أفغانستان والعودة إلى المربع الأول

سيهانوك ديبو

هند كوش أو هند كوشت جبل أفغاني وواحد من أكثر الجبال المرتفعة في العالم. وهندكوش كمثال استعصاء بأن مات تيمور لنك وفي قلبه حسرة أن يقطعه. ورغم أن مسماه يعني (قاتل الهنود) لموت أعداد كبيرة من الهنود حين عبور الجبل؛ ذلكم في عهد استشراء النخاسة. كلمة كوش/ كوشت تعني بكل اللغات واللهجات الآرية -من ضمنها الكردية- القتل أو الموت. في الحقيقة لو قدِّر مسمى جديد لهذا الجبل الأفغاني أو ربما لكل أفغانستان فإنه من الممكن إطلاق قاتل الإمبراطوريات.

ربما بسبب أنّها لعنة يتوارثها شعب أو مكونات أفغانستان من جيل إلى آخر؛ ولا يظننَّ أحد بأن اللعنة تكمن في الجغرافيا إنما أغلب الظن اللعنة في أن أفغانستان تعد مثال المجتمعات العالقة؛ لا هي استطاعت أن تتحوّل بشكل كلي أي تغادر مجتمع الكلان/ القبلي، ولا هي تمكّنت الاستقرار في المجتمع المدني/ المدينة. وهذه الصفة لا يمكن عدها حصرية على شعب أفغانستان إنما أغلبية ساحقة من مكونات الشرق الأوسط. لنكون بنتيجة؛ أقرب إلى نتيجة حتمية؛ مجتمعات كبيرة متنوعة في أقفاص صغيرة اسمها الدول القومية المركزية.

لن نكون أمام قضية نافعة بنتائج محمودة إذا تم الإصرار من قبل أي نظام هيمنة عالمية في التحكم أو هندسة مجتمعات الشرق الأوسط -بشكل خاص- عبر نموذج الدول القومية المركزية. والدولة بالأساس واقعة علوية مصطنعة وقعت على رأس المجتمع كظاهرة طبيعية تسبق الواقعة/ الدولة بآلاف السنين. ربما من الأسلم الاستعاضة بها نحو نموذج اتحاد الأمم الوطنية الديمقراطية أو من أجل الابتعاد عن أي دوغمائيّة ممكن القول: بأن حان وقت الدول متعددة الوطنيات؛ ولا ضير البدء ضمن الأطر المفروضة على شعوب الشرق الأوسط بمسميات خرائط سايكس بيكو سازانوف 1916 المطبّقة المنفَّذة ولوزان2، 1923.

في القرن التاسع عشر إثر صراع الإمبراطوريات الذي يشكل بحد ذاته عهد هيمنة الحداثة الرأسمالية في المرحلة التجارية؛ حدث صراع بين الإمبراطورتين الروسية والبريطانية على شبه الجزيرة الهندية وآسيا الوسطى. صراع ضمن سلسلة سبقته وتبعته لتؤكد كلها بأن جغرافية أفغانستان شهدت الكثير من المعارك الطاحنة؛ لكن لم ينتصر فيها أحد سوى جغرافية أفغانستان. الجغرافيا التي شهدت خروج السوفييت منها في نهاية القرن الماضي والخروج الأمريكي اللحظة، وبأنّ الطرف أو الأطراف بكل ما تتلقّاه من دعم إنْ من المحيط الأفغاني أو الدولي؛ الوحيد الذي لا يخسر هو أفغانستان نفسها. ربما جعلت هذه المعادلات من أفغانستان دون إرادتها مسرح اللعب الأكبر، موجود على خشبتها أنظمة مهيمنة تنزل إحداها من المسرح كلها بعد أن لعب الدور الرئيس. تتبدل الأدوار ضمن مفهومية تحرص ألّا تحل الأزمات إنما كل الحرص على إدارتها.

انسحاب أمريكا السريع أو هزّة أمريكا في أفغانستان ستخلق توازنات لا تقل عن التوازنات التي حدثت بعيد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، علماً بأن عودة طالبان لما كانت أن تحدث إلا بعد نيل الموافقة/ ات من واشنطن نفسها، والتي أعلنت في نهاية شباط من العام الفائت (29)، في الدوحة، عن اتفاق رسمي بين واشنطن وطالبان، وتوجه الوفد نفسه بُعيدها إلى موسكو. ليست واشنطن وموسكو من تقبل أو لا ترفض -أقلّه- عودة طالبان، إنما أيضاً الصين؛ هذا التنين مفتوح شهيته على استثمارات مليارية في أفغانستان لولا أن ذلك يصطدم بتحالفات عجيبة بين دول محيط أفغانستان، وتأثير الهند على قسم من أفغانستان نفسها، علاوة على التأثير الأكبر لباكستان. لم تظهر هذه الدول، ومعها الدول العربية، أي عداء لعودة طالبان إلى حكم أفغانستان. بينت (الشروط) التي طرحتها جميع الدول لطالبان بأنها غير ممانعة كلية لأن نكون أمام جمهورية إسلامية على غرار جمهورية إيران الإسلامية؛ لكن هذه المرة سنية.

مهما تعددت شروحات الحدث الأفغاني ودخول “داعش” (فرع خراسان) إلى الخط الأفغاني وارتكاب مجزرة مطار كابول، ومها كانت الوظائف التي تحققت من الوجود الأمريكي أو التي ستترك فراغاً عبر انسحابه السريع. يبقى السؤال: ما هي الدروس الأهم التي من الممكن استخلاصها من أفغانستان؟

-في ضوء وجود خمسة مشاريع يعتقد طباخوها بأنها مناسبة للشرق الأوسط: الشرق الأوسط الكبير- الأمريكي الغربي، أوراسيا الروسي، الحزام والطريق الصيني، العثمانية الجديدة، ومشروع إيران مما يسميه البعض بالصفوية الجديدة. تؤكد التجربة غير الناجحة للأمريكان في أفغانستان بأن أمريكا لم تستطع أن يحظى مشروعها بقبول في الشرق الأوسط، وتثبت تجاربها المتكررة بأن عملها مع أشخاص تكنوقراط يتعرّض للانكسار وتفرط العقدة على طول الخط إلى درجة الفشل في نسخ ديمقراطية برلمانية عبر الوقت الذي تبقى فيه من أي دولة تتواجد فيها.

-الحداثة الرأسمالية ليس بالمهندس الناجح لإدارة مجتمعات الشرق الأوسط. لم تفلح في ذلك؛ كل الظن بأنها لن تفلح. أما المشروع الديمقراطي فإن ما يجعله ناجحاً هو الاعتماد على الديناميكة المحلية التي يكتب لها الانبعاث والتحول والتأثير ولا يمكن صناعتها وإدارتها وخلقها في أماكن أخرى ومن ثم استجرارها أو فرضها على مجتمعات الشرق الأوسط.

-أما تجارب وجود أي قطب أو قوة أو نظام هيمنة في الشرق، بشكل عام، فإنّها تثبت بأن القوى العسكرية المرتزقة لا يمكن أن تكون طرفاً في استمرار خطٍ ما بخاصة بعد زوال التأثير المباشر للقوى التي صنعتها. لذلك فإن هذه القوى المستحدثة لا يمكنها الصمود أمام أي قوة محلية. فعشرون سنة من وجود الأمريكان في أفغانستان لم يستطع الجيش الأفغاني من الصمود لعشرين ساعة أمام طالبان. رغم أكثر من (ترليون) دولار قدم لهذا الجيش. في الحقيقة يذكر بأن أمريكا في عهد الرئيس أوباما قدمت نصف مليار دولار لفصائل نظرت أو أشارت إليها تركيا الأردوغانية بأنها نواة الجيش البديل؛ وما فعلته هذه الفصائل بأنها سلمت نفسها لجبهة النصرة في أول تجربة.

-الدفاع المشروع والحماية الذاتية هي قيمة من قيم وشيم مجتمعات الشرق الأوسط ووسط آسيا، له العلاقة بحقيقة الشعب المقاتل المرتبط بدوره بقيم المكتسبات المتحققة عبر الدفاع والحماية الذاتية، ولا يمكن من توريدها والتعامل معها كمادة أو سلعة أو آلة. أما سقوط الموصل في صيف 2014 بيد داعش هو توصيف تجريبي لافتقاد قيم الدفاع المشروع. الأمر الذي تكرر في كابول منتصف آب الحالي.

-وعي الإرادة الشعبية أو الوعي المجتمعي هو الحاسم في أي تحول لأنّه بالضرورة يعبر عن أعلى فهم للاقتصاد المجتمعي في أي حيز جغرافي. لذلك نجد في لحظات معينة بخاصة حينما يشتد الاستبداد لنجد بأن الوعي المجتمعي يفرز بشكل واضح إرادة شعبية تصرّ على إسقاط نظام الاستبداد، والقبول بأي نظام يحلّ محله، ولا يتوقف الوعي المجتمعي كثيراً عند البديل؛ إنما يريد الخلاص من الحالي المستبد فقط. في الحقيقة ربما يكون هذا درس مستخلص من كل العشرية الفائتة على الشرق الأوسط وليس بالمتعلق بأفغانستان فقط. أي القضية تكمن في إيجاد توازن محكم بين المدني والعسكري؛ في مراحل خاصة ومعينة كما التي نشهدها اللحظة. وأما في الدرس الأفغاني فإنه يحيلنا بأن قبول أو عدم رفض أو عدم ممانعة شعب أفغانستان بشكل كلي لما يحدث؛ يؤكد من جديد بأن حركة طالبان غير متوافق عليها من قبل الشعب الأفغاني الذي حلّ محل حكم الفساد والمحسوبية المرسخ للتقسيم الطبقي المقيت.

-قرار أمريكا الانسحاب من أفغانستان هو قرار صحيح وجريء. لكن كل انسحاب أمريكي من أي منطقة بشكل سريع يزيد من نسب الفوضى في تلك المنطقة، وكل منطقة تعاني من ملف إشكالي على ارتباط بكل الملفات العالقة التي تحتجّ الحل. وهذا ما حدث إبان انسحابها من رأس العين وتل أبيض في الربع الأخير من 2019، فتح ذلك أمام احتلال تركي، وفي الوقت نفسه تكريس عالٍ للتدخل الأجنبي في سوريا. وهذا الشيء ينطبق مرة أخرى على العراق وسوريا في حال حدث انسحاب أمريكي والاحتمالات، التي باتت بالمعروفة، الناجمة عن ذلك.

-الدرس الأبرز من أفغانستان ومن دروس منطقة الشرق الأوسط (الجديد)، بأنها عرّت نظام تركيا. وبأن حكومتها، أي حكومة العدالة والتنمية، هي حكومة حرب، وفساد، ومتورطة بدعم جميع التنظيمات الفاشية الإرهابية كداعش والنصرة والعشرات منها المرتبطة بالقاعدة. تؤدي وظيفة يباس المجتمع وتحول فئات منه إلى حطب الحرب التي يجب ألا تتوقف. ليس فقط في أفغانستان، إنما في آخر مثال داعم له: عدم الاستقرار في ليبيا وفي مصر، وسياسة الإبادة ضد مناطق شمال وشرق سوريا، وسياسة القتل المعلن ضد سنجار/ شنكال، وإساءتها للحراك الثوري السوري من بعد توظيف الحراك الثوري السوري، وتوظيف كل ملف من ملفات الأزمة السورية، بخاصة المهجرين لصالحها بعد ابتزاز الجميع بهم. ربما يجب ألا يتوقف ذلك فقط على الداخل التركي طالما تركيا متورطة بتأجيج كل داخل في بلدان الشرق الأوسط.

استفسارات تنفيذية

-هل تعلم أمريكا بأن تاريخ 15 أغسطس/ آب الحالي، هو تاريخ بداية انحسار القطب الأمريكي المتربع على العرش العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، رغم وجود السوفييت بعد الحرب العالمية الثانية كمشارك أساسيّ له؟ وهل تعلم بأن كل ابتعاد أمريكي يكون على حساب اقتراب صيني كقوة مهيمنة في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب؟

-هل من الممكن القول بأن أنغام اللعبة الكبرى المقبلة في الشرق الأوسط -كما يرى الكثير ومقتنع به- ستكون عبر كونشيرتو آسيوي؟

-إنْ لم يكن مربع أفغانستان الأول صينياً فلن يكون أمريكياً أيضاً ولا روسياً، فهل تبقى أفغانستان أفغانية مع افتقار واضح لامتلاك ميكانيزم أمة – دولة؟

-زاد الانفجار الأفغاني المتوقع تلبيداً لأجواء الشرق الأوسط الملبدة أساساً. فهل سنكون كسوريين ضمن هذه الفوضى أمام فرصة حقيقية نحدد فيها ذاتياً ثوابتنا الأساسية للحل الديمقراطي: بأن سوريا الجديدة لا مركزية ديمقراطية تعددية، وبأن الاجتماع السوري في شقه الوطني (معارضة- موالاة) حان دوره في تعريف القرار 2254 سوريّاً والذي يتحدد عبره آليات الانتقال والحكم الانتقالي المحقق لتحول وتغيير ديمقراطي جذري شامل؟

من المؤكد بأنّ الاسئلة والاستفسارات كثيرة وعميقة ومتلونة؛ لكن من المهم الاقتناع بأن أعظم المحطات التاريخية الكبرى هي التي شهدت فيها تنازلات صغرى. وهذا درس التاريخ من قادش (أول معاهدة سلام في التاريخ)؛ إلى صلح الحديبية ووثيقة المدينة، وصلح بريخت، وصولاً إلى كل صلح ومعاهدات سلام حدثت وسترى النور. الأهم والأوحد في كل محطة تاريخية بأن من تنتج تفاصيلها وتقودها قوى محلية مقاومة؛ فلم تحدث عبر الما وراء. وربما هذا بالضبط ما قصده عاشق ريتا الأبدي في قصيدته: ما أوسع الثورة، ما أضيق الرحلة، ما أكبر الفكرة، وما أصغر الدولة.

سيهانوك ديبو

ليفانت – سيهانوك ديبو

هند كوش أو هند كوشت جبل أفغاني وواحد من أكثر الجبال المرتفعة في العالم. وهندكوش كمثال استعصاء بأن مات تيمور لنك وفي قلبه حسرة أن يقطعه. ورغم أن مسماه يعني (قاتل الهنود) لموت أعداد كبيرة من الهنود حين عبور الجبل؛ ذلكم في عهد استشراء النخاسة. كلمة كوش/ كوشت تعني بكل اللغات واللهجات الآرية -من ضمنها الكردية- القتل أو الموت. في الحقيقة لو قدِّر مسمى جديد لهذا الجبل الأفغاني أو ربما لكل أفغانستان فإنه من الممكن إطلاق قاتل الإمبراطوريات.

ربما بسبب أنّها لعنة يتوارثها شعب أو مكونات أفغانستان من جيل إلى آخر؛ ولا يظننَّ أحد بأن اللعنة تكمن في الجغرافيا إنما أغلب الظن اللعنة في أن أفغانستان تعد مثال المجتمعات العالقة؛ لا هي استطاعت أن تتحوّل بشكل كلي أي تغادر مجتمع الكلان/ القبلي، ولا هي تمكّنت الاستقرار في المجتمع المدني/ المدينة. وهذه الصفة لا يمكن عدها حصرية على شعب أفغانستان إنما أغلبية ساحقة من مكونات الشرق الأوسط. لنكون بنتيجة؛ أقرب إلى نتيجة حتمية؛ مجتمعات كبيرة متنوعة في أقفاص صغيرة اسمها الدول القومية المركزية.

لن نكون أمام قضية نافعة بنتائج محمودة إذا تم الإصرار من قبل أي نظام هيمنة عالمية في التحكم أو هندسة مجتمعات الشرق الأوسط -بشكل خاص- عبر نموذج الدول القومية المركزية. والدولة بالأساس واقعة علوية مصطنعة وقعت على رأس المجتمع كظاهرة طبيعية تسبق الواقعة/ الدولة بآلاف السنين. ربما من الأسلم الاستعاضة بها نحو نموذج اتحاد الأمم الوطنية الديمقراطية أو من أجل الابتعاد عن أي دوغمائيّة ممكن القول: بأن حان وقت الدول متعددة الوطنيات؛ ولا ضير البدء ضمن الأطر المفروضة على شعوب الشرق الأوسط بمسميات خرائط سايكس بيكو سازانوف 1916 المطبّقة المنفَّذة ولوزان2، 1923.

في القرن التاسع عشر إثر صراع الإمبراطوريات الذي يشكل بحد ذاته عهد هيمنة الحداثة الرأسمالية في المرحلة التجارية؛ حدث صراع بين الإمبراطورتين الروسية والبريطانية على شبه الجزيرة الهندية وآسيا الوسطى. صراع ضمن سلسلة سبقته وتبعته لتؤكد كلها بأن جغرافية أفغانستان شهدت الكثير من المعارك الطاحنة؛ لكن لم ينتصر فيها أحد سوى جغرافية أفغانستان. الجغرافيا التي شهدت خروج السوفييت منها في نهاية القرن الماضي والخروج الأمريكي اللحظة، وبأنّ الطرف أو الأطراف بكل ما تتلقّاه من دعم إنْ من المحيط الأفغاني أو الدولي؛ الوحيد الذي لا يخسر هو أفغانستان نفسها. ربما جعلت هذه المعادلات من أفغانستان دون إرادتها مسرح اللعب الأكبر، موجود على خشبتها أنظمة مهيمنة تنزل إحداها من المسرح كلها بعد أن لعب الدور الرئيس. تتبدل الأدوار ضمن مفهومية تحرص ألّا تحل الأزمات إنما كل الحرص على إدارتها.

انسحاب أمريكا السريع أو هزّة أمريكا في أفغانستان ستخلق توازنات لا تقل عن التوازنات التي حدثت بعيد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، علماً بأن عودة طالبان لما كانت أن تحدث إلا بعد نيل الموافقة/ ات من واشنطن نفسها، والتي أعلنت في نهاية شباط من العام الفائت (29)، في الدوحة، عن اتفاق رسمي بين واشنطن وطالبان، وتوجه الوفد نفسه بُعيدها إلى موسكو. ليست واشنطن وموسكو من تقبل أو لا ترفض -أقلّه- عودة طالبان، إنما أيضاً الصين؛ هذا التنين مفتوح شهيته على استثمارات مليارية في أفغانستان لولا أن ذلك يصطدم بتحالفات عجيبة بين دول محيط أفغانستان، وتأثير الهند على قسم من أفغانستان نفسها، علاوة على التأثير الأكبر لباكستان. لم تظهر هذه الدول، ومعها الدول العربية، أي عداء لعودة طالبان إلى حكم أفغانستان. بينت (الشروط) التي طرحتها جميع الدول لطالبان بأنها غير ممانعة كلية لأن نكون أمام جمهورية إسلامية على غرار جمهورية إيران الإسلامية؛ لكن هذه المرة سنية.

مهما تعددت شروحات الحدث الأفغاني ودخول “داعش” (فرع خراسان) إلى الخط الأفغاني وارتكاب مجزرة مطار كابول، ومها كانت الوظائف التي تحققت من الوجود الأمريكي أو التي ستترك فراغاً عبر انسحابه السريع. يبقى السؤال: ما هي الدروس الأهم التي من الممكن استخلاصها من أفغانستان؟

-في ضوء وجود خمسة مشاريع يعتقد طباخوها بأنها مناسبة للشرق الأوسط: الشرق الأوسط الكبير- الأمريكي الغربي، أوراسيا الروسي، الحزام والطريق الصيني، العثمانية الجديدة، ومشروع إيران مما يسميه البعض بالصفوية الجديدة. تؤكد التجربة غير الناجحة للأمريكان في أفغانستان بأن أمريكا لم تستطع أن يحظى مشروعها بقبول في الشرق الأوسط، وتثبت تجاربها المتكررة بأن عملها مع أشخاص تكنوقراط يتعرّض للانكسار وتفرط العقدة على طول الخط إلى درجة الفشل في نسخ ديمقراطية برلمانية عبر الوقت الذي تبقى فيه من أي دولة تتواجد فيها.

-الحداثة الرأسمالية ليس بالمهندس الناجح لإدارة مجتمعات الشرق الأوسط. لم تفلح في ذلك؛ كل الظن بأنها لن تفلح. أما المشروع الديمقراطي فإن ما يجعله ناجحاً هو الاعتماد على الديناميكة المحلية التي يكتب لها الانبعاث والتحول والتأثير ولا يمكن صناعتها وإدارتها وخلقها في أماكن أخرى ومن ثم استجرارها أو فرضها على مجتمعات الشرق الأوسط.

-أما تجارب وجود أي قطب أو قوة أو نظام هيمنة في الشرق، بشكل عام، فإنّها تثبت بأن القوى العسكرية المرتزقة لا يمكن أن تكون طرفاً في استمرار خطٍ ما بخاصة بعد زوال التأثير المباشر للقوى التي صنعتها. لذلك فإن هذه القوى المستحدثة لا يمكنها الصمود أمام أي قوة محلية. فعشرون سنة من وجود الأمريكان في أفغانستان لم يستطع الجيش الأفغاني من الصمود لعشرين ساعة أمام طالبان. رغم أكثر من (ترليون) دولار قدم لهذا الجيش. في الحقيقة يذكر بأن أمريكا في عهد الرئيس أوباما قدمت نصف مليار دولار لفصائل نظرت أو أشارت إليها تركيا الأردوغانية بأنها نواة الجيش البديل؛ وما فعلته هذه الفصائل بأنها سلمت نفسها لجبهة النصرة في أول تجربة.

-الدفاع المشروع والحماية الذاتية هي قيمة من قيم وشيم مجتمعات الشرق الأوسط ووسط آسيا، له العلاقة بحقيقة الشعب المقاتل المرتبط بدوره بقيم المكتسبات المتحققة عبر الدفاع والحماية الذاتية، ولا يمكن من توريدها والتعامل معها كمادة أو سلعة أو آلة. أما سقوط الموصل في صيف 2014 بيد داعش هو توصيف تجريبي لافتقاد قيم الدفاع المشروع. الأمر الذي تكرر في كابول منتصف آب الحالي.

-وعي الإرادة الشعبية أو الوعي المجتمعي هو الحاسم في أي تحول لأنّه بالضرورة يعبر عن أعلى فهم للاقتصاد المجتمعي في أي حيز جغرافي. لذلك نجد في لحظات معينة بخاصة حينما يشتد الاستبداد لنجد بأن الوعي المجتمعي يفرز بشكل واضح إرادة شعبية تصرّ على إسقاط نظام الاستبداد، والقبول بأي نظام يحلّ محله، ولا يتوقف الوعي المجتمعي كثيراً عند البديل؛ إنما يريد الخلاص من الحالي المستبد فقط. في الحقيقة ربما يكون هذا درس مستخلص من كل العشرية الفائتة على الشرق الأوسط وليس بالمتعلق بأفغانستان فقط. أي القضية تكمن في إيجاد توازن محكم بين المدني والعسكري؛ في مراحل خاصة ومعينة كما التي نشهدها اللحظة. وأما في الدرس الأفغاني فإنه يحيلنا بأن قبول أو عدم رفض أو عدم ممانعة شعب أفغانستان بشكل كلي لما يحدث؛ يؤكد من جديد بأن حركة طالبان غير متوافق عليها من قبل الشعب الأفغاني الذي حلّ محل حكم الفساد والمحسوبية المرسخ للتقسيم الطبقي المقيت.

-قرار أمريكا الانسحاب من أفغانستان هو قرار صحيح وجريء. لكن كل انسحاب أمريكي من أي منطقة بشكل سريع يزيد من نسب الفوضى في تلك المنطقة، وكل منطقة تعاني من ملف إشكالي على ارتباط بكل الملفات العالقة التي تحتجّ الحل. وهذا ما حدث إبان انسحابها من رأس العين وتل أبيض في الربع الأخير من 2019، فتح ذلك أمام احتلال تركي، وفي الوقت نفسه تكريس عالٍ للتدخل الأجنبي في سوريا. وهذا الشيء ينطبق مرة أخرى على العراق وسوريا في حال حدث انسحاب أمريكي والاحتمالات، التي باتت بالمعروفة، الناجمة عن ذلك.

-الدرس الأبرز من أفغانستان ومن دروس منطقة الشرق الأوسط (الجديد)، بأنها عرّت نظام تركيا. وبأن حكومتها، أي حكومة العدالة والتنمية، هي حكومة حرب، وفساد، ومتورطة بدعم جميع التنظيمات الفاشية الإرهابية كداعش والنصرة والعشرات منها المرتبطة بالقاعدة. تؤدي وظيفة يباس المجتمع وتحول فئات منه إلى حطب الحرب التي يجب ألا تتوقف. ليس فقط في أفغانستان، إنما في آخر مثال داعم له: عدم الاستقرار في ليبيا وفي مصر، وسياسة الإبادة ضد مناطق شمال وشرق سوريا، وسياسة القتل المعلن ضد سنجار/ شنكال، وإساءتها للحراك الثوري السوري من بعد توظيف الحراك الثوري السوري، وتوظيف كل ملف من ملفات الأزمة السورية، بخاصة المهجرين لصالحها بعد ابتزاز الجميع بهم. ربما يجب ألا يتوقف ذلك فقط على الداخل التركي طالما تركيا متورطة بتأجيج كل داخل في بلدان الشرق الأوسط.

استفسارات تنفيذية

-هل تعلم أمريكا بأن تاريخ 15 أغسطس/ آب الحالي، هو تاريخ بداية انحسار القطب الأمريكي المتربع على العرش العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، رغم وجود السوفييت بعد الحرب العالمية الثانية كمشارك أساسيّ له؟ وهل تعلم بأن كل ابتعاد أمريكي يكون على حساب اقتراب صيني كقوة مهيمنة في نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب؟

-هل من الممكن القول بأن أنغام اللعبة الكبرى المقبلة في الشرق الأوسط -كما يرى الكثير ومقتنع به- ستكون عبر كونشيرتو آسيوي؟

-إنْ لم يكن مربع أفغانستان الأول صينياً فلن يكون أمريكياً أيضاً ولا روسياً، فهل تبقى أفغانستان أفغانية مع افتقار واضح لامتلاك ميكانيزم أمة – دولة؟

-زاد الانفجار الأفغاني المتوقع تلبيداً لأجواء الشرق الأوسط الملبدة أساساً. فهل سنكون كسوريين ضمن هذه الفوضى أمام فرصة حقيقية نحدد فيها ذاتياً ثوابتنا الأساسية للحل الديمقراطي: بأن سوريا الجديدة لا مركزية ديمقراطية تعددية، وبأن الاجتماع السوري في شقه الوطني (معارضة- موالاة) حان دوره في تعريف القرار 2254 سوريّاً والذي يتحدد عبره آليات الانتقال والحكم الانتقالي المحقق لتحول وتغيير ديمقراطي جذري شامل؟

من المؤكد بأنّ الاسئلة والاستفسارات كثيرة وعميقة ومتلونة؛ لكن من المهم الاقتناع بأن أعظم المحطات التاريخية الكبرى هي التي شهدت فيها تنازلات صغرى. وهذا درس التاريخ من قادش (أول معاهدة سلام في التاريخ)؛ إلى صلح الحديبية ووثيقة المدينة، وصلح بريخت، وصولاً إلى كل صلح ومعاهدات سلام حدثت وسترى النور. الأهم والأوحد في كل محطة تاريخية بأن من تنتج تفاصيلها وتقودها قوى محلية مقاومة؛ فلم تحدث عبر الما وراء. وربما هذا بالضبط ما قصده عاشق ريتا الأبدي في قصيدته: ما أوسع الثورة، ما أضيق الرحلة، ما أكبر الفكرة، وما أصغر الدولة.

سيهانوك ديبو

ليفانت – سيهانوك ديبو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit