتنافى مع القانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 3 من اتفاقية جنيف التي تؤكد على تحييد المدنيين عن العمليات العسكرية، وتجنيبهم الهجمات العشوائية التي تلحق الضرر بممتلكاتهم المدنية.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة ليفانت

ماراثون مفاوضات خاضته اللجنة المركزية الممثلة لأهالي درعا البلد، بمقابل نظام الأسد وقواته المدججة بالعتاد والذخيرة والعناصر الأكثر تدريباً وتأهيلاً بين الفرق العسكرية في صفوف الجيش السوري الموالي للسلطة الحاكمة، إضافة إلى مساندة مليشيات الحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني، لمهاجمة آخر جيوب المعارضة الثورية في جنوب سوريا.

ولأنّ درعا البلد لها رمزية خاصة، من كونها مهد التظاهرات السلمية التي انطلقت قبل عقد وبضع شهور من الزمن ضد حكم عائلة الأسد، التي ما تزال تحكم سوريا بالحديد والنار، إلا أنَّ ثوار درعا، ومن خلفهم شيوخها وكبار القوم، رفضوا في معظمهم الخروج من أرضهم، متمسكين فيها مؤكدين على الشعارات التي رفعوها في بداية الحراك الشعبي، منتصف آذار 2011، “سوريا لينا وما هي لبيت الأسد”، “عاشت سوريا ويسقط بشار الأسد”.

صعّد النظام حملته الأخيرة على درعا البلد بعد محاصرتها لمدة 68 يوماً، استخدم خلالها جميع أدوات الجريمة المنظمة، من قتل وتجويع وقطع المياه والكهرباء ومنع إدخال المواد الغذائية، بما فيها الطحين وحليب الأطفال، بالإضافة للدواء ومواد الطاقة، حتى وإن استبعدنا الأخيرة لأنّها شبه مفقودة بالنسبة للمدنيين في مناطق سيطرة النظام. إلا أنّ الإجرام لم يتوقف عند الحصار فقط، بل رافقه عمليات عسكرية استغرقت مدتها 37 يوماً، تخللها قصف جنوني بكافة أنواع القذائف المحلية الصنع “صواريخ الفيل – جولان ألف”، المصنعة في اللواء 40 من الفرقة الرابعة بإشراف الضابط مروان كمال الدين، والتي تعتبر من الصواريخ القصيرة المدى والقوة التدميرية الكبيرة، حيث يحمل كل صاروخ 200 كيلو غرام من المواد المتفجرة.

كان الأسبوع الأخير الأكثر وحشية من حيث الهجمات والقصف العنيف والمتواصل، في محاولة من قبل قوات النظام وحلفائها الطائفيين لإرغام المقاتلين المرابطين من أبناء المدينة على تسليم أسلحتهم والاستسلام أو الترحيل إلى الشمال السوري، وفي كلا الحالتين تكمن الخسارة والهزيمة، وهذا ما لم تعتد عليه درعا وأبناؤها طيلة أمد الثورة.

وقال مصدر استخباراتي غربي إن عدة آلاف من العائلات في البلدات المحاصرة فرّت إلى مناطق أكثر أمناً قرب الحدود الأردنية، ما دفع الجيش الأردني إلى الاستعداد لموجة جديدة محتملة من اللاجئين.

وفي ظل تلك الظروف، كانت اللجنة المركزية في درعا البلد تتفاوض مع النظام من خلال الوسيط الروسي، والذي عبر بسلوكه عن انحيازه لنظام الأسد، عندما كان يمنحهم الفرصة تلو الأخرى للانقضاض على درعا، ولكن أبناء المدينة كان لهم رأي آخر إزاء ذلك، عَبَّرُوا عنه لممثِّليهم في اللجنة المُفاوضة، من خلال صمودهم وتمسكهم بأرضهم، مما دفع القيادة العسكرية الروسية إلى إقالة الضابط الروسي، المسؤول عن التسويات في الجنوب السوري، والمعروف باسم “أسد الله” ب(الجنرال أندريه)، الذي جاء ومعه خارطة طريق للتسوية مدتها أسبوعين، تعتمد وقفاً لإطلاق النار وتسيير دوريات روسية في محيط أحياء درعا البلد، لمراقبة الاتفاق والاطلاع على الأوضاع ميدانياً.

كما اتضح أن الضامن الروسي، بصمته، كان يحاول التنصل من الاتفاق الذي تم توقيعه في أغسطس/ آب 2018، بحضور الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، إضافة إلى الأردن وروسيا، كضامن للنظام في دمشق. وقد أشار إلى ذلك في عدة مناسبات المتحدث باسم «لجنة التفاوض المركزية»، المحامي عدنان المسالمة.

على أية حال، فشلت الخطة الروسية وما تخللها من جولات تفاوضية، بسبب عنجهية النظام واستمرار قصفه لدرعا البلد، وإصراره على تهجير شبابها إلى الشمال السوري، بيد أن اليوم الأخير من الفترة الممنوحة للنظام (الساعات الأخيرة من آب) جاءت باتفاقٍ جديد، وهنا أؤكد على أنّ فترة الأسبوعين، كانت اختباراً روسياً للنظام وحلفائه، وفي الوقت نفسه إيصال رسالة مفادها؛ أنه لا انتصار في سوريا لطرف على آخر، ما لم يتدخل الطيران الروسي وأسلحته المتطورة، لحسم المعركة، كما حدث في مناطق أخرى من البلاد.

ومن الدروس المستفادة، مما شهدته درعا في الأسابيع الأخيرة، أن المقاومة ليست شعارات تطلق يمنة ويسرة، بل هي صمود وتمسك بالمبادئ والثوابت، وكل ما دون ذلك قابل للتفاوض والمرونة وفق أسس الواقعية السياسية، حيث تتساوى القوة والحنكة على الطاولة في مساحة لا مكان فيها للضعفاء، ومن طبائع المفاوضات أن يكون بحوزتك أوراق قوة وأنت في طريقك إلى الطرف المقابل، لاسيما في ظلّ صراع الأجنحة داخله.

في الحقيقة، إن ملف درعا البلد يكتنفه الكثير من الغموض، بسبب لا مركزية قرار النظام وتشتت قواته بين موالٍ للروس وتحركاتهم، وبين رافض لها، كالفرقة الرابعة والمخابرات الجوية، عبر نقضهم للاتفاق المبرم في عام 2018. وهما يجدان أن الاتفاق نصّ على بقاء السلاح الفردي والمتوسط بأيدي مناهضي الأسد، الأمر الذي يعرّض قوات النظام لخطر الاغتيال، في حين أن الاتفاق لم يوفر الأمان للناس، الذي لم يفلتوا من ابتزاز الحواجز الأمنية، التي انتشرت في أطراف المدينة، واعتقالها لبعض الشبان، حيث مكث بعضهم لمدة تصل إلى عامين دون محاكمة.

صمتُ المجتمع الدولي ومنظماته عن الانتهاكات التي ارتكبتها قوات النظام وحلفاؤها يجعل من مصير الجنوب السوري مجهولاً، بل ويشجعهم على مواصلة أعمالهم الهمجية التي تتنافى مع القانون الدولي الإنساني والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 3 من اتفاقية جنيف التي تؤكد على تحييد المدنيين عن العمليات العسكرية، وتجنيبهم الهجمات العشوائية التي تلحق الضرر بممتلكاتهم المدنية.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة ليفانت

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit