بمناسبة مرور 20 عاماً على أحداث 11/9/2001.. أسباب تراجع العلاقات بين العرب وأمريكا

كمال اللبواني
كمال اللبواني

لا أعتقد أنّ تدهور العلاقات العربية الأمريكية قد نجم عن قيام شبان عرب مسلمين انتحاريين بضرب أمريكا في عقر دارها وهي في أوج عظمتها قبل عشرين عاماً، لأنّ العلاقات بعدها قد ازدهرت وتعززت بين الولايات المتحدة والأنظمة في الدول العربية والإسلامية، كلها ضمن ما سمي بالحلف المضاد للإرهاب.

أيضاً هذا التدهور ليس بسبب صراع الحضارات بين الشرق والغرب الذي تكلّم عنه صموئيل هنغنتون، فالدول الإسلامية ما تزال في عصور التخلّف، ولم تدخل مرحلة الحضارة المنافسة، بل دخلت مرحلة الفشل جملة، عموماً، كم أنّه ليس بسبب ظاهرة الإسلام فوبيا المنتشرة في الغرب بسبب تنامي ظاهرة الإرهاب الإسلامي، فذلك التدهور قد نجم عن أسباب أخرى أهمها اكتشاف الغرب للعلاقة البنيوية بين الأنظمة العربية الإسلامية وبين منظمات الإرهاب ذاتها، والتي هي الوجه الآخر لها، تبادلها الشرعية والمشروعية، فالاستبداد والإرهاب يتعايشان معاً كمتلازمة تحول المنطقة العربية والإسلامية (أي الشرق الأوسط الكبير، كما يسمونه في أمريكا) لمستنقع من الرمال المتحركة، أصبح من الحكمة الخروج منها بهدوء، وهو ما يزعج الدول العربية التي أدمنت التبعية والاعتماد على الدعم الخارجي في مواجهة شعوبها التي بدأت تغلي، خاصة بعد تفجر ثورات الربيع العربي، الذي استعانت الأنظمة في حربها عليه بكل منظمات التطرّف والإرهاب، ثم بجيوش الدول الأجنبية من دون جدوى، حتى بدا لها واضحاً أنها ستنهار قريباً رغم كل ما فعلت من دون منقذ خارجي لها، هو أمريكا. أمريكا التي فقدت الرغبة في استمرار الغوص في تلك الرمال، وقررت ترك الساحة لمن يعشق تلك الرياضة من الحمقى في العالم، من قوى إقليمية ودولية، كروسيا والصين وإيران وتركيا.

قبل الحرب العالمية الثانية، كان الغرب الاستعماري يهيمن سياسياً وعسكرياً على دول العالم ليستغلّها اقتصادياً، لكن الحرب العالمية الرهيبة التي اندلعت بين دوله بسبب التنافس على المستعمرات، انتهت برفع نظام الانتداب كشرط لتجنّب استمرار الحروب بينها، وهكذا استطاعت أمريكا أن تفرض نفسها كمنقذ للعالم وسيداً له بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة وغير مدمرة، بعكس بقية كل الدول الكبرى، وفرضت انسحاب كل قوات الانتداب، وآخرها من قناة السويس عام 1956 بالقوة، وبدأت بفتح علاقات مع جميع الدول من موقع السيد المتوّج، ثم تزايد اهتمام وتدخل أمريكا سياسياً وعسكرياً في دول العالم، بسبب الحرب الباردة التي اندلعت مع روسيا السوفيتية التي دخلت مرحلة انتعاش في تلك الحقبة وبدأت في محاولة مدّ نفوذها عبر العالم، وهكذا صارت أمريكا المقرّر الأهم في السياسات الدولية وفي تحديد مصير الأنظمة والدول في طول العالم وعرضه، نتذكر في هذا السياق، فيتنام وكوريا وكوبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ولكن وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بعوامل داخلية صرفة، توهمت أمريكا ريغان بأنها هي من قوّضته، وأعلنت انتصارها وهيمنتها على العالم (عبّر عن ذلك كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما)، وترسّخ عند الجميع، وعلى رأسهم الأمريكيون، أن الولايات المتحدة هي السيد المقرّ الأهم، وربما الأوحد، في الشأن الدولي، خاصة وأن أوروبا رضيت بالتبعية لها في كل السياسات الخارجية.

وهذا أيضاً ترسّخ في ذهن الشعوب العربية والأنظمة التي انبطحت أمام العم سام لتقدم فروض وطقوس الطاعة، وباستخدام أمريكا لنفوذها السياسي وتدخلها العسكري كانت مصالحها الاقتصادية محققة، لكن ليس بالشكل الاستعماري المعروف، بل عبر التبادل غير المتكافئ معها، هنا حدث تحوّل تاريخي عندما صحت أمريكا على وقع ضربات أيلول التي هزّت بعنف صورة وقوة أمريكا واقتصادها، فجنّ جنون أمريكا وأعلنت الحرب على عدو شبحي غير متجسد بشكل ومكان محدد، فاحتلّت أفغانستان، ثم بعدها العراق، وغاصت في أتون حروب عبثية مكلفة جداً، مالياً وإنسانياً، استنزفت عزيمتها وغضبها، لتكتشف بعدها أنّها قد بدأت بخسارة نفوذها الاقتصادي لصالح الصين، التي صعدت بسرعة ملفتة للنظر على حساب الدول الغربية قاطبة، مستغلّة قوانين حرية التجارة التي فرضها الغرب المسيطر ذاته.

الصراع الغربي مع الإرهاب الإسلامي (البعبع الجديد) الذي انشغلوا به للتغطية على أرقام تراجع اقتصادهم ودخولهم في مرحلة العجز المتنامي، والذي استخدم كغطاء بعد أن استخدمت الشيوعية قبله، لم يكن ضمن استراتيجية محددة ودقيقة، بل عبر عن التخبط بين ضرورة إصلاح النظم في العالم الإسلامي، باعتبار الإرهاب نتيجة للاستبداد الذي يكرّس الجهل واليأس والتعصب والفقر، وهو الطريق الصحيح لكنه المكلف جداً، وبين الاعتماد على هذه النظم القمعية، كحل رخيص وسهل لا يكلف الخزينة المنهكة المزيد من التضخم، فاستخدمت هذه الأنظمة لقمع الشعوب التي قاومت بكل الأشكال، بما فيها التطرّف، عندما بدأت تتعامل مع التراث بطريقة وعقل جديد ناجم عن المزج بين العقل العلمي والديني، والذي ولد الفكر السياسي الإسلامي الجهادي الذي يحاكي فكر الخوارج، والذي يملك القدرة على ترجيع العنف، بعد أن قام بنقل الجهاد السلفي من جهاد الدفاع ضد العدو الخارجي، لجهاد الانقلاب على الحاكم وترهيب الشعوب، وهكذا صار الإرهاب عدواً للنظم بذات الوقت التي هيّأت الأرضية لنموه وازدهاره، ثم صارت تستعمله لتبرير وجودها وللحصول على الدعم الأمريكي، فتحوّلت الحرب الأمريكية على الإرهاب من محاولة فرض سياسات إصلاحيّة، لتحالف متنامٍ بين الاستبداد الفاسد وبين أمريكا، مما عزّز وسرّع في نمو وانتشار الفكر الإرهابي الذي صار عملياً رد الفعل الوحيد على ذلك الحلف الشيطاني الذي تشكّل ضده، محلياً وعالمياً.

وباندلاع الربيع العربي سرعان ما طغى عليه ذلك الصراع وحرفه عن مساره وقامت النظم بقمع شعوبها المطالبة بالديموقراطية والحرية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بينما تخلّت أمريكا عن مبادئها ودعمها للحريات والإصلاح، بحجة أنّ هذا الربيع إسلامي وصدّقت ادّعاءات النظم، وفشل الغرب في إيجاد قاعدة جديدة للتعاون مع الشعوب الإسلامية.

لكن بشاعة وفظاعة هذه الأنظمة كشفت رويداً رويداً ذلك الحلف الخبيث بينها وبين منظمات الإرهاب وتعاونهما معاً وتبادلهما الشرعية، وبشكل خاص في أحداث سوريا والعراق واليمن وليبيا.. والتي انتهت جميعاً لدول فاشلة بين محيط من الدول الفاشلة الأخرى عبر عموم الشرق الأوسط الكبير.. وهكذا وجدت أمريكا أنه من العبث البقاء في المنطقة، وباشرت خطط الانسحاب من العراق وأفغانستان مند عهد أوباما وصولاً للتنفيذ الكامل في عهد بايدن.

العامل الأهم الذي حسم هذا القرار هو استغلال الصين للحريات التجارية والعولمة وتحقيقها تقدماً سريعاً على صعيد الاقتصاد وتغلغلها في كل العالم، وامتصاصها لدماء الاقتصادات الغربية لدرجة وقوعها بالدين والعجز والتضخم الذي لا أمل في كبحه، وهكذا لم تعد الهيمنة السياسية والعسكرية الأمريكية هي الحامي والسند للاقتصاد الغربي، بل صارت عالة عليه أيضاً، فكان قرار الانكفاء العسكري والسياسي نتيجة طبيعية لاكتشاف الهرم والشيخوخة التي بدأت تدب في مفاصل الدول الغربية عموماً.

قرار الانسحاب الغربي من عموم الشرق الأوسط الكبير لم يعجب لا النظم العربية، التي تعودت على رضاعة الدعم والاستقرار من الثدي الأمريكي، ولا الشعوب، التي تفترض أن من واجب أمريكا أن تكون كما تدّعي حارساً للنظام العالمي ولحقوق الإنسان والديموقراطية، ناهيك عن الفكر المتشدد الذي بني على اعتبار أمريكا مسؤولة مباشرة عن كل مصائب الشعوب، ويريد بقاءها لتبرير بقائه وحشد أتباعه.

أمريكا اليوم تتراجع وتنسحب لكنها في انسحابها تتعرّض لحجارة وأحذية ولعنات الجميع، الذين سيعودون لصراع بعضهم بعد أن يصحوا من وهم هيمنة أمريكا وسيادتها.. نقول إنه وهم، لأن أمريكا لم تكن في يوم قادرة ولا مؤهلة لتكون سيدة العالم والمسؤولة عنه.

أمريكا بدأت تصحو من حلمها وأوهامها، وتدرك واقعها، بينما يعلو صوت صريخ أيتامها حزناً على ثدي وأم مرضعة فقدوها، وهم مجمل الدول العربية، وعلى رأسها إسرائيل، المفطومة الأولى، بينما تنطلق الثعابين في المنطقة التي تشبه الدود الذي يأكل الجثث، أقصد ميليشيات الحشد الإيراني، والتنظيمات الإرهابية السنية، وعصابات التشبيح التابعة للنظم.. حتى صار على مليار إنسان أن يبحثوا عن وطن بديل، بعد أن خربت الأنظمة التي تركها الاستعمار وراءه بلدانهم، لذلك كان من الصحيح تماماً تسميته بالاستعمار.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

لا أعتقد أنّ تدهور العلاقات العربية الأمريكية قد نجم عن قيام شبان عرب مسلمين انتحاريين بضرب أمريكا في عقر دارها وهي في أوج عظمتها قبل عشرين عاماً، لأنّ العلاقات بعدها قد ازدهرت وتعززت بين الولايات المتحدة والأنظمة في الدول العربية والإسلامية، كلها ضمن ما سمي بالحلف المضاد للإرهاب.

أيضاً هذا التدهور ليس بسبب صراع الحضارات بين الشرق والغرب الذي تكلّم عنه صموئيل هنغنتون، فالدول الإسلامية ما تزال في عصور التخلّف، ولم تدخل مرحلة الحضارة المنافسة، بل دخلت مرحلة الفشل جملة، عموماً، كم أنّه ليس بسبب ظاهرة الإسلام فوبيا المنتشرة في الغرب بسبب تنامي ظاهرة الإرهاب الإسلامي، فذلك التدهور قد نجم عن أسباب أخرى أهمها اكتشاف الغرب للعلاقة البنيوية بين الأنظمة العربية الإسلامية وبين منظمات الإرهاب ذاتها، والتي هي الوجه الآخر لها، تبادلها الشرعية والمشروعية، فالاستبداد والإرهاب يتعايشان معاً كمتلازمة تحول المنطقة العربية والإسلامية (أي الشرق الأوسط الكبير، كما يسمونه في أمريكا) لمستنقع من الرمال المتحركة، أصبح من الحكمة الخروج منها بهدوء، وهو ما يزعج الدول العربية التي أدمنت التبعية والاعتماد على الدعم الخارجي في مواجهة شعوبها التي بدأت تغلي، خاصة بعد تفجر ثورات الربيع العربي، الذي استعانت الأنظمة في حربها عليه بكل منظمات التطرّف والإرهاب، ثم بجيوش الدول الأجنبية من دون جدوى، حتى بدا لها واضحاً أنها ستنهار قريباً رغم كل ما فعلت من دون منقذ خارجي لها، هو أمريكا. أمريكا التي فقدت الرغبة في استمرار الغوص في تلك الرمال، وقررت ترك الساحة لمن يعشق تلك الرياضة من الحمقى في العالم، من قوى إقليمية ودولية، كروسيا والصين وإيران وتركيا.

قبل الحرب العالمية الثانية، كان الغرب الاستعماري يهيمن سياسياً وعسكرياً على دول العالم ليستغلّها اقتصادياً، لكن الحرب العالمية الرهيبة التي اندلعت بين دوله بسبب التنافس على المستعمرات، انتهت برفع نظام الانتداب كشرط لتجنّب استمرار الحروب بينها، وهكذا استطاعت أمريكا أن تفرض نفسها كمنقذ للعالم وسيداً له بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة وغير مدمرة، بعكس بقية كل الدول الكبرى، وفرضت انسحاب كل قوات الانتداب، وآخرها من قناة السويس عام 1956 بالقوة، وبدأت بفتح علاقات مع جميع الدول من موقع السيد المتوّج، ثم تزايد اهتمام وتدخل أمريكا سياسياً وعسكرياً في دول العالم، بسبب الحرب الباردة التي اندلعت مع روسيا السوفيتية التي دخلت مرحلة انتعاش في تلك الحقبة وبدأت في محاولة مدّ نفوذها عبر العالم، وهكذا صارت أمريكا المقرّر الأهم في السياسات الدولية وفي تحديد مصير الأنظمة والدول في طول العالم وعرضه، نتذكر في هذا السياق، فيتنام وكوريا وكوبا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ولكن وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بعوامل داخلية صرفة، توهمت أمريكا ريغان بأنها هي من قوّضته، وأعلنت انتصارها وهيمنتها على العالم (عبّر عن ذلك كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما)، وترسّخ عند الجميع، وعلى رأسهم الأمريكيون، أن الولايات المتحدة هي السيد المقرّ الأهم، وربما الأوحد، في الشأن الدولي، خاصة وأن أوروبا رضيت بالتبعية لها في كل السياسات الخارجية.

وهذا أيضاً ترسّخ في ذهن الشعوب العربية والأنظمة التي انبطحت أمام العم سام لتقدم فروض وطقوس الطاعة، وباستخدام أمريكا لنفوذها السياسي وتدخلها العسكري كانت مصالحها الاقتصادية محققة، لكن ليس بالشكل الاستعماري المعروف، بل عبر التبادل غير المتكافئ معها، هنا حدث تحوّل تاريخي عندما صحت أمريكا على وقع ضربات أيلول التي هزّت بعنف صورة وقوة أمريكا واقتصادها، فجنّ جنون أمريكا وأعلنت الحرب على عدو شبحي غير متجسد بشكل ومكان محدد، فاحتلّت أفغانستان، ثم بعدها العراق، وغاصت في أتون حروب عبثية مكلفة جداً، مالياً وإنسانياً، استنزفت عزيمتها وغضبها، لتكتشف بعدها أنّها قد بدأت بخسارة نفوذها الاقتصادي لصالح الصين، التي صعدت بسرعة ملفتة للنظر على حساب الدول الغربية قاطبة، مستغلّة قوانين حرية التجارة التي فرضها الغرب المسيطر ذاته.

الصراع الغربي مع الإرهاب الإسلامي (البعبع الجديد) الذي انشغلوا به للتغطية على أرقام تراجع اقتصادهم ودخولهم في مرحلة العجز المتنامي، والذي استخدم كغطاء بعد أن استخدمت الشيوعية قبله، لم يكن ضمن استراتيجية محددة ودقيقة، بل عبر عن التخبط بين ضرورة إصلاح النظم في العالم الإسلامي، باعتبار الإرهاب نتيجة للاستبداد الذي يكرّس الجهل واليأس والتعصب والفقر، وهو الطريق الصحيح لكنه المكلف جداً، وبين الاعتماد على هذه النظم القمعية، كحل رخيص وسهل لا يكلف الخزينة المنهكة المزيد من التضخم، فاستخدمت هذه الأنظمة لقمع الشعوب التي قاومت بكل الأشكال، بما فيها التطرّف، عندما بدأت تتعامل مع التراث بطريقة وعقل جديد ناجم عن المزج بين العقل العلمي والديني، والذي ولد الفكر السياسي الإسلامي الجهادي الذي يحاكي فكر الخوارج، والذي يملك القدرة على ترجيع العنف، بعد أن قام بنقل الجهاد السلفي من جهاد الدفاع ضد العدو الخارجي، لجهاد الانقلاب على الحاكم وترهيب الشعوب، وهكذا صار الإرهاب عدواً للنظم بذات الوقت التي هيّأت الأرضية لنموه وازدهاره، ثم صارت تستعمله لتبرير وجودها وللحصول على الدعم الأمريكي، فتحوّلت الحرب الأمريكية على الإرهاب من محاولة فرض سياسات إصلاحيّة، لتحالف متنامٍ بين الاستبداد الفاسد وبين أمريكا، مما عزّز وسرّع في نمو وانتشار الفكر الإرهابي الذي صار عملياً رد الفعل الوحيد على ذلك الحلف الشيطاني الذي تشكّل ضده، محلياً وعالمياً.

وباندلاع الربيع العربي سرعان ما طغى عليه ذلك الصراع وحرفه عن مساره وقامت النظم بقمع شعوبها المطالبة بالديموقراطية والحرية تحت عنوان مكافحة الإرهاب، بينما تخلّت أمريكا عن مبادئها ودعمها للحريات والإصلاح، بحجة أنّ هذا الربيع إسلامي وصدّقت ادّعاءات النظم، وفشل الغرب في إيجاد قاعدة جديدة للتعاون مع الشعوب الإسلامية.

لكن بشاعة وفظاعة هذه الأنظمة كشفت رويداً رويداً ذلك الحلف الخبيث بينها وبين منظمات الإرهاب وتعاونهما معاً وتبادلهما الشرعية، وبشكل خاص في أحداث سوريا والعراق واليمن وليبيا.. والتي انتهت جميعاً لدول فاشلة بين محيط من الدول الفاشلة الأخرى عبر عموم الشرق الأوسط الكبير.. وهكذا وجدت أمريكا أنه من العبث البقاء في المنطقة، وباشرت خطط الانسحاب من العراق وأفغانستان مند عهد أوباما وصولاً للتنفيذ الكامل في عهد بايدن.

العامل الأهم الذي حسم هذا القرار هو استغلال الصين للحريات التجارية والعولمة وتحقيقها تقدماً سريعاً على صعيد الاقتصاد وتغلغلها في كل العالم، وامتصاصها لدماء الاقتصادات الغربية لدرجة وقوعها بالدين والعجز والتضخم الذي لا أمل في كبحه، وهكذا لم تعد الهيمنة السياسية والعسكرية الأمريكية هي الحامي والسند للاقتصاد الغربي، بل صارت عالة عليه أيضاً، فكان قرار الانكفاء العسكري والسياسي نتيجة طبيعية لاكتشاف الهرم والشيخوخة التي بدأت تدب في مفاصل الدول الغربية عموماً.

قرار الانسحاب الغربي من عموم الشرق الأوسط الكبير لم يعجب لا النظم العربية، التي تعودت على رضاعة الدعم والاستقرار من الثدي الأمريكي، ولا الشعوب، التي تفترض أن من واجب أمريكا أن تكون كما تدّعي حارساً للنظام العالمي ولحقوق الإنسان والديموقراطية، ناهيك عن الفكر المتشدد الذي بني على اعتبار أمريكا مسؤولة مباشرة عن كل مصائب الشعوب، ويريد بقاءها لتبرير بقائه وحشد أتباعه.

أمريكا اليوم تتراجع وتنسحب لكنها في انسحابها تتعرّض لحجارة وأحذية ولعنات الجميع، الذين سيعودون لصراع بعضهم بعد أن يصحوا من وهم هيمنة أمريكا وسيادتها.. نقول إنه وهم، لأن أمريكا لم تكن في يوم قادرة ولا مؤهلة لتكون سيدة العالم والمسؤولة عنه.

أمريكا بدأت تصحو من حلمها وأوهامها، وتدرك واقعها، بينما يعلو صوت صريخ أيتامها حزناً على ثدي وأم مرضعة فقدوها، وهم مجمل الدول العربية، وعلى رأسها إسرائيل، المفطومة الأولى، بينما تنطلق الثعابين في المنطقة التي تشبه الدود الذي يأكل الجثث، أقصد ميليشيات الحشد الإيراني، والتنظيمات الإرهابية السنية، وعصابات التشبيح التابعة للنظم.. حتى صار على مليار إنسان أن يبحثوا عن وطن بديل، بعد أن خربت الأنظمة التي تركها الاستعمار وراءه بلدانهم، لذلك كان من الصحيح تماماً تسميته بالاستعمار.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit