الميليشياويون.. أدوار محلية وإقليمية

ماهر إسماعيل

سعت الدول المتدخلة في سوريا منذ الأيام الأولى لإنشاء مجموعات مقاتلة تشتغل تحت قيادتها بغية الإيحاء بأنّها غير متدخلة بالشأن السوري، وهذا وضعها في صلب الوضع الداخلي السوري من عدة جوانب، أولها: وجود جيوشها بشكل مباشر على الأرض السورية، ثانيها: هذه المجموعات هي التي تقوم بالاشتباك المباشر مع النظام للتخفيف من وجود قتلى من هذه الجيوش تذهب إلى بلدها في توابيت، إذ سميت هذه العملية إنشاء الوكلاء الميليشياويين التابعين لها في التسليح ودفع الرواتب الخاصة بهذه الفصائل أو إيجاد مناطق خاصة بها تقوم بعملية جباية وتلبية ما يحتاجه من موارد مالية. ولن ندخل في عمليات الفساد والإفساد الموجود لدى الوكلاء الميليشياويين.

وخلال هذه الفترة الزمنية أعلنت مجموعة فصائل عسكرية في الشمال التابع لتركيا عن تشكيل الجبهة السورية للتحرير، وهي “فرقة المعتصم، فرقة الحمزة، الفرقة (20)، لواء صقور الشمال، فرقة السلطان سليمان شاه”.

وسيكون قوام التجمع (15) ألف مقاتل، وقائد التجمع، معتصم عباس، قائد فرقة المعتصم، ونائب قائد التجمع سيف أبو بكر، قائد فرقة الحمزة.

وبتشكيل الجبهة السورية للتحرير، تكون فصائل “الجيش الوطني” التابع لتركيا المسيطرة على مدينة إدلب وريفها الشمالي قد أعادت تشيكلها ضمن ثلاث تجمعات رئيسة هي “الجبهة الوطنية للتحرير في إدلب، غرفة عمليات عزم، الجبهة السورية للتحرير”. حيث تتواجد الثانية والثالثة في عفرين وريف حلب الشمالي ورأس العين وتل أبيض.

وفي مناطق النظام هناك العديد من الوكلاء الميليشياويين تم توزيعهم على مساحة الوطن السوري، ففي الجنوب السوري هناك الوكيل (أحمد العودة) المشرف على الفيلق الخامس التابع لروسيا، والذي كان قائد تنظيم “شباب السنة” في درعا وريفها. أما في السويداء، فحدّث ولا حرج، فالفصائل المحلية عديدة، ويصعب متابعتها في التبعية، وفي الشمال الشرقي توجد بها قوات سوريا الديمقراطية التي تعمل لحسابها بمشغل وحماية أمريكية.

أما جيش النظام السوري، فهنالك تدخل مركزي واضح، الجيش السوري الذي تحول فصائلياً برعاية إيرانية في الهجوم والمحاصرة، وبقية المراكز والقطع الأساسية مركزية على نقيض الوحدات والألوية والفرق المهاجمة التي تخوض المعارك في المدن والبلدات والشوارع، حيث أصبحت جزءاً من الجيوش التي تخوض المعارك على الأرض تحت قيادة الإيراني، بمشاركة الأفغاني، والشيشاني الموالي للحكومة الروسية، والروسي المتواجد في أكثر من قاعدة على الأرض السورية، بالإضافة إلى الطيران الروسي المتواجد في قاعدة حميميم. وهناك أيضاً فصائل إيرانية وعراقية وأفغانية من “زينبيون، فاطميون… إلخ”.

مفهوم الحرب بالوكالة في حقل العلاقات الدولية كاستراتيجية بديلة أقل تكلفة للحروب المباشرة بين الدول، حيث يشير إلى صراع بين قوى خارجية على المصالح والنفوذ يتم بشكل غير مباشر على أرض دولة ثالثة، عبر استقطاب أطراف محلية موالية لمصالحها في مواجهة معادية لها.

واجتذاب هذا النوع من التدخلات غير المباشرة في مناطق الصراع للعديد من الدول الباحثة عن تحقيق مصالحها بتكلفة منخفضة، إذ لا تؤدي الوكالة إلى خفض عدم التورّط المباشر، ولكن تتيح بالحد الأدنى نظرياً السيطرة على التصعيد بين المتنافسين الدوليين، فعلى سبيل المثال، فإنّ الكيان الصهيوني (إسرائيل) يستهدف وكلاء إيران في سوريا، دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة معها، وقد تعفي الحروب بالوكالة من المسؤوليات القانونية، نظراً لسرية علاقات (الراعي- الوكيل)، وما تتيحه من قدرة على الأفكار، بما يجعل الراعي لا يصطدم بمبادئ كالسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، أو انتهاك حقوق الإنسان، وتحدّ من القيود السياسية للرأي العام الداخلي على إدارة السياسات الخارجية للدول، بخلاف أن الوكلاء أنفسهم قد يكونون أكثر دراية وقبولاً من الرعاة، في إدارة ديناميكيات مناطق النزاعات، بحكم معرفتهم باللغة المحلية والسياق الاجتماعي.

وتعدّ العلاقات بين الرعاة والوكلاء في مناطق النزاع غير مباشرة أو حتى سرية في بعض الحالات. فالطرفان قد يتواجدان معاً، وبشكل صريح وعلني (التدخل الروسي المباشر في سوريا لدعم نظام الأسد في أيلول/ سبتمبر 2015)، بل إن الوكالة باتت تتجه في بعض الحالات إلى النمط الجيوسياسي لتأسيس علاقات وأدوار إقليمية ممتدة للرعاة، فإيران مثلاً، تسعى للربط بين العراق وسوريا ولبنان. وكذلك العراق واليمن، كمنطقة نفوذ استراتيجية لها في الشرق الأوسط، عبر اجتذاب وكلاء يعتمدون الهوية المذهبية ويدعمون نفوذها.

وأصبحت علاقات الوكالة في مناطق الصراع تؤسس لمحاور إقليمية ودولية متضادة، وهو ما برز جلياً في صراعات الشرق الأوسط (تعاون أمريكي مع قوى دولية وإقليمية لدعم المعارضة المسلحة في سوريا)، في مواجهة تعاون بين (روسيا وإيران وحزب الله) لدعم النظام السوري.

وظهر ذلك بتورّط الرعاة أحياناً في حروب مباشرة مكلفة، فالحرب الإقليمية والدولية بالوكالة في سوريا كادت تؤدي في لحظة من اللحظات إلى مواجهة أمريكية – روسية مباشرة، إثر القصف الأمريكي لسوريا بصواريخ كروز في (نيسان/ إبريل2017)، وكان ذلك الهجوم المباشر آنذاك هو الأول من نوعه لواشنطن في خضم الأزمة السورية، رداً على هجوم يعتقد أنه كيميائي على بلدة خان شيخون في إدلب، شمال غربي سوريا.

فعلاقة الراعي بالوكيل تحتاج إلى مراجعة نسبية بحكم ما بينهما من علاقة اعتمادية (تمويل، تدريب، دعم سياسي وأيديولوجي وغيره)، وتفاوت في ميزان القوى، مع تعاظم قدرة الوكلاء على الاستقلالية، بل ومحاولتهم تعليق “فجوة القدرات”.

وتتعدد أنماط الوكلاء الميليشياويين، حيث نجد بعضهم مرتزقة بالمفهوم الشائع للمرتزق، وهو الشخص الذي يستخدم السلاح من أجل تحقيق مكاسب مالية في مناطق الصراعات المسلحة، ونجد في سوريا الكثير من هذا النمط، حيث قام الروس والأتراك بتجنيد العديد من السوريين للقتال وحراسة المنشآت في ليبيا، وغالباً ما يكون التجنيد فردياً نتيجة حاجة المواطن السوري للمال بعد هبوط قيمة الليرة السورية وضعف قدرتها الشرائية، وعدم وجود عمل في المحافظات والمناطق السورية.

وهناك نمط آخر، هو الشركات الأمنية الخاصة، وتعدّ شركة بلاك ووتر الأمريكية الأكثر شهرة، في ظلّ انخراطها في حرب العراق في الفترة من العام 2003 إلى 2011. ومن المفارقات أنّ أعداد المسلحين المنتمين لهذه الشركة كانت متساوية تقريباً مع أعداد القوات الأمريكية في العراق، ما يعكس الدور الكبير الذي كانوا يقومون به، وكذلك مجموعة فاغنر الروسية المتدخلة في سوريا منذ العام (2015)، وفي ليبيا لمصلحة الدكتاتور خليفة حفتر.

وتعتبر مثل هذه العلاقة نمط الوكلاء الميليشياويين مع الرعاة هي علاقة مقاولاتية، حيث يتم توظيفهم في الصراعات المسلحة عبر عقود مالية يتم تحديد قيمتها، ويضاف إلى النمطين السابقين وكلاء لهم طابع ديني وقبلي وعلاقات مصلحية أو أيديولوجية.

ويقسم الدكتور أحمد عبد الحليم في مجلة السياسية الدولية (العدد 218، تشرين الأول/ أكتوبر 2019) الوكلاء إلى نوعين من علاقات الوكلاء الميليشياويين ذوي الطابع القبلي مع الرعاة، فالنوع الأول هو أن يكون الراعي كياناً خارجياً، والنوع الآخر هو أن يكون الراعي الحكومة الوطنية.

وبوجود أطراف خارجية توفر الدعم الإضافي بشتّى أنواعه، سواء كان دعماً مالياً أو سياسياً، يمكن القول إن علاقة الوكلاء بالرعاة في هذين النموذجين تستهدف تحقيق مكاسب سياسية، حيث إنّ الدعم الخارجي المقدم من خلال الحكومة الوطنية ينشئ نفوذاً لهؤلاء الوكلاء من أجل يكونوا جزءاً من أي ترتيبات سياسية محتملة، أو حتى من خلال دمجهم في الهياكل الأمنية الوطنية في مرحلة إعادة بناء الدولة في إطار تفاهمات معينة.

ويرتبط بالوكلاء الميليشياويين ذوي الطابع القبلي الوكلاء المنخرطون في الصراعات لدوافع دينية متطرفة، على غرار تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية “داعش”، الإرهابيين.

أخيراً، وجود الوكلاء الميليشياويين في مناطق الصراع المفتوحة في العالم جزء من حركية ودينامية هذا الصراع، وفي سوريا والعراق في الأعوام العشر من الصراع المحلي القائم على أسس مصلحية تقوم بالحفاظ على كرسي الحكم الذي تدخلت إلى جانبه (روسيا، وإيران وذراعها حزب الله)، بينما بدأت ظاهرة الميليشياويين في مناطق سيطرة ما تسمى بالمعارضة المسلحة تنظم ذاتها في أشكال عسكرية قادرة على الاستمرار بدعم خارجي ومحلي، في حين أن ظاهرة الفوضى المسلحة في السويداء تنم عن عدم القدرة على تنظيم الأدوات المسلحة، وعدم وجود حوار بين مسلحي السويداء من الطائفة الدرزية، خصيصاً الذين يعملون في (التنظيمات). بالإضافة إلى الممول لهذه الأدوات الذي يعمل بأجندات خاصة به، بعيداً عن مصالح الأدوات المحلية في السويداء.

والخلاصة أنه سوف تظهر صعوبات إعادة دمج الوكلاء الميليشياويين في المرحلة المتقدمة من الحل السياسي السوري لتشكيل الجيش السوري المأمول حتى يلعب دوراً وطنياً خارج أطر الأدوات الفصائيلية والميشلاوية والمذهبية.

ليفانت – ماهر إسماعيل

سعت الدول المتدخلة في سوريا منذ الأيام الأولى لإنشاء مجموعات مقاتلة تشتغل تحت قيادتها بغية الإيحاء بأنّها غير متدخلة بالشأن السوري، وهذا وضعها في صلب الوضع الداخلي السوري من عدة جوانب، أولها: وجود جيوشها بشكل مباشر على الأرض السورية، ثانيها: هذه المجموعات هي التي تقوم بالاشتباك المباشر مع النظام للتخفيف من وجود قتلى من هذه الجيوش تذهب إلى بلدها في توابيت، إذ سميت هذه العملية إنشاء الوكلاء الميليشياويين التابعين لها في التسليح ودفع الرواتب الخاصة بهذه الفصائل أو إيجاد مناطق خاصة بها تقوم بعملية جباية وتلبية ما يحتاجه من موارد مالية. ولن ندخل في عمليات الفساد والإفساد الموجود لدى الوكلاء الميليشياويين.

وخلال هذه الفترة الزمنية أعلنت مجموعة فصائل عسكرية في الشمال التابع لتركيا عن تشكيل الجبهة السورية للتحرير، وهي “فرقة المعتصم، فرقة الحمزة، الفرقة (20)، لواء صقور الشمال، فرقة السلطان سليمان شاه”.

وسيكون قوام التجمع (15) ألف مقاتل، وقائد التجمع، معتصم عباس، قائد فرقة المعتصم، ونائب قائد التجمع سيف أبو بكر، قائد فرقة الحمزة.

وبتشكيل الجبهة السورية للتحرير، تكون فصائل “الجيش الوطني” التابع لتركيا المسيطرة على مدينة إدلب وريفها الشمالي قد أعادت تشيكلها ضمن ثلاث تجمعات رئيسة هي “الجبهة الوطنية للتحرير في إدلب، غرفة عمليات عزم، الجبهة السورية للتحرير”. حيث تتواجد الثانية والثالثة في عفرين وريف حلب الشمالي ورأس العين وتل أبيض.

وفي مناطق النظام هناك العديد من الوكلاء الميليشياويين تم توزيعهم على مساحة الوطن السوري، ففي الجنوب السوري هناك الوكيل (أحمد العودة) المشرف على الفيلق الخامس التابع لروسيا، والذي كان قائد تنظيم “شباب السنة” في درعا وريفها. أما في السويداء، فحدّث ولا حرج، فالفصائل المحلية عديدة، ويصعب متابعتها في التبعية، وفي الشمال الشرقي توجد بها قوات سوريا الديمقراطية التي تعمل لحسابها بمشغل وحماية أمريكية.

أما جيش النظام السوري، فهنالك تدخل مركزي واضح، الجيش السوري الذي تحول فصائلياً برعاية إيرانية في الهجوم والمحاصرة، وبقية المراكز والقطع الأساسية مركزية على نقيض الوحدات والألوية والفرق المهاجمة التي تخوض المعارك في المدن والبلدات والشوارع، حيث أصبحت جزءاً من الجيوش التي تخوض المعارك على الأرض تحت قيادة الإيراني، بمشاركة الأفغاني، والشيشاني الموالي للحكومة الروسية، والروسي المتواجد في أكثر من قاعدة على الأرض السورية، بالإضافة إلى الطيران الروسي المتواجد في قاعدة حميميم. وهناك أيضاً فصائل إيرانية وعراقية وأفغانية من “زينبيون، فاطميون… إلخ”.

مفهوم الحرب بالوكالة في حقل العلاقات الدولية كاستراتيجية بديلة أقل تكلفة للحروب المباشرة بين الدول، حيث يشير إلى صراع بين قوى خارجية على المصالح والنفوذ يتم بشكل غير مباشر على أرض دولة ثالثة، عبر استقطاب أطراف محلية موالية لمصالحها في مواجهة معادية لها.

واجتذاب هذا النوع من التدخلات غير المباشرة في مناطق الصراع للعديد من الدول الباحثة عن تحقيق مصالحها بتكلفة منخفضة، إذ لا تؤدي الوكالة إلى خفض عدم التورّط المباشر، ولكن تتيح بالحد الأدنى نظرياً السيطرة على التصعيد بين المتنافسين الدوليين، فعلى سبيل المثال، فإنّ الكيان الصهيوني (إسرائيل) يستهدف وكلاء إيران في سوريا، دون اللجوء إلى مواجهة مباشرة معها، وقد تعفي الحروب بالوكالة من المسؤوليات القانونية، نظراً لسرية علاقات (الراعي- الوكيل)، وما تتيحه من قدرة على الأفكار، بما يجعل الراعي لا يصطدم بمبادئ كالسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، أو انتهاك حقوق الإنسان، وتحدّ من القيود السياسية للرأي العام الداخلي على إدارة السياسات الخارجية للدول، بخلاف أن الوكلاء أنفسهم قد يكونون أكثر دراية وقبولاً من الرعاة، في إدارة ديناميكيات مناطق النزاعات، بحكم معرفتهم باللغة المحلية والسياق الاجتماعي.

وتعدّ العلاقات بين الرعاة والوكلاء في مناطق النزاع غير مباشرة أو حتى سرية في بعض الحالات. فالطرفان قد يتواجدان معاً، وبشكل صريح وعلني (التدخل الروسي المباشر في سوريا لدعم نظام الأسد في أيلول/ سبتمبر 2015)، بل إن الوكالة باتت تتجه في بعض الحالات إلى النمط الجيوسياسي لتأسيس علاقات وأدوار إقليمية ممتدة للرعاة، فإيران مثلاً، تسعى للربط بين العراق وسوريا ولبنان. وكذلك العراق واليمن، كمنطقة نفوذ استراتيجية لها في الشرق الأوسط، عبر اجتذاب وكلاء يعتمدون الهوية المذهبية ويدعمون نفوذها.

وأصبحت علاقات الوكالة في مناطق الصراع تؤسس لمحاور إقليمية ودولية متضادة، وهو ما برز جلياً في صراعات الشرق الأوسط (تعاون أمريكي مع قوى دولية وإقليمية لدعم المعارضة المسلحة في سوريا)، في مواجهة تعاون بين (روسيا وإيران وحزب الله) لدعم النظام السوري.

وظهر ذلك بتورّط الرعاة أحياناً في حروب مباشرة مكلفة، فالحرب الإقليمية والدولية بالوكالة في سوريا كادت تؤدي في لحظة من اللحظات إلى مواجهة أمريكية – روسية مباشرة، إثر القصف الأمريكي لسوريا بصواريخ كروز في (نيسان/ إبريل2017)، وكان ذلك الهجوم المباشر آنذاك هو الأول من نوعه لواشنطن في خضم الأزمة السورية، رداً على هجوم يعتقد أنه كيميائي على بلدة خان شيخون في إدلب، شمال غربي سوريا.

فعلاقة الراعي بالوكيل تحتاج إلى مراجعة نسبية بحكم ما بينهما من علاقة اعتمادية (تمويل، تدريب، دعم سياسي وأيديولوجي وغيره)، وتفاوت في ميزان القوى، مع تعاظم قدرة الوكلاء على الاستقلالية، بل ومحاولتهم تعليق “فجوة القدرات”.

وتتعدد أنماط الوكلاء الميليشياويين، حيث نجد بعضهم مرتزقة بالمفهوم الشائع للمرتزق، وهو الشخص الذي يستخدم السلاح من أجل تحقيق مكاسب مالية في مناطق الصراعات المسلحة، ونجد في سوريا الكثير من هذا النمط، حيث قام الروس والأتراك بتجنيد العديد من السوريين للقتال وحراسة المنشآت في ليبيا، وغالباً ما يكون التجنيد فردياً نتيجة حاجة المواطن السوري للمال بعد هبوط قيمة الليرة السورية وضعف قدرتها الشرائية، وعدم وجود عمل في المحافظات والمناطق السورية.

وهناك نمط آخر، هو الشركات الأمنية الخاصة، وتعدّ شركة بلاك ووتر الأمريكية الأكثر شهرة، في ظلّ انخراطها في حرب العراق في الفترة من العام 2003 إلى 2011. ومن المفارقات أنّ أعداد المسلحين المنتمين لهذه الشركة كانت متساوية تقريباً مع أعداد القوات الأمريكية في العراق، ما يعكس الدور الكبير الذي كانوا يقومون به، وكذلك مجموعة فاغنر الروسية المتدخلة في سوريا منذ العام (2015)، وفي ليبيا لمصلحة الدكتاتور خليفة حفتر.

وتعتبر مثل هذه العلاقة نمط الوكلاء الميليشياويين مع الرعاة هي علاقة مقاولاتية، حيث يتم توظيفهم في الصراعات المسلحة عبر عقود مالية يتم تحديد قيمتها، ويضاف إلى النمطين السابقين وكلاء لهم طابع ديني وقبلي وعلاقات مصلحية أو أيديولوجية.

ويقسم الدكتور أحمد عبد الحليم في مجلة السياسية الدولية (العدد 218، تشرين الأول/ أكتوبر 2019) الوكلاء إلى نوعين من علاقات الوكلاء الميليشياويين ذوي الطابع القبلي مع الرعاة، فالنوع الأول هو أن يكون الراعي كياناً خارجياً، والنوع الآخر هو أن يكون الراعي الحكومة الوطنية.

وبوجود أطراف خارجية توفر الدعم الإضافي بشتّى أنواعه، سواء كان دعماً مالياً أو سياسياً، يمكن القول إن علاقة الوكلاء بالرعاة في هذين النموذجين تستهدف تحقيق مكاسب سياسية، حيث إنّ الدعم الخارجي المقدم من خلال الحكومة الوطنية ينشئ نفوذاً لهؤلاء الوكلاء من أجل يكونوا جزءاً من أي ترتيبات سياسية محتملة، أو حتى من خلال دمجهم في الهياكل الأمنية الوطنية في مرحلة إعادة بناء الدولة في إطار تفاهمات معينة.

ويرتبط بالوكلاء الميليشياويين ذوي الطابع القبلي الوكلاء المنخرطون في الصراعات لدوافع دينية متطرفة، على غرار تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية “داعش”، الإرهابيين.

أخيراً، وجود الوكلاء الميليشياويين في مناطق الصراع المفتوحة في العالم جزء من حركية ودينامية هذا الصراع، وفي سوريا والعراق في الأعوام العشر من الصراع المحلي القائم على أسس مصلحية تقوم بالحفاظ على كرسي الحكم الذي تدخلت إلى جانبه (روسيا، وإيران وذراعها حزب الله)، بينما بدأت ظاهرة الميليشياويين في مناطق سيطرة ما تسمى بالمعارضة المسلحة تنظم ذاتها في أشكال عسكرية قادرة على الاستمرار بدعم خارجي ومحلي، في حين أن ظاهرة الفوضى المسلحة في السويداء تنم عن عدم القدرة على تنظيم الأدوات المسلحة، وعدم وجود حوار بين مسلحي السويداء من الطائفة الدرزية، خصيصاً الذين يعملون في (التنظيمات). بالإضافة إلى الممول لهذه الأدوات الذي يعمل بأجندات خاصة به، بعيداً عن مصالح الأدوات المحلية في السويداء.

والخلاصة أنه سوف تظهر صعوبات إعادة دمج الوكلاء الميليشياويين في المرحلة المتقدمة من الحل السياسي السوري لتشكيل الجيش السوري المأمول حتى يلعب دوراً وطنياً خارج أطر الأدوات الفصائيلية والميشلاوية والمذهبية.

ليفانت – ماهر إسماعيل

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit