بين جورج أورويل وتشارلز داروين

كفاح محمود كريم
كفاح محمود كريم

ربما كان السيد تشارلز دارون (رحمهُ الله وغفرَ له) محقاً إلى حدٍ ما في إرجاع أصل الأنواع لدى بعض الأحياء إلى القرود، وربما أيضاً، لو أمد الله في عمره حتى يدرك البعض الآخر بعد عام 2003 م، لاكتشف أصولا غير القرود ينتمي لها هذا البعض الآخر، ويقيناً فإن المرحوم جارلس دارون كان يعني ما يعنيه من سلوكيات وظواهر سايكولوجية و(افتراسية) أكثر مما يعنيه في التطور العضوي (Organic evolution ).

ولو كان الله قد أطال بعمره حتى يومنا هذا، وأدرك دولة الضفادع منذ تأسيسها بين شواطئ البحر المتوسط والخليج العربي، لاكتشف أن كثيراً من الكائنات العاقلة بين الساحلين قد تطورت من الضفادع سلوكياً، لما تمتاز به هذه الكائنات العاقلة من صفات متطابقة مع أصولها غير العاقلة، حيثُ تطور النقيق في الجيل الأكثر رقياً إلى ثرثرة غير متناهية في الشعارات والتحليلات المؤدلجة لمعاناة الأمة وقدرها في الوحدة والتحرر وإنقاذ البشرية من الأفكار (الإمبريالية والشيوعية والخمينية والشعوبية…) والى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي من أعداء الأمة والحزب والثورة.

أما في الحركةِ، فقد تطور ذلك السلوك من قفزات معروفة لدى الأجيال البدائية إلى قفزات نوعية وغزوات عظيمة أدركها القاصي (أمريكا ودول العدوان الثلاثيني) والداني (لبنان وإيران وكوردستان والكويت)، وبين هذه القفزات وأزمانها كانت ألوانها تتغير تبعا (للبيئة ودرجات الحرارة والرطوبة وفلسفة القائد) من اليسار إلى اليمين وبالعكس، ومن (الوهابية إلى الصوفية والدراويشية)، ومن العلمانية إلى الحملة الإيمانية، حسبما تمليه (مصالح ومستقبل الأمة والجماهير الكادحة).

وهكذا نرى هذا التكيف يأخذ نمطاً آخر يَطلقُ عليه أتباع السيد دارون بالتكيف البعدي Postadaptation، إذ تحاول الكائنات أن تتكيف مع البيئة التي تعيش فيها بأفضل صورة دونما تأثير على أصل الأنواع. وفي التكاثر والتوالد، غدت هاتين الصفتين في الأجيال المحسنة أكثر رقياً وسلاسة، حيث لم تعد تحتاج عمليات معقدة من التزاوج والتناسل كما كانت عليه الأجداد، فقد اتخذ (مجلس قيادة الثورة) قراراً اعتبر بموجبه كافة سكان مملكته (وإن لم ينتموا) من نفس الأنساب والأصول، ومن يشك في ذلك (من القوميات والأعراق الأخرى) فما عليه إلا مراجعة مسؤول أختام الأنساب والأصول في ديوان الرئاسة الموقر، كي يجد لأبيه مكاناً (فوق الشجرة)، وبذلك أصبح لدينا خلال أقل من نصف قرن جيوشاً جرارة من (سرايا الدفاع والحرس القومي) التي تطورت هي الأخرى بـ(قفزات نوعية) إلى (الجيش الشعبي وجيش القدس ومثيلاتها حتى اليوم بين سواحل المتوسط والخليج).

لو أدرك السيد تشارلز دارون (غفر الله ذنبه) البعض الآخر بعد سقوط دولة النقيق، لاكتشف أصولاً وأنساباً أخرى غير القرود والضفادع، فقد دلت السنوات الـ18 المنصرمة على وجود علاقة سلوكية وسايكولوجية بين كثير ممن شغلوا مواقع الكائنات السابقة وبين كائنات أخرى، مثل الذئاب والثعالب والحيتان، وما أدراك ما الحيتان؟، تلك وربُ العرش العظيم، أكبرُ من كل مصائبنا منذ مذبحة الحسين وحتى محرقة حلبجة، فقد تطورت طفيليات بدائية لا تكاد ترى بالعين المجردة، خلال بضع سنوات إلى حيتان مفترسة، تأكل الأخضر واليابس، الحلال والحرام، دونما صوت أو حركة، والمذهلُ في تطورها السريع هذا وهي تلتهم حولها كل شيء، إنها لا تستخدم أي سلاح في الالتهام سوى أنها توقف نمو وتطور كل الأشياء فيما حولها، عكس ما تفعله النماذج المطورة من الثعالب، حيث التحايل والتملق والتدليس والنعومة والتخصص في علم (من أين يؤكل الكتف) وكيف تضربُ (البواري)، أو ربما تختلف كثيرا عن تلك الأجيال المعدلة عن الذئاب، فالذئب يقتل كي يأكل وهولاء يقتلون على الهوية لمجرد القتل ليس إلا، ربما هي (أنيفالات) مصغرة تمتد في أصولها إلى تلك الوحوش.

والغريبُ أن هذه الأنماط من السلوكيات تتعايش سلميا مع بعضها البعض رغم اختلاف أصول تطورها والبون الشاسع بين ما كانت فيه وما أصبحت عليه، ربما يكون جورج أورويل محقاً بطروحاته في روايته (مملكة الحيوان) حينما انقلبت الصفات المتأصلة على المكتسبة وكان ما كان.

أعتقد، والعلم عند الله، أن مستر تشارلز دارون لو كان قد أدرك هذه الأيام لأعاد النظر في آرائه وأيقن أننا أولاد آدم مخلوقون من تراب، وأن بقية الكائنات هي التي تطورت من بعضنا وليس العكس كما كان يعتقد.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم

ربما كان السيد تشارلز دارون (رحمهُ الله وغفرَ له) محقاً إلى حدٍ ما في إرجاع أصل الأنواع لدى بعض الأحياء إلى القرود، وربما أيضاً، لو أمد الله في عمره حتى يدرك البعض الآخر بعد عام 2003 م، لاكتشف أصولا غير القرود ينتمي لها هذا البعض الآخر، ويقيناً فإن المرحوم جارلس دارون كان يعني ما يعنيه من سلوكيات وظواهر سايكولوجية و(افتراسية) أكثر مما يعنيه في التطور العضوي (Organic evolution ).

ولو كان الله قد أطال بعمره حتى يومنا هذا، وأدرك دولة الضفادع منذ تأسيسها بين شواطئ البحر المتوسط والخليج العربي، لاكتشف أن كثيراً من الكائنات العاقلة بين الساحلين قد تطورت من الضفادع سلوكياً، لما تمتاز به هذه الكائنات العاقلة من صفات متطابقة مع أصولها غير العاقلة، حيثُ تطور النقيق في الجيل الأكثر رقياً إلى ثرثرة غير متناهية في الشعارات والتحليلات المؤدلجة لمعاناة الأمة وقدرها في الوحدة والتحرر وإنقاذ البشرية من الأفكار (الإمبريالية والشيوعية والخمينية والشعوبية…) والى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي من أعداء الأمة والحزب والثورة.

أما في الحركةِ، فقد تطور ذلك السلوك من قفزات معروفة لدى الأجيال البدائية إلى قفزات نوعية وغزوات عظيمة أدركها القاصي (أمريكا ودول العدوان الثلاثيني) والداني (لبنان وإيران وكوردستان والكويت)، وبين هذه القفزات وأزمانها كانت ألوانها تتغير تبعا (للبيئة ودرجات الحرارة والرطوبة وفلسفة القائد) من اليسار إلى اليمين وبالعكس، ومن (الوهابية إلى الصوفية والدراويشية)، ومن العلمانية إلى الحملة الإيمانية، حسبما تمليه (مصالح ومستقبل الأمة والجماهير الكادحة).

وهكذا نرى هذا التكيف يأخذ نمطاً آخر يَطلقُ عليه أتباع السيد دارون بالتكيف البعدي Postadaptation، إذ تحاول الكائنات أن تتكيف مع البيئة التي تعيش فيها بأفضل صورة دونما تأثير على أصل الأنواع. وفي التكاثر والتوالد، غدت هاتين الصفتين في الأجيال المحسنة أكثر رقياً وسلاسة، حيث لم تعد تحتاج عمليات معقدة من التزاوج والتناسل كما كانت عليه الأجداد، فقد اتخذ (مجلس قيادة الثورة) قراراً اعتبر بموجبه كافة سكان مملكته (وإن لم ينتموا) من نفس الأنساب والأصول، ومن يشك في ذلك (من القوميات والأعراق الأخرى) فما عليه إلا مراجعة مسؤول أختام الأنساب والأصول في ديوان الرئاسة الموقر، كي يجد لأبيه مكاناً (فوق الشجرة)، وبذلك أصبح لدينا خلال أقل من نصف قرن جيوشاً جرارة من (سرايا الدفاع والحرس القومي) التي تطورت هي الأخرى بـ(قفزات نوعية) إلى (الجيش الشعبي وجيش القدس ومثيلاتها حتى اليوم بين سواحل المتوسط والخليج).

لو أدرك السيد تشارلز دارون (غفر الله ذنبه) البعض الآخر بعد سقوط دولة النقيق، لاكتشف أصولاً وأنساباً أخرى غير القرود والضفادع، فقد دلت السنوات الـ18 المنصرمة على وجود علاقة سلوكية وسايكولوجية بين كثير ممن شغلوا مواقع الكائنات السابقة وبين كائنات أخرى، مثل الذئاب والثعالب والحيتان، وما أدراك ما الحيتان؟، تلك وربُ العرش العظيم، أكبرُ من كل مصائبنا منذ مذبحة الحسين وحتى محرقة حلبجة، فقد تطورت طفيليات بدائية لا تكاد ترى بالعين المجردة، خلال بضع سنوات إلى حيتان مفترسة، تأكل الأخضر واليابس، الحلال والحرام، دونما صوت أو حركة، والمذهلُ في تطورها السريع هذا وهي تلتهم حولها كل شيء، إنها لا تستخدم أي سلاح في الالتهام سوى أنها توقف نمو وتطور كل الأشياء فيما حولها، عكس ما تفعله النماذج المطورة من الثعالب، حيث التحايل والتملق والتدليس والنعومة والتخصص في علم (من أين يؤكل الكتف) وكيف تضربُ (البواري)، أو ربما تختلف كثيرا عن تلك الأجيال المعدلة عن الذئاب، فالذئب يقتل كي يأكل وهولاء يقتلون على الهوية لمجرد القتل ليس إلا، ربما هي (أنيفالات) مصغرة تمتد في أصولها إلى تلك الوحوش.

والغريبُ أن هذه الأنماط من السلوكيات تتعايش سلميا مع بعضها البعض رغم اختلاف أصول تطورها والبون الشاسع بين ما كانت فيه وما أصبحت عليه، ربما يكون جورج أورويل محقاً بطروحاته في روايته (مملكة الحيوان) حينما انقلبت الصفات المتأصلة على المكتسبة وكان ما كان.

أعتقد، والعلم عند الله، أن مستر تشارلز دارون لو كان قد أدرك هذه الأيام لأعاد النظر في آرائه وأيقن أننا أولاد آدم مخلوقون من تراب، وأن بقية الكائنات هي التي تطورت من بعضنا وليس العكس كما كان يعتقد.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit