الاستحقاق الانتخابي في ليبيا.. صراع السياسة وفوضى السلاح

رامي شفيق
رامي شفيق

يبدو أنّ مشهد الانتخابات الليبية يقترب من الموعد المحدّد له، والمزمع إجراؤه نهاية ديسمبر (كانون الأول)، العام الحالي، بينما تبتعد المعطيات اللازمة والضرورية التي من شأنها سيسمح للاستحقاق الانتخابي المرور والنفاذ بين جملة التحديات والعراقيل التي تقف حائلاً أمام ذلك، سواء ما يقع منها على المستوى الداخلي في ليبيا، سياسياً أو ميدانياً، وما يرتبط به من الأوضاع الإقليمية والدولية، التي تلقي بظلالها على الأحداث المحلية، واستقرار المشهد السياسي.

نزع سلاح الميلشيات المدعومة من تركيا، وإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، يفرض بحضوره الثقيل أعباء مركبة بخصوص المحاولات التي تهدف لاستعادة الدولة، بوظيفتها ومفهومها، وكذا محددات عملها على الجغرافيا الساخنة في ليبيا.

ثمة حقيقة لا ينبغي إغفالها منذ اللحظة التي استلمت فيها حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، واستلام الحقائب الوزارية من حكومة الشرق في بنغازي؛ وهي عدم القدرة على الوصول إلى توحيد المؤسسات والسلطة على كافة حدود البلاد.

لذلك من الصعوبة تدبر المشهد في ليبيا على المستوى السياسي، فيما يخصّ الحكومة ومجلس النواب، دون مراجعة معطيات الاختلاف ومحددات الصراع فيما بينهما، حيث يأتي حديث عقيلة صالح دوماً ليذهب نحو فشل الحكومة في هدفها الرئيس، وهو توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات، فضلاً عن رؤيته التي يبرزها غير مرة بأن مشكلة ليبيا لا تحلّ إلا بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، خاصة وأنّ كل الأسس الدستورية والقانونية موجودة لإجراء الانتخابات الليبية، بحسب تصريحات للسيد رئيس مجلس النواب.

على خلفية ذلك، يبدو أنّ سيناريو حكومة الظلّ قائم ويمتدّ نحو الحضور الحقيقي في ظل تنامي العناصر المعرقلة لأجواء الانتخابات وتنفيذها، الأمر الذي بدا في طرح اختيارات بديلة إذا ما تعثر إقامة الانتخابات في موعدها، بحيث يستمر عمل حكومة الدبيبة لمدة أخرى حتى يتسنى إقامة الانتخابات. وحينئذ سيضحى تشكيل حكومة ظلّ موازية مسألة لا مناص منها في ذهنية مجلس النواب، فضلاً عن الكتلة الوازنة في الشرق الليبي، والمتمثلة في المشير خليفة حفتر الذي يترقب، حتى اللحظة، موقف تسمية وزير الدفاع، وكذا تحديد موقفه من الانتخابات الرئاسية.

رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، قال إن هدف البرلمان من استجواب الحكومة، إنما  يتمثل في مواجهتها بالتقصير في أعمالها، مؤكداً أنّ الأخيرة لم تقم بما هو مطلوب منها، مثل توحيد المؤسسات وتوفير متطلبات المواطنين.

وبالتبعية، اتّهم الدبيبة مجلس النواب بعرقلة عمل الحكومة “لأسباب واهية وغير صحيحة”، وقد ألمح إلى الأدوار المهمة والحيوية التي نفذتها حكومته، إذ أعدّت برنامجاً تنموياً من أجل ليبيا، غير أنّ البرلمان عطل بشكل متعمد خطط الحكومة، وفقاً لما قال.

وهنا يطرح الدبيبة سؤالاً مفاده “كيف يمكن محاسبة الحكومة دون تسليمها ميزانية؟”، ولذلك كان يدرك مجلس النواب، وهو يعمل على توحيد المؤسسات والوزارات في حكومة الظل مع حكومة الوحدة الوطنية، أنه ينبغي أيضاً على الحكومة أن تتحرك إليها ذات المقدار.

ما يشي باحتمالية وقوع هذه الفرضية هو الخلاف الواضح بين مجلس النواب والحكومة، عبر الشهور القليلة، التي مضت من عمرها، إذ تعرضت في مرتين متتاليتين لمساءلة مجلس النواب، وكان آخرها حين ألمح المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، بسحب الثقة من الحكومة إذا ما تخلّفت عن حضور جلسة الاستجواب.

بيد أنّ مكتب رئاسة مجلس الوزراء خاطب مجلس النواب حتى يمدهم بنقاط الاستجواب، بصورة واضحة، وأن يقوم مجلس الوزراء بدراستها وتجهيز الرد عليها عقب عودة السيد عبد الحميد الدبيبة من زيارته الخارجية للمملكة الأردنية.

إذ إن الحكومة قد أعلنت أن موعد الزيارة كان محدداً بشكل سبق إعلان مجلس النواب عقد جلسة استجواب الحكومة.

ربما، أيضاً من الضروري الانتباه إلى أنّ مجلس النواب الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، يدرك من اللحظة الأولى ضرورة العمل على ألا تضحى حكومة الدبيبة صيغة أخرى من حكومة السراج، حين استملح السلطة وعمل على تناقضات الموقف الدولي وتبعات ذلك إقليمياً، ومضى في السلطة بعد انتهاء المدة المحددة له. وبذلك مارست جزءاً من حقوقها في الضغط على الحكومة بورقة الميزانية وعدم تمريرها طيلة هذا الوقت.

على خلفية ذلك، توترت العلاقة بين البرلمان الليبي والحكومة، مما دفع الأخيرة أن تتهم مجلس النواب بعرقلة عملها وعدم صرف الميزانية المخصصة لها لمباشرة أعمالها المكلفة بها، بينما استقر رأي الأول أنّ حكومة الدبيبة قدمت ميزانية لا تتناسب مع المدة التي ستتولى فيها المسؤولية.

ومع الجملة الأخيرة يبدو كل شيء غير ملتبس، حيث سيطر هاجس القبض على السلطة خارج الإطار الزمني المحدد لها، وبالتالي، نجد أن ثمة تباين واضح في حديث كل طرف إزاء الاستحقاق الانتخابي وتوقيته وحتميّة إقامته في موعده المحدد.

وبالتبعية، لا ينبغي أن يجعلنا ذلك نغفل الدور المؤثر للوضع الميداني وتوفر الأسلحة في يد العديد من الميلشيات والمرتزقة في الغرب الليبي، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية، ومدى أثره على مشهد الاستحقاق الانتخابي، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو حثّ جميع الأطراف في ليبيا على العمل من أجل إنجاح الانتخابات.

وذلك ما عبر عنه السفير الأمريكي، ريتشارد نورلاند، في ليبيا، إذ دعا كافة الأطراف إلى الالتقاء في منطقة وسط، وتقديم تنازلات تسمح بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

تلك التصريحات جاءت بعد أيام قليلة من اندلاع اشتباكات مسلحة في العاصمة الليبية طرابلس، بين قوات تابعة لأجهزة حكومية، الأمر الذي يؤكد أنّ الأوضاع الميدانية وفوضى انتشار السلاح وتعدد الولاءات والانتماءات، كلها أمور تدفع المشهد الليبي، وهو يتأمل طموح الاستقرار، كمن يطمع في نبتة قمح غرست فوق لوح من الزجاج.

إذاً، خارج حيّز ما يجب أن يكون وما ينبغي أن يقع، والتزاماً بالواقعية السياسية، نجد أن ثمة تناقض مزمن بين مكونات العملية السياسية في الداخل الليبي وصراع حاد بين تلك الأطراف، وما يتصل بالأوضاع الميدانية وتوظيف العمليات العسكرية لأغراض سياسية. وربما كل طرف في الداخل أو الخارج  يتحرّك بكل قوة نحو حصد أقصى ما يمكن أن يحوزه.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

يبدو أنّ مشهد الانتخابات الليبية يقترب من الموعد المحدّد له، والمزمع إجراؤه نهاية ديسمبر (كانون الأول)، العام الحالي، بينما تبتعد المعطيات اللازمة والضرورية التي من شأنها سيسمح للاستحقاق الانتخابي المرور والنفاذ بين جملة التحديات والعراقيل التي تقف حائلاً أمام ذلك، سواء ما يقع منها على المستوى الداخلي في ليبيا، سياسياً أو ميدانياً، وما يرتبط به من الأوضاع الإقليمية والدولية، التي تلقي بظلالها على الأحداث المحلية، واستقرار المشهد السياسي.

نزع سلاح الميلشيات المدعومة من تركيا، وإخراج المرتزقة والمقاتلين الأجانب، يفرض بحضوره الثقيل أعباء مركبة بخصوص المحاولات التي تهدف لاستعادة الدولة، بوظيفتها ومفهومها، وكذا محددات عملها على الجغرافيا الساخنة في ليبيا.

ثمة حقيقة لا ينبغي إغفالها منذ اللحظة التي استلمت فيها حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، واستلام الحقائب الوزارية من حكومة الشرق في بنغازي؛ وهي عدم القدرة على الوصول إلى توحيد المؤسسات والسلطة على كافة حدود البلاد.

لذلك من الصعوبة تدبر المشهد في ليبيا على المستوى السياسي، فيما يخصّ الحكومة ومجلس النواب، دون مراجعة معطيات الاختلاف ومحددات الصراع فيما بينهما، حيث يأتي حديث عقيلة صالح دوماً ليذهب نحو فشل الحكومة في هدفها الرئيس، وهو توحيد المؤسسات والتحضير للانتخابات، فضلاً عن رؤيته التي يبرزها غير مرة بأن مشكلة ليبيا لا تحلّ إلا بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، خاصة وأنّ كل الأسس الدستورية والقانونية موجودة لإجراء الانتخابات الليبية، بحسب تصريحات للسيد رئيس مجلس النواب.

على خلفية ذلك، يبدو أنّ سيناريو حكومة الظلّ قائم ويمتدّ نحو الحضور الحقيقي في ظل تنامي العناصر المعرقلة لأجواء الانتخابات وتنفيذها، الأمر الذي بدا في طرح اختيارات بديلة إذا ما تعثر إقامة الانتخابات في موعدها، بحيث يستمر عمل حكومة الدبيبة لمدة أخرى حتى يتسنى إقامة الانتخابات. وحينئذ سيضحى تشكيل حكومة ظلّ موازية مسألة لا مناص منها في ذهنية مجلس النواب، فضلاً عن الكتلة الوازنة في الشرق الليبي، والمتمثلة في المشير خليفة حفتر الذي يترقب، حتى اللحظة، موقف تسمية وزير الدفاع، وكذا تحديد موقفه من الانتخابات الرئاسية.

رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، قال إن هدف البرلمان من استجواب الحكومة، إنما  يتمثل في مواجهتها بالتقصير في أعمالها، مؤكداً أنّ الأخيرة لم تقم بما هو مطلوب منها، مثل توحيد المؤسسات وتوفير متطلبات المواطنين.

وبالتبعية، اتّهم الدبيبة مجلس النواب بعرقلة عمل الحكومة “لأسباب واهية وغير صحيحة”، وقد ألمح إلى الأدوار المهمة والحيوية التي نفذتها حكومته، إذ أعدّت برنامجاً تنموياً من أجل ليبيا، غير أنّ البرلمان عطل بشكل متعمد خطط الحكومة، وفقاً لما قال.

وهنا يطرح الدبيبة سؤالاً مفاده “كيف يمكن محاسبة الحكومة دون تسليمها ميزانية؟”، ولذلك كان يدرك مجلس النواب، وهو يعمل على توحيد المؤسسات والوزارات في حكومة الظل مع حكومة الوحدة الوطنية، أنه ينبغي أيضاً على الحكومة أن تتحرك إليها ذات المقدار.

ما يشي باحتمالية وقوع هذه الفرضية هو الخلاف الواضح بين مجلس النواب والحكومة، عبر الشهور القليلة، التي مضت من عمرها، إذ تعرضت في مرتين متتاليتين لمساءلة مجلس النواب، وكان آخرها حين ألمح المستشار عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، بسحب الثقة من الحكومة إذا ما تخلّفت عن حضور جلسة الاستجواب.

بيد أنّ مكتب رئاسة مجلس الوزراء خاطب مجلس النواب حتى يمدهم بنقاط الاستجواب، بصورة واضحة، وأن يقوم مجلس الوزراء بدراستها وتجهيز الرد عليها عقب عودة السيد عبد الحميد الدبيبة من زيارته الخارجية للمملكة الأردنية.

إذ إن الحكومة قد أعلنت أن موعد الزيارة كان محدداً بشكل سبق إعلان مجلس النواب عقد جلسة استجواب الحكومة.

ربما، أيضاً من الضروري الانتباه إلى أنّ مجلس النواب الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، يدرك من اللحظة الأولى ضرورة العمل على ألا تضحى حكومة الدبيبة صيغة أخرى من حكومة السراج، حين استملح السلطة وعمل على تناقضات الموقف الدولي وتبعات ذلك إقليمياً، ومضى في السلطة بعد انتهاء المدة المحددة له. وبذلك مارست جزءاً من حقوقها في الضغط على الحكومة بورقة الميزانية وعدم تمريرها طيلة هذا الوقت.

على خلفية ذلك، توترت العلاقة بين البرلمان الليبي والحكومة، مما دفع الأخيرة أن تتهم مجلس النواب بعرقلة عملها وعدم صرف الميزانية المخصصة لها لمباشرة أعمالها المكلفة بها، بينما استقر رأي الأول أنّ حكومة الدبيبة قدمت ميزانية لا تتناسب مع المدة التي ستتولى فيها المسؤولية.

ومع الجملة الأخيرة يبدو كل شيء غير ملتبس، حيث سيطر هاجس القبض على السلطة خارج الإطار الزمني المحدد لها، وبالتالي، نجد أن ثمة تباين واضح في حديث كل طرف إزاء الاستحقاق الانتخابي وتوقيته وحتميّة إقامته في موعده المحدد.

وبالتبعية، لا ينبغي أن يجعلنا ذلك نغفل الدور المؤثر للوضع الميداني وتوفر الأسلحة في يد العديد من الميلشيات والمرتزقة في الغرب الليبي، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان شبح الحرب الأهلية، ومدى أثره على مشهد الاستحقاق الانتخابي، مما دفع الولايات المتحدة الأمريكية نحو حثّ جميع الأطراف في ليبيا على العمل من أجل إنجاح الانتخابات.

وذلك ما عبر عنه السفير الأمريكي، ريتشارد نورلاند، في ليبيا، إذ دعا كافة الأطراف إلى الالتقاء في منطقة وسط، وتقديم تنازلات تسمح بإجراء الانتخابات في موعدها المحدد.

تلك التصريحات جاءت بعد أيام قليلة من اندلاع اشتباكات مسلحة في العاصمة الليبية طرابلس، بين قوات تابعة لأجهزة حكومية، الأمر الذي يؤكد أنّ الأوضاع الميدانية وفوضى انتشار السلاح وتعدد الولاءات والانتماءات، كلها أمور تدفع المشهد الليبي، وهو يتأمل طموح الاستقرار، كمن يطمع في نبتة قمح غرست فوق لوح من الزجاج.

إذاً، خارج حيّز ما يجب أن يكون وما ينبغي أن يقع، والتزاماً بالواقعية السياسية، نجد أن ثمة تناقض مزمن بين مكونات العملية السياسية في الداخل الليبي وصراع حاد بين تلك الأطراف، وما يتصل بالأوضاع الميدانية وتوظيف العمليات العسكرية لأغراض سياسية. وربما كل طرف في الداخل أو الخارج  يتحرّك بكل قوة نحو حصد أقصى ما يمكن أن يحوزه.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit