الانسحاب الأمريكي وقسد

غسان المفلح
غسان المفلح

رغم اعتراضي على مفهوم “الانسحاب الأمريكي”، ووفقاً لما جرى في أفغانستان، وتسليمها لطالبان، إلا أنني كتبت منذ أسبوعين منشوراً على السوشيال ميديا، وفقاً للأحاديث المتداولة حتى الآن عن انسحاب أمريكي محتمل من سوريا.

“بمناسبة كثرة التصريحات عن أن أمريكا لن تنسحب من سوريا، عندما تقرر أمريكا الانسحاب ستبلغكم، لكنها لن تنسحب إلا إذا أتمّت صفقة مع الروس وإيران والأسد، ما لم يسقط الأسد طبعاً. لن تترك سوريا بدون اتفاق تماماً كما حدث بأفغانستان باتفاق مع طالبان. لكن مع من ستتفق في سوريا؟ ربما هذا السؤال الأجدى! ملاحظة: تواجدها في سوريا لا يتعرّض للخطر ولا تكاليف تذكر، لا بشرياً ولا مادياً. الاحتلال المخملي”.

قبل أن أنتقل للحديث عن سوريا والتواجد الأمريكي فيها، أقول إن أمريكا لا تنسحب من أية منطقة من العالم سياسة ونفوذاً. مرات عديدة وأنا أكتب أنّ أمريكا تحاول إعادة موضع واختبار نفوذها في العالم، في سياق تغير الأولويات العابرة أو الاستراتيجية. الانسحاب العسكري يمكن أن يؤشر إلى زيادة نفوذ أمريكي وليس العكس. تماماً كما حدث في أفغانستان، وكنت كتبت عن هذا الموضوع مادة لهذا الموقع بعنوان “طالبان خيار أمريكي” في أفغانستان. لهذا يمكننا القول، إن أمريكا تسحب بعضاً من جنودها المنتشرين في العالم. لكن أمريكا لا تسحب نفوذها، بل تعمقه أكثر. كما لا داعي للتذكير في كل مرة أنّ النفوذ الأمريكي من القوة، بحيث تكفي أن تضع أميركا علمها على أية منطقة لتصير تحت حمايتها.

الخطأ القاتل الذي تقع فيه النخب الدارسة للسياسة الأمريكية، أنها تعتقد أن أمريكا في العالم أو في الشرق الأوسط خاصة، تريد دولاً طبيعية، أو تريد استقراراً في هذه الدول. أمريكا أكثر من يدرك أنّ الأشكال الأمنية الصرفة للحكم، هي عبارة عن ألغام نائمة ستعصف بالمجتمعات هذه. أمريكا تعرف أكثر من الجميع ماذا تعني أنظمة فاشية وإبادية وقمعية. مع ذلك هي مستمرة في نفس النهج بالتعاطي مع دول العالم، عموماً، والشرق الأوسط، خصوصاً.

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن انسحاب عسكري أمريكي من سوريا. ووفقاً لهذا المقدمة علينا أن نسأل قسد ماذا ستفعل؟ هل ستعود لحضن النظام وإيران وروسيا؟ على فرض أن الأمريكان ضمنوا عدم حصول مواجهة مع تركيا. هل ستصبح قوات قسد جزءاً من قوات الأسد؟ هل سيبقى حزب العمال الكردستاني التركي حاكماً كما الآن في مناطق قسد؟ إذا أعاد الأمريكان روسيا والأسد وإيران للمنطقة، فلن يكون هنالك سلطة أخرى تشاركهم. وإذا حدث الانسحاب هذا سيكون من أجل إعادة الثروة النفطية للأسد، ليشتري بها مزيداً من السلاح لقتل الشعب السوري، وإنهاء حالة قسد في منطقة الجزيرة السورية.

لم يعد خافياً على أحد أنّ أمريكا هي وراء بقاء الأسد في الحكم حتى اللحظة. من جهة أخرى، المؤشرات الأمريكية في لبنان بعد تشكيل حكومته العتيدة، تؤكد أنّ أمريكا وإسرائيل تريدان لبنان محكوماً إيرانياً عبر حزب الله. ليس أدلّ على ذلك سوى المساعدة بخمسين مليون دولار التي أقرّها بايدن للجيش اللبناني الموالي لحزب الله. إضافة إلى أن المباحثات مع ملالي طهران مستمرة، من أجل إنجاز صيغة جديدة من الفتك بشعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الإيراني.

كل النماذج التي قدّمها التدخل الإيراني في دول المنطقة أدّت إلى خراب. هذا ما تدركه أمريكا وإسرائيل أيضاً. وما يدركه الروس والأوربيون. لماذا ستكون سوريا استثناء؟ إنها ليست استثناء حتى اللحظة. ببساطة يمكن أن تسلم أمريكا سوريا لتقاسم إجرامي بين الأسد والملالي وبوتين. ما الذي يمنعها من ذلك؟ فماذا ستفعل قسد عندها؟ التي كانت وما تزال نسبياً تمتلك الفرصة في أن تعيد ترتيب المنطقة بطريقة لائقة. بطريقة تتيح لكافة المكونات السياسية وغير السياسية المشاركة في إنجاز مجلس حكم محلي يضمن له أن يكون نموذجاً خارج سيطرة الثلاثي الإجرامي. فهل ستفعل قسد ذلك؟ علماً أنّه بات من الواضح أيضاً أن العلاقة الأمريكية التركية أكثر رسوخاً مما يعتقد قادة البي كي كي.. فماذا سيفعلون؟

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

رغم اعتراضي على مفهوم “الانسحاب الأمريكي”، ووفقاً لما جرى في أفغانستان، وتسليمها لطالبان، إلا أنني كتبت منذ أسبوعين منشوراً على السوشيال ميديا، وفقاً للأحاديث المتداولة حتى الآن عن انسحاب أمريكي محتمل من سوريا.

“بمناسبة كثرة التصريحات عن أن أمريكا لن تنسحب من سوريا، عندما تقرر أمريكا الانسحاب ستبلغكم، لكنها لن تنسحب إلا إذا أتمّت صفقة مع الروس وإيران والأسد، ما لم يسقط الأسد طبعاً. لن تترك سوريا بدون اتفاق تماماً كما حدث بأفغانستان باتفاق مع طالبان. لكن مع من ستتفق في سوريا؟ ربما هذا السؤال الأجدى! ملاحظة: تواجدها في سوريا لا يتعرّض للخطر ولا تكاليف تذكر، لا بشرياً ولا مادياً. الاحتلال المخملي”.

قبل أن أنتقل للحديث عن سوريا والتواجد الأمريكي فيها، أقول إن أمريكا لا تنسحب من أية منطقة من العالم سياسة ونفوذاً. مرات عديدة وأنا أكتب أنّ أمريكا تحاول إعادة موضع واختبار نفوذها في العالم، في سياق تغير الأولويات العابرة أو الاستراتيجية. الانسحاب العسكري يمكن أن يؤشر إلى زيادة نفوذ أمريكي وليس العكس. تماماً كما حدث في أفغانستان، وكنت كتبت عن هذا الموضوع مادة لهذا الموقع بعنوان “طالبان خيار أمريكي” في أفغانستان. لهذا يمكننا القول، إن أمريكا تسحب بعضاً من جنودها المنتشرين في العالم. لكن أمريكا لا تسحب نفوذها، بل تعمقه أكثر. كما لا داعي للتذكير في كل مرة أنّ النفوذ الأمريكي من القوة، بحيث تكفي أن تضع أميركا علمها على أية منطقة لتصير تحت حمايتها.

الخطأ القاتل الذي تقع فيه النخب الدارسة للسياسة الأمريكية، أنها تعتقد أن أمريكا في العالم أو في الشرق الأوسط خاصة، تريد دولاً طبيعية، أو تريد استقراراً في هذه الدول. أمريكا أكثر من يدرك أنّ الأشكال الأمنية الصرفة للحكم، هي عبارة عن ألغام نائمة ستعصف بالمجتمعات هذه. أمريكا تعرف أكثر من الجميع ماذا تعني أنظمة فاشية وإبادية وقمعية. مع ذلك هي مستمرة في نفس النهج بالتعاطي مع دول العالم، عموماً، والشرق الأوسط، خصوصاً.

في الأيام الأخيرة عاد الحديث عن انسحاب عسكري أمريكي من سوريا. ووفقاً لهذا المقدمة علينا أن نسأل قسد ماذا ستفعل؟ هل ستعود لحضن النظام وإيران وروسيا؟ على فرض أن الأمريكان ضمنوا عدم حصول مواجهة مع تركيا. هل ستصبح قوات قسد جزءاً من قوات الأسد؟ هل سيبقى حزب العمال الكردستاني التركي حاكماً كما الآن في مناطق قسد؟ إذا أعاد الأمريكان روسيا والأسد وإيران للمنطقة، فلن يكون هنالك سلطة أخرى تشاركهم. وإذا حدث الانسحاب هذا سيكون من أجل إعادة الثروة النفطية للأسد، ليشتري بها مزيداً من السلاح لقتل الشعب السوري، وإنهاء حالة قسد في منطقة الجزيرة السورية.

لم يعد خافياً على أحد أنّ أمريكا هي وراء بقاء الأسد في الحكم حتى اللحظة. من جهة أخرى، المؤشرات الأمريكية في لبنان بعد تشكيل حكومته العتيدة، تؤكد أنّ أمريكا وإسرائيل تريدان لبنان محكوماً إيرانياً عبر حزب الله. ليس أدلّ على ذلك سوى المساعدة بخمسين مليون دولار التي أقرّها بايدن للجيش اللبناني الموالي لحزب الله. إضافة إلى أن المباحثات مع ملالي طهران مستمرة، من أجل إنجاز صيغة جديدة من الفتك بشعوب المنطقة، وعلى رأسها الشعب الإيراني.

كل النماذج التي قدّمها التدخل الإيراني في دول المنطقة أدّت إلى خراب. هذا ما تدركه أمريكا وإسرائيل أيضاً. وما يدركه الروس والأوربيون. لماذا ستكون سوريا استثناء؟ إنها ليست استثناء حتى اللحظة. ببساطة يمكن أن تسلم أمريكا سوريا لتقاسم إجرامي بين الأسد والملالي وبوتين. ما الذي يمنعها من ذلك؟ فماذا ستفعل قسد عندها؟ التي كانت وما تزال نسبياً تمتلك الفرصة في أن تعيد ترتيب المنطقة بطريقة لائقة. بطريقة تتيح لكافة المكونات السياسية وغير السياسية المشاركة في إنجاز مجلس حكم محلي يضمن له أن يكون نموذجاً خارج سيطرة الثلاثي الإجرامي. فهل ستفعل قسد ذلك؟ علماً أنّه بات من الواضح أيضاً أن العلاقة الأمريكية التركية أكثر رسوخاً مما يعتقد قادة البي كي كي.. فماذا سيفعلون؟

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit