عقوبات أمريكية.. تنذر بالاستعداد لما هو أسوأ

درويش خليفة

عندما طرح الرئيس الأمريكي «جو بايدن» برنامجه الانتخابي، خصيصاً؛ الفقرة الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، أعاد من خلالها الروح لرواد التغيير ونشطاء ثورات الربيع العربي التي انطلقت في عام 2011، إلا أن البعض شكك في رواية بايدن وبإمكانية تغليب واشنطن القيم على حساب المصالح، لاسيما عندما تتعلق المصالح الأمريكية-الغربية بالملف النووي الإيراني، حينها يتم التغافل عن دور فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وميلشياته الذين يعيثون فساداً وجهل في الدول العربية التي يتمتعون فيها بحضور سياسي وعسكري. عقوبات 

بعد إعلان قادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، الشهر الماضي، في جنيف، عن استراتيجية مشتركة بشأن القضية السورية (خطوة بخطوة)، اتخذ الروس خطوتهم الأولى عندما مرّروا القرار 2585 القاضي بتدفق المساعدات الإنسانية إلى الشمال الغربي من سوريا، عند معبر باب الهوى، فكان بالمقابل مطلوب من الأمريكيين التقدم بخطوة مماثلة تعزز الثقة بين الطرفين. وهذا ما حدث بالفعل عندم أدرجت الخارجية الأمريكية فصيل أحرار الشرقية التابع للجيش الوطني المعارض مع اثنين من قادته على لائحة عقوباتها الأولى بعد وصول الرئيس «جو بايدن» إلى البيت الأبيض، كما ضمت القائمة ثماني معتقلات، وفروع أمنية، وخمسة مسؤولين أمنيين محسوبين على نظام الأسد وميليشيا موالية له.

كالعادة، انقسم السوريون بين راضٍ عن العقوبات ورافضٍ لها، بسبب إدراج فصيل أحرار الشرقية المتهم بقتل الناشطة السياسية الكردية هفرين خلف، خشية إدراج المزيد من فصائل المعارضة مستقبلاً، وبالتالي توضع المعارضة المسلحة مع النظام على قدم المساواة في انتهاكاتها لحقوق السوريين، أمام المجتمع الدولي.

ثمة من يتساءل، هل وجود الأمريكيين في الضفة الشرقية من سوريا إلى جانب حلفائها المحليين، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يجعلهم يغضون الطرف عن انتهاكات الأخيرة؟ قد يكون المبرر لأي إجابة غير منطقي، لكنه ليس غريباً، إذ تعد فضيحة القوات الأمريكية في سجن أبو غريب التي سُربت في نيسان/ أبريل عام 2004، من حيث الانتهاكات الجسدية والجنسية، هي الأكثر سلبية في الحرب الأمريكية على العراق، وفي المنطقة أيضاً، وذلك، قبل ظهور الإجرام الذي يُمارس في معتقلات بشار الأسد على العلن، وتأكيده من خلال الصور التي حملها معه، مصوراً عسكرياً يلقب بـ”سيزر” بعد مغادرته سوريا، وعرضها أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة مغلقة. الأمر الذي أدى لاحقاً إلى إصدار (قانون قيصر)، الذي فرضت بموجبه الإدارة الأمريكية عقوبات على البنك المركزي السوري وفروع النظام الأمنية، وقياداته العسكرية، ومافيات الاقتصاد الداعمة للأسد في حربه على الشعب السوري بعد انتفاضة آذار 2011.

وهنا، لابدَّ من الإشارة إلى أن العقوبات الاقتصادية أقل تكلفة على الدول التي تفرضها من التدخل العسكري أو السياسي، تميل العقوبات الاقتصادية إلى أن تكون أقل حدة من حيث التراجع عنها في حال قام الطرف المُعاقب بتحسين سلوكه أو تغليبه لغة العقل، على حساب الدمار والقتل.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن سياسة العقوبات الاقتصادية ليست طارئة عليها، إذ تشمل عقوباتها عدداً من الدول، بعضاً منها طويلة الأمد؛ مثل جمهورية كوبا وكوريا الشمالية وإيران والنظام في سوريا.

إلا أن قائمة العقوبات الأمريكية الأخيرة اتخذت منحى جديداً بإدراج فصيل من المعارضة المسلحة ولأول مرة منذ سلك قانون قيصر مساراً لتقييد النظام في دمشق جراء حربه على مناهضي حكمه.

مرة أخرى انقسم السوريون في نظرتهم للعقوبات الاقتصادية، بعضهم يرى أنها لا تنفع مع هكذا نوع من الأنظمة ولديهم أسبابهم بكل الأحوال؛ إذ لم تؤثر العقوبات والحصار الدولي على النظام العراقي في عهد صدام حسين بشكل مباشر، بل ساهمت في تعميق معاناة العراقيين، وكذلك الأمر بالنسبة للعقوبات الأمريكية على كوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وإيران، فما تزال الأنظمة هناك تحكم شعوبها بالحديد والنار. وتعد ثورة العطش في إقليم الأهواز بجنوب غرب إيران وما تلاها من تدخلٍ حكومي قاسٍ بحق المحتجين دليلاً على كل ما سبق.
محاكمات أوربية تستهدف سوريي المعارضة والموالاة.

المحاكم التي تشهدها عدد من الدول الأوروبية، تشير إلى أن المحاسبة ستطال كل منتهكي حقوق الإنسان من السوريين وبكل أشكالها وأسبابها والمحرضين عليها، ومن جميع الأطراف المتصارعة عسكرياً. إلا أننا حتى اللحظة لم نشهد أي محاكمة لعناصر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالرغم من تعدد الانتهاكات في مناطق سيطرتهم، على عكس ضباط مخابرات النظام السوري والبعض من المعارضة المسلحة الذين وصلوا أوروبا ليجدوا أنفسهم في أقفاص لا تراعي الرتبة العسكرية والمكانة الاجتماعية، بل العدالة ثم العدالة ثم العدالة.

ومن مفارقات التعاطي الأوروبي تجاه الملف السوري، والذي يُعتبر انتقائياً في بعض الأحيان، استقبال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وفداً من مجلس سوريا الديمقراطية (الجناح السياسي لقسد)، في قصر الإليزيه، ما دعا الحكومة التركية الداعمة للمعارضة السورية، للتعبير عن استنكارها من هذا الإجراء. فضلاً عن وجود مكتب تمثيل سياسي لـ(مسد) في الولايات المتحدة، كما أنه بالمقابل؛ هناك ممثل عن الائتلاف السوري المعارض أيضاً في واشنطن، إلا أنه لم ينبس ببنت شَفة، بخصوص العقوبات المفروضة من قبل الإدارة الأمريكية على فصيل أحرار الشرقية التابع لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة المنبثقة عن ائتلاف المعارضة.

الاستعداد للأسوأ يبدو عنواناً مناسباً للمرحلة المقبلة التي قد تواجه النظام السوري والمعارضة معاً، من حيث الخطوات الأمريكية التي بدأت تتعامل مع ملف الانتهاكات بنظرة شاملة، على مبدأ “لا فرق بين موالٍ ولا معارض ولا أبيض ولا أسود إلا بحقوق الإنسان”.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة ليفانت 

عندما طرح الرئيس الأمريكي «جو بايدن» برنامجه الانتخابي، خصيصاً؛ الفقرة الداعمة للديمقراطية وحقوق الإنسان، أعاد من خلالها الروح لرواد التغيير ونشطاء ثورات الربيع العربي التي انطلقت في عام 2011، إلا أن البعض شكك في رواية بايدن وبإمكانية تغليب واشنطن القيم على حساب المصالح، لاسيما عندما تتعلق المصالح الأمريكية-الغربية بالملف النووي الإيراني، حينها يتم التغافل عن دور فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وميلشياته الذين يعيثون فساداً وجهل في الدول العربية التي يتمتعون فيها بحضور سياسي وعسكري. عقوبات 

بعد إعلان قادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية، الشهر الماضي، في جنيف، عن استراتيجية مشتركة بشأن القضية السورية (خطوة بخطوة)، اتخذ الروس خطوتهم الأولى عندما مرّروا القرار 2585 القاضي بتدفق المساعدات الإنسانية إلى الشمال الغربي من سوريا، عند معبر باب الهوى، فكان بالمقابل مطلوب من الأمريكيين التقدم بخطوة مماثلة تعزز الثقة بين الطرفين. وهذا ما حدث بالفعل عندم أدرجت الخارجية الأمريكية فصيل أحرار الشرقية التابع للجيش الوطني المعارض مع اثنين من قادته على لائحة عقوباتها الأولى بعد وصول الرئيس «جو بايدن» إلى البيت الأبيض، كما ضمت القائمة ثماني معتقلات، وفروع أمنية، وخمسة مسؤولين أمنيين محسوبين على نظام الأسد وميليشيا موالية له.

كالعادة، انقسم السوريون بين راضٍ عن العقوبات ورافضٍ لها، بسبب إدراج فصيل أحرار الشرقية المتهم بقتل الناشطة السياسية الكردية هفرين خلف، خشية إدراج المزيد من فصائل المعارضة مستقبلاً، وبالتالي توضع المعارضة المسلحة مع النظام على قدم المساواة في انتهاكاتها لحقوق السوريين، أمام المجتمع الدولي.

ثمة من يتساءل، هل وجود الأمريكيين في الضفة الشرقية من سوريا إلى جانب حلفائها المحليين، قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يجعلهم يغضون الطرف عن انتهاكات الأخيرة؟ قد يكون المبرر لأي إجابة غير منطقي، لكنه ليس غريباً، إذ تعد فضيحة القوات الأمريكية في سجن أبو غريب التي سُربت في نيسان/ أبريل عام 2004، من حيث الانتهاكات الجسدية والجنسية، هي الأكثر سلبية في الحرب الأمريكية على العراق، وفي المنطقة أيضاً، وذلك، قبل ظهور الإجرام الذي يُمارس في معتقلات بشار الأسد على العلن، وتأكيده من خلال الصور التي حملها معه، مصوراً عسكرياً يلقب بـ”سيزر” بعد مغادرته سوريا، وعرضها أمام الكونغرس الأمريكي في جلسة مغلقة. الأمر الذي أدى لاحقاً إلى إصدار (قانون قيصر)، الذي فرضت بموجبه الإدارة الأمريكية عقوبات على البنك المركزي السوري وفروع النظام الأمنية، وقياداته العسكرية، ومافيات الاقتصاد الداعمة للأسد في حربه على الشعب السوري بعد انتفاضة آذار 2011.

وهنا، لابدَّ من الإشارة إلى أن العقوبات الاقتصادية أقل تكلفة على الدول التي تفرضها من التدخل العسكري أو السياسي، تميل العقوبات الاقتصادية إلى أن تكون أقل حدة من حيث التراجع عنها في حال قام الطرف المُعاقب بتحسين سلوكه أو تغليبه لغة العقل، على حساب الدمار والقتل.

بالنسبة للولايات المتحدة، فإن سياسة العقوبات الاقتصادية ليست طارئة عليها، إذ تشمل عقوباتها عدداً من الدول، بعضاً منها طويلة الأمد؛ مثل جمهورية كوبا وكوريا الشمالية وإيران والنظام في سوريا.

إلا أن قائمة العقوبات الأمريكية الأخيرة اتخذت منحى جديداً بإدراج فصيل من المعارضة المسلحة ولأول مرة منذ سلك قانون قيصر مساراً لتقييد النظام في دمشق جراء حربه على مناهضي حكمه.

مرة أخرى انقسم السوريون في نظرتهم للعقوبات الاقتصادية، بعضهم يرى أنها لا تنفع مع هكذا نوع من الأنظمة ولديهم أسبابهم بكل الأحوال؛ إذ لم تؤثر العقوبات والحصار الدولي على النظام العراقي في عهد صدام حسين بشكل مباشر، بل ساهمت في تعميق معاناة العراقيين، وكذلك الأمر بالنسبة للعقوبات الأمريكية على كوبا وفنزويلا وكوريا الشمالية وإيران، فما تزال الأنظمة هناك تحكم شعوبها بالحديد والنار. وتعد ثورة العطش في إقليم الأهواز بجنوب غرب إيران وما تلاها من تدخلٍ حكومي قاسٍ بحق المحتجين دليلاً على كل ما سبق.
محاكمات أوربية تستهدف سوريي المعارضة والموالاة.

المحاكم التي تشهدها عدد من الدول الأوروبية، تشير إلى أن المحاسبة ستطال كل منتهكي حقوق الإنسان من السوريين وبكل أشكالها وأسبابها والمحرضين عليها، ومن جميع الأطراف المتصارعة عسكرياً. إلا أننا حتى اللحظة لم نشهد أي محاكمة لعناصر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالرغم من تعدد الانتهاكات في مناطق سيطرتهم، على عكس ضباط مخابرات النظام السوري والبعض من المعارضة المسلحة الذين وصلوا أوروبا ليجدوا أنفسهم في أقفاص لا تراعي الرتبة العسكرية والمكانة الاجتماعية، بل العدالة ثم العدالة ثم العدالة.

ومن مفارقات التعاطي الأوروبي تجاه الملف السوري، والذي يُعتبر انتقائياً في بعض الأحيان، استقبال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وفداً من مجلس سوريا الديمقراطية (الجناح السياسي لقسد)، في قصر الإليزيه، ما دعا الحكومة التركية الداعمة للمعارضة السورية، للتعبير عن استنكارها من هذا الإجراء. فضلاً عن وجود مكتب تمثيل سياسي لـ(مسد) في الولايات المتحدة، كما أنه بالمقابل؛ هناك ممثل عن الائتلاف السوري المعارض أيضاً في واشنطن، إلا أنه لم ينبس ببنت شَفة، بخصوص العقوبات المفروضة من قبل الإدارة الأمريكية على فصيل أحرار الشرقية التابع لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة المنبثقة عن ائتلاف المعارضة.

الاستعداد للأسوأ يبدو عنواناً مناسباً للمرحلة المقبلة التي قد تواجه النظام السوري والمعارضة معاً، من حيث الخطوات الأمريكية التي بدأت تتعامل مع ملف الانتهاكات بنظرة شاملة، على مبدأ “لا فرق بين موالٍ ولا معارض ولا أبيض ولا أسود إلا بحقوق الإنسان”.

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit