العقل الدوغمائي وشيطنة الآخر

كمال اللبواني
كمال اللبواني

يعتمد العقل الدوغمائي على مبدأ الضديّة، يجمع الشرّ في طرف والخير في طرف آخر، ويقيم التناقض بينهما وجودياً، فالخير والشر ليسا موجودين بنسب مختلفة في كل وجود جمعي إنساني، بل يجري تجميع الشر بضد مكروه، بينما يجتمع الخير كله بنقيض محبوب.

هذه العقلية تعكس حالة تخندق قتالي بين المجموعات والبشر، تعيش عليها معظم المجتمعات المتخلفة التي تعجز عن حلّ صراعاتها بشكل طبيعي، عبر نظم للعقد الاجتماعي تعترف به وتتجاوزه، بواسطة نظام يؤسس للسلم الداخلي.

وعندما يتدخل عقل نقدي موضوعي لتبيان الخلل والخطأ في هذا العقل العدائي التعصبي العنصري، من خلال نقد الذات أو تبيان حسنات موجودة بالآخر، يشعر الفريق المتجمع دوغمائياً بخطر تحطيم منظومته الاجتماعية وفك وحدته التي ما كانت لتستمر من دونه، وهكذا تميل التجمعات السياسية التي لا تقوم على علاقات طبيعية ومصالح متبادلة بين البشر، بالتعويض عن حالة الصراع الداخلي المرير التي تحكمها، بواسطة اختراع عدو خارجي تجعله مسؤولاً عن كل مصائبها، يغطي التناقضات الداخلية بوحدة تعصبية شكلية قائمة على شيطنة الآخر وتضخيم خطره، لتوحيد الجماعة المفتقرة للوحدة والانسجام في داخلها، يجري التهرب من الاعتراف به، عبر تحويله لنتيجة فعل يقوم به من هو خارجها. وهذا ما يتجلّى دوماً في عقلية المؤامرة، وضرورة التوحد في مواجهة عدو شيطاني خطر يتربصّ، هو بالحقيقة شرط الحفاظ على النظام القائم على التناحر.

هذا ينطبق على النظام الإيراني، ومنظمات التطرّف الإسلامي، والنظم القومية، وكل نظم الاستبداد. فالدوغمائية والاستبداد هما صنوان لا يفترقان، وهما المنبت الطبيعي للعنصرية والحقد والتعصب والإرهاب، ومحرك معظم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لذلك لا نستغرب أن يقوم النظام السوري بشيطنة الثورة ثم دعم داعش لتقوم بعملياتها الإرهابية لتصبح صورتها، لكي يجمع حوله كل المترددين ويجعل منهم كتلة متراصّة تدافع عن نفسها، بينما يقوم الطرف الآخر بعمل مشابه ومضاد تتنطح له المنظمات السياسية الإسلامية التي تبرر به ممارستها للعنف والترهيب، وهكذا يتبادل كلا الطرفين الشرعية والمشروعية، ويتسابقان لارتكاب الجرائم والفظائع المبررة، دينياً وأخلاقياً، بينما يجد الشعب نفسه مجرد ضحية لهذا الصراع.

أي محاولة للخروج خارج صندوق التفكير الدوغمائي الذي يعلب الصراعات، يظهر كخيانة يجب محاربتها قبل محاربة العدو, هذه الصراعات العقيمة لا تنتهي إلا بفناء الطرفين، وهذا ما يدفع بالدول الخارجية لاعتماد سياسة الاستنزاف وإدامة الصراع خوفاً من كلا الطرفين، وبانتظار هلاكهما معاً، لكن الشعوب التي تدفع الثمن لا يمكنها الخروج منها من دون الخروج من صندوق التفكير هذا الذي يحرص عليها ويغذيها ويديمها، فالبدء بنقد الذات، ثم إعادة تقييم الآخر، للبحث عن عناصر جديدة لتلطيف الحالة، هي ما تجعل الآخر أيضاً يغير صورته وتصوره عن الآخر، وهي الآلية الوحيدة للبحث عن حلول ووضع نهاية لهذه الصراعات المهلكة التي تجتاح المنطقة العربية.

لا بد من إعادة تقييم الذات، حتى لو بدا ذلك نقداً في غير مكانه ووقته، ولا بد من إعادة تقييم الآخر، ولو بدا ذلك تجميلاً لصورة العدو، ولا بد من حجز ساحة للحرية أولاً، لأنّه فقط بالعقل النقدي الموضوعي يمكن الخروج من دوامة الصراعات المهلكة التي لا أمل في حسمها، وهذا ما دفعني لزيارة إسرائيل، ثم انتقاد المعارضة، ثم إعادة تقييم الأعداء والأصدقاء، واعتماد سياسة قطع رؤوس الطرفين المتصارعين، الذين يستمدّون بقاءهم في القيادة من خلال استمرار هذا العقل وهذا الصراع، وكل ذلك سعياً وراء بناء عقل نقدي موضوعي يعتمده الشعب ويمكّنه من الخروج من صندوق العقل الدوغمائي والصراعات العدمية المهلكة، كمخرج ذاتي ممكن وحيد، بالنظر لسعي الدول النافذة لإدامة هذا الصراع، بانتظار حصول الاهتراء الكامل والهلاك لقوى لا يمكن أن تعتبر صديقة أو حتى أليفة يمكن التعايش معها، وهي تجد لنفسها كل المبررات التي تجعلها تطبق تلك السياسة بما يرتكبه كلا الطرفين من جرائم وفظائع.

وهكذا وبسبب عدم شهية كل المتدخلين لإيجاد حل، لا يبقى سوى البحث الذاتي عن مخارج، وهي غير ممكنة إلا بتغيير نمط العقل المتعمد في تغذية هذا الصراع وتخليده، وهذا لا يعني سوى تطبيق ذات القيم والمعايير على الذات والآخر، من خلال استبعاد المرتكبين والمجرمين والفاسدين والحاقدين والعنصريين والطائفيين والمستبدين نعم، بحمل مبادئ الثورة وتطبيقها أولاً على الثورة، يمكن فقط تجاوز الحالة وتحقيق انتصار للقيم التي تجعل وطننا متحضراً.

كمال البواني

ليفانت – د. كمال اللبواني

يعتمد العقل الدوغمائي على مبدأ الضديّة، يجمع الشرّ في طرف والخير في طرف آخر، ويقيم التناقض بينهما وجودياً، فالخير والشر ليسا موجودين بنسب مختلفة في كل وجود جمعي إنساني، بل يجري تجميع الشر بضد مكروه، بينما يجتمع الخير كله بنقيض محبوب.

هذه العقلية تعكس حالة تخندق قتالي بين المجموعات والبشر، تعيش عليها معظم المجتمعات المتخلفة التي تعجز عن حلّ صراعاتها بشكل طبيعي، عبر نظم للعقد الاجتماعي تعترف به وتتجاوزه، بواسطة نظام يؤسس للسلم الداخلي.

وعندما يتدخل عقل نقدي موضوعي لتبيان الخلل والخطأ في هذا العقل العدائي التعصبي العنصري، من خلال نقد الذات أو تبيان حسنات موجودة بالآخر، يشعر الفريق المتجمع دوغمائياً بخطر تحطيم منظومته الاجتماعية وفك وحدته التي ما كانت لتستمر من دونه، وهكذا تميل التجمعات السياسية التي لا تقوم على علاقات طبيعية ومصالح متبادلة بين البشر، بالتعويض عن حالة الصراع الداخلي المرير التي تحكمها، بواسطة اختراع عدو خارجي تجعله مسؤولاً عن كل مصائبها، يغطي التناقضات الداخلية بوحدة تعصبية شكلية قائمة على شيطنة الآخر وتضخيم خطره، لتوحيد الجماعة المفتقرة للوحدة والانسجام في داخلها، يجري التهرب من الاعتراف به، عبر تحويله لنتيجة فعل يقوم به من هو خارجها. وهذا ما يتجلّى دوماً في عقلية المؤامرة، وضرورة التوحد في مواجهة عدو شيطاني خطر يتربصّ، هو بالحقيقة شرط الحفاظ على النظام القائم على التناحر.

هذا ينطبق على النظام الإيراني، ومنظمات التطرّف الإسلامي، والنظم القومية، وكل نظم الاستبداد. فالدوغمائية والاستبداد هما صنوان لا يفترقان، وهما المنبت الطبيعي للعنصرية والحقد والتعصب والإرهاب، ومحرك معظم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لذلك لا نستغرب أن يقوم النظام السوري بشيطنة الثورة ثم دعم داعش لتقوم بعملياتها الإرهابية لتصبح صورتها، لكي يجمع حوله كل المترددين ويجعل منهم كتلة متراصّة تدافع عن نفسها، بينما يقوم الطرف الآخر بعمل مشابه ومضاد تتنطح له المنظمات السياسية الإسلامية التي تبرر به ممارستها للعنف والترهيب، وهكذا يتبادل كلا الطرفين الشرعية والمشروعية، ويتسابقان لارتكاب الجرائم والفظائع المبررة، دينياً وأخلاقياً، بينما يجد الشعب نفسه مجرد ضحية لهذا الصراع.

أي محاولة للخروج خارج صندوق التفكير الدوغمائي الذي يعلب الصراعات، يظهر كخيانة يجب محاربتها قبل محاربة العدو, هذه الصراعات العقيمة لا تنتهي إلا بفناء الطرفين، وهذا ما يدفع بالدول الخارجية لاعتماد سياسة الاستنزاف وإدامة الصراع خوفاً من كلا الطرفين، وبانتظار هلاكهما معاً، لكن الشعوب التي تدفع الثمن لا يمكنها الخروج منها من دون الخروج من صندوق التفكير هذا الذي يحرص عليها ويغذيها ويديمها، فالبدء بنقد الذات، ثم إعادة تقييم الآخر، للبحث عن عناصر جديدة لتلطيف الحالة، هي ما تجعل الآخر أيضاً يغير صورته وتصوره عن الآخر، وهي الآلية الوحيدة للبحث عن حلول ووضع نهاية لهذه الصراعات المهلكة التي تجتاح المنطقة العربية.

لا بد من إعادة تقييم الذات، حتى لو بدا ذلك نقداً في غير مكانه ووقته، ولا بد من إعادة تقييم الآخر، ولو بدا ذلك تجميلاً لصورة العدو، ولا بد من حجز ساحة للحرية أولاً، لأنّه فقط بالعقل النقدي الموضوعي يمكن الخروج من دوامة الصراعات المهلكة التي لا أمل في حسمها، وهذا ما دفعني لزيارة إسرائيل، ثم انتقاد المعارضة، ثم إعادة تقييم الأعداء والأصدقاء، واعتماد سياسة قطع رؤوس الطرفين المتصارعين، الذين يستمدّون بقاءهم في القيادة من خلال استمرار هذا العقل وهذا الصراع، وكل ذلك سعياً وراء بناء عقل نقدي موضوعي يعتمده الشعب ويمكّنه من الخروج من صندوق العقل الدوغمائي والصراعات العدمية المهلكة، كمخرج ذاتي ممكن وحيد، بالنظر لسعي الدول النافذة لإدامة هذا الصراع، بانتظار حصول الاهتراء الكامل والهلاك لقوى لا يمكن أن تعتبر صديقة أو حتى أليفة يمكن التعايش معها، وهي تجد لنفسها كل المبررات التي تجعلها تطبق تلك السياسة بما يرتكبه كلا الطرفين من جرائم وفظائع.

وهكذا وبسبب عدم شهية كل المتدخلين لإيجاد حل، لا يبقى سوى البحث الذاتي عن مخارج، وهي غير ممكنة إلا بتغيير نمط العقل المتعمد في تغذية هذا الصراع وتخليده، وهذا لا يعني سوى تطبيق ذات القيم والمعايير على الذات والآخر، من خلال استبعاد المرتكبين والمجرمين والفاسدين والحاقدين والعنصريين والطائفيين والمستبدين نعم، بحمل مبادئ الثورة وتطبيقها أولاً على الثورة، يمكن فقط تجاوز الحالة وتحقيق انتصار للقيم التي تجعل وطننا متحضراً.

كمال البواني

ليفانت – د. كمال اللبواني

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit