روسيا وسياسة تأهيل النظام السوري

 فؤاد عليكو

ما إن انتهت معركة السيطرة على حلب عسكريا من قبل النظام في كانون الأول 2016، بدعم جوي كثيف من الطيران الروسي ومؤازرة قوية من إيران ومليشياتها على الأرض، حتى شعر الروس بأن الصراع العسكري قد حسم لصالح النظام، بتحرير حلب من المعارضة، وما عليها سوى جني ثمار هذا الانتصار سياسياً، خاصة وأنها عرقلت مسار جنيف في جميع الجولات منذ كانون الثاني 2014 وحتى كانون الأول 2016، علما أنها من الدول الموقعة على القرارين الدوليين المتعلقين بحل الأزمة السورية 2118 و2254، من خلال خطة عمل دولية مدروسة بعناية وخارطة طريق واضحة المعالم، بدءاً من تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بكامل الصلاحيات.

ثم إعداد الدستور ثم الانتخابات العامة وفق الدستور الجديد. لذلك ارتأت روسيا الاستفراد بملف الأزمة السورية بعد معركة حلب، ومن هنا كانت الدعوة للاجتماع بين كل من تركيا وإيران في أستانا، عاصمة كازاخستان، إضافة إلى دعوة النظام السوري وعسكريين من المعارضة، في كانون الثاني 2017، وكان المؤتمر أشبه ما يكون بمؤتمرات الاستسلام بين القوى المنتصرة والقوى المهزومة للتوقيع على وثيقة الاستسلام، في وقت كانت خيارات الرفض أمام تركيا والفصائل العسكرية محدودة، في ظل ضغط روسي كبير وصمت دولي مريب، والاكتفاء ببيانات التنديد والاستنكار لما كان يحصل في حلب، من تدمير هائل وحرق للأخضر واليابس، لكن رفض المجتمع الدولي التخلي عن مسار جنيف والمشاركة الخجولة في أستانا، دفع بالروس العمل على مسارين.

الأول: حضور جلسات مسار جنيف دون أن يعطى أهمية للمفاوضات مع توجيه النظام باتخاذ مواقف متشددة في عملية التفاوض.

والمسار الثاني: هو مسار أستانا الأكثر حركية وعملية بالنسبة للروس بالترافق مع ممارسة سياسة القضم التدريجي للمناطق التي تحت سيطرة المعارضة، ذلك بالتركيز على منطقة بعينها وترك الأخرى هادئة مرحليا، بالاستفادة من تشتت المعارضة العسكرية على الأرض، وعدم وجود قيادة موحدة على كامل الجغرافيا السورية، وهكذا كنا نجد معارك طاحنة في داريا بريف دمشق وهدوءاً في دوما، علماً أن المسافة قليلة جداً بينهما، إضافة إلى المعارك البينية بين الفصائل نفسها، وكلنا نتذكر صراع جيش الإسلام في دوما مع فيلق الرحمن في حرستا، علماً أن الفصيلين لهما نفس التوجه والمنهج الديني، وهكذا بدأنا نسمع باتفاقية الزبداني والقلمون ودوما والرستن ودرعا… إلخ، وهذه الاتفاقات جميعها عبارة عن عمليات استسلام (مهذبة) لا أكثر، ومن لا يقبل فالباصات الخضر بانتظار ترحيله إلى محافظة إدلب وشمال حلب.

كما ترافق كل ذلك بدعوة الروس لشخصيات من المعارضة الرمادية والنظام إلى عقد مؤتمر في سوتشي، في 30 كانون الثاني 2018 للمعارضة السورية، بحضور أكثر من 1500 شخص لا يعرف أحد كيف تم اختيارهم إلا الروس، وكذلك حضور ممثل عن إيران وتركيا والمبعوث الدولي ستيفان ديمستورا، تحت اسم (مؤتمر الحوار الوطني السوري) بغية خلق مسار سياسي جديد لحل الأزمة السورية بعيداً عن مسار جنيف، إلى جانب مسار أستانا الذي أخذ الطابع العسكري منهجاً منذ البداية، وخرج المؤتمر بوثيقة الـ12نقطة، والتي أصبحت فيما بعد جزءاً من وثائق الأمم المتحدة، للارتكاز عليها في بلورة الحل السياسي بدعم وتشجيع من المبعوث الدولي ديمستورا، الذي حولها بطريقة ذكية إلى وثيقة مقترحة من قبله تحت اسم (ورقة اللاورقة)، وهي تقريبا نفس وثيقة سوتشي لكنها مرنة أكثر.

ومع كل ذلك لم يعمل الروس على تفعيل دور جنيف وفق رؤية سوتشي أيضا، وذلك لأن الاستسلامات على الأرض كانت مشجعة لإنهاء الوضع عسكريا، خاصة بعد تخلي المجتمع الدولي عن الفصائل عسكريا وإلغاء غرفتي “الموم والموك”، اللتين تدعمان المعارضة في الشمال والجنوب بأسلحة غير فتاكة حسب تعبيرهم، وهذا يعني عدم تسليم المعارضة أسلحة كالصواريخ المضادة للطيران.

وهكذا توالت سلسلة اجتماعات أستانا وتوالت معها سياسة القضم التدريجي، بالترافق مع استخدام سياسة العصا والجزرة، حتى تمت لها السيطرة شبه الكاملة عسكريا على معظم مناطق المعارضة، باستثناء جيب صغير لا يتعدى 5% من مساحة سوريا، والتي هي بدورها خاضعة للنفوذ التركي بالدرجة الأساس، ومحصور فيها أكثر من 3 ملايين لاجئ، بالإضافة إلى أكثر من مليونين من السكان الأصليين يعيشون أوضاعا مأساوية، ويتجنب الروس والنظام اقتحامها تحت الضغط الدولي، لأن اقتحامها قد يدفع بالملايين من اللاجئين إلى تجاوز الحدود التركية ومن ثم اليونانية والبلغارية، وهذا ما يتسبب في خلق مشكلة كبيرة لأوربا أكثر صعوبة لما حصل في 2015/2016. لكن الروس لن يتركوا المنطقة تهدأ، فهناك قصف جوي ومدفعي بين فترة وأخرى، وسط عجز الفصائل العسكرية عن التصدي لها، وعليه لم يبق للروس إلا التحرك سياسياً، عربياً، ودولياً، لوضع اللمسات الأخيرة لتأهيل النظام.

هذا وكانت زيارات لافروف المكوكية العربية ناجحة بالنسبة للروس، بكل المقاييس، حيث سعت لخلق أرضية مناسبة لعودة النظام إلى الجامعة العربية، وهذا يعني إعادة فتح السفارات في دمشق، مثل الإمارات والبحرين ومصر وغيرها. هذا يعني إعادة العلاقات إلى وضعها الطبيعي عربياً، لكن العقبة الوحيدة الباقية أمامها هي العقوبات الأمريكية على النظام، من خلال قانون قيصر الذي يحول دون التعامل الاقتصادي معه، وعليه فقد تصدى لهذه المهمة ملك الأردن، عبد الله بن حسين، الذي قام بزيارة لأمريكا والتقى بالرئيس الأمريكي، جو بايدن، لهذا الغرض.

لكن يبدو أن المباحثات لم تأتِ أكلها، لأن هناك ملفات دولية عالقة بين أمريكا وروسيا لم تحسم بعد، كما أن المباحثات بين أمريكا وإيران حول الملف النووي في فيينا، أيضا، لم تحسم بعد، وعليه فأمريكا تتريث في بحث ملف إلغاء العقوبات على النظام، ريثما تنضج الظروف حول ذلك وتنضج معها ظروف حل الأزمة السورية، بما يلبي رغبات ورضى حلفائها الآخرين في المنطقة، وتحديداً إسرائيل وتركيا. وإلى ذلك الحين ستستمر روسيا في فتح الأبواب للنظام دوليا بشكل تدريجي.

 فؤاد عليكو

ليفانت – فؤاد عليكو

ما إن انتهت معركة السيطرة على حلب عسكريا من قبل النظام في كانون الأول 2016، بدعم جوي كثيف من الطيران الروسي ومؤازرة قوية من إيران ومليشياتها على الأرض، حتى شعر الروس بأن الصراع العسكري قد حسم لصالح النظام، بتحرير حلب من المعارضة، وما عليها سوى جني ثمار هذا الانتصار سياسياً، خاصة وأنها عرقلت مسار جنيف في جميع الجولات منذ كانون الثاني 2014 وحتى كانون الأول 2016، علما أنها من الدول الموقعة على القرارين الدوليين المتعلقين بحل الأزمة السورية 2118 و2254، من خلال خطة عمل دولية مدروسة بعناية وخارطة طريق واضحة المعالم، بدءاً من تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بكامل الصلاحيات.

ثم إعداد الدستور ثم الانتخابات العامة وفق الدستور الجديد. لذلك ارتأت روسيا الاستفراد بملف الأزمة السورية بعد معركة حلب، ومن هنا كانت الدعوة للاجتماع بين كل من تركيا وإيران في أستانا، عاصمة كازاخستان، إضافة إلى دعوة النظام السوري وعسكريين من المعارضة، في كانون الثاني 2017، وكان المؤتمر أشبه ما يكون بمؤتمرات الاستسلام بين القوى المنتصرة والقوى المهزومة للتوقيع على وثيقة الاستسلام، في وقت كانت خيارات الرفض أمام تركيا والفصائل العسكرية محدودة، في ظل ضغط روسي كبير وصمت دولي مريب، والاكتفاء ببيانات التنديد والاستنكار لما كان يحصل في حلب، من تدمير هائل وحرق للأخضر واليابس، لكن رفض المجتمع الدولي التخلي عن مسار جنيف والمشاركة الخجولة في أستانا، دفع بالروس العمل على مسارين.

الأول: حضور جلسات مسار جنيف دون أن يعطى أهمية للمفاوضات مع توجيه النظام باتخاذ مواقف متشددة في عملية التفاوض.

والمسار الثاني: هو مسار أستانا الأكثر حركية وعملية بالنسبة للروس بالترافق مع ممارسة سياسة القضم التدريجي للمناطق التي تحت سيطرة المعارضة، ذلك بالتركيز على منطقة بعينها وترك الأخرى هادئة مرحليا، بالاستفادة من تشتت المعارضة العسكرية على الأرض، وعدم وجود قيادة موحدة على كامل الجغرافيا السورية، وهكذا كنا نجد معارك طاحنة في داريا بريف دمشق وهدوءاً في دوما، علماً أن المسافة قليلة جداً بينهما، إضافة إلى المعارك البينية بين الفصائل نفسها، وكلنا نتذكر صراع جيش الإسلام في دوما مع فيلق الرحمن في حرستا، علماً أن الفصيلين لهما نفس التوجه والمنهج الديني، وهكذا بدأنا نسمع باتفاقية الزبداني والقلمون ودوما والرستن ودرعا… إلخ، وهذه الاتفاقات جميعها عبارة عن عمليات استسلام (مهذبة) لا أكثر، ومن لا يقبل فالباصات الخضر بانتظار ترحيله إلى محافظة إدلب وشمال حلب.

كما ترافق كل ذلك بدعوة الروس لشخصيات من المعارضة الرمادية والنظام إلى عقد مؤتمر في سوتشي، في 30 كانون الثاني 2018 للمعارضة السورية، بحضور أكثر من 1500 شخص لا يعرف أحد كيف تم اختيارهم إلا الروس، وكذلك حضور ممثل عن إيران وتركيا والمبعوث الدولي ستيفان ديمستورا، تحت اسم (مؤتمر الحوار الوطني السوري) بغية خلق مسار سياسي جديد لحل الأزمة السورية بعيداً عن مسار جنيف، إلى جانب مسار أستانا الذي أخذ الطابع العسكري منهجاً منذ البداية، وخرج المؤتمر بوثيقة الـ12نقطة، والتي أصبحت فيما بعد جزءاً من وثائق الأمم المتحدة، للارتكاز عليها في بلورة الحل السياسي بدعم وتشجيع من المبعوث الدولي ديمستورا، الذي حولها بطريقة ذكية إلى وثيقة مقترحة من قبله تحت اسم (ورقة اللاورقة)، وهي تقريبا نفس وثيقة سوتشي لكنها مرنة أكثر.

ومع كل ذلك لم يعمل الروس على تفعيل دور جنيف وفق رؤية سوتشي أيضا، وذلك لأن الاستسلامات على الأرض كانت مشجعة لإنهاء الوضع عسكريا، خاصة بعد تخلي المجتمع الدولي عن الفصائل عسكريا وإلغاء غرفتي “الموم والموك”، اللتين تدعمان المعارضة في الشمال والجنوب بأسلحة غير فتاكة حسب تعبيرهم، وهذا يعني عدم تسليم المعارضة أسلحة كالصواريخ المضادة للطيران.

وهكذا توالت سلسلة اجتماعات أستانا وتوالت معها سياسة القضم التدريجي، بالترافق مع استخدام سياسة العصا والجزرة، حتى تمت لها السيطرة شبه الكاملة عسكريا على معظم مناطق المعارضة، باستثناء جيب صغير لا يتعدى 5% من مساحة سوريا، والتي هي بدورها خاضعة للنفوذ التركي بالدرجة الأساس، ومحصور فيها أكثر من 3 ملايين لاجئ، بالإضافة إلى أكثر من مليونين من السكان الأصليين يعيشون أوضاعا مأساوية، ويتجنب الروس والنظام اقتحامها تحت الضغط الدولي، لأن اقتحامها قد يدفع بالملايين من اللاجئين إلى تجاوز الحدود التركية ومن ثم اليونانية والبلغارية، وهذا ما يتسبب في خلق مشكلة كبيرة لأوربا أكثر صعوبة لما حصل في 2015/2016. لكن الروس لن يتركوا المنطقة تهدأ، فهناك قصف جوي ومدفعي بين فترة وأخرى، وسط عجز الفصائل العسكرية عن التصدي لها، وعليه لم يبق للروس إلا التحرك سياسياً، عربياً، ودولياً، لوضع اللمسات الأخيرة لتأهيل النظام.

هذا وكانت زيارات لافروف المكوكية العربية ناجحة بالنسبة للروس، بكل المقاييس، حيث سعت لخلق أرضية مناسبة لعودة النظام إلى الجامعة العربية، وهذا يعني إعادة فتح السفارات في دمشق، مثل الإمارات والبحرين ومصر وغيرها. هذا يعني إعادة العلاقات إلى وضعها الطبيعي عربياً، لكن العقبة الوحيدة الباقية أمامها هي العقوبات الأمريكية على النظام، من خلال قانون قيصر الذي يحول دون التعامل الاقتصادي معه، وعليه فقد تصدى لهذه المهمة ملك الأردن، عبد الله بن حسين، الذي قام بزيارة لأمريكا والتقى بالرئيس الأمريكي، جو بايدن، لهذا الغرض.

لكن يبدو أن المباحثات لم تأتِ أكلها، لأن هناك ملفات دولية عالقة بين أمريكا وروسيا لم تحسم بعد، كما أن المباحثات بين أمريكا وإيران حول الملف النووي في فيينا، أيضا، لم تحسم بعد، وعليه فأمريكا تتريث في بحث ملف إلغاء العقوبات على النظام، ريثما تنضج الظروف حول ذلك وتنضج معها ظروف حل الأزمة السورية، بما يلبي رغبات ورضى حلفائها الآخرين في المنطقة، وتحديداً إسرائيل وتركيا. وإلى ذلك الحين ستستمر روسيا في فتح الأبواب للنظام دوليا بشكل تدريجي.

 فؤاد عليكو

ليفانت – فؤاد عليكو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit