كيف تكون المرأة شريكة في جرائم الشرف؟

أفين يوسف

هزت جريمة قتل الفتاة القاصر من مدينة الحسكة السورية مواقع التواصل الاجتماعي، وكان مقطع الفيديو المصوَّر أثناء تنفيذ الجريمة من أبشع المشاهد التي يمكن أن يتخيلها الإنسان، لأنّه كان خالياً تماماً من كل معاني الإنسانية، وليست تلك الجريمة التي يقول مرتكبيها بأنها “غسل للعار”، آخر الجرائم ولا أولها.

حيث تلتها جريمة أخرى في نفس المدينة وخلال أسبوع من الجريمة السابقة الذكر لتحمل مسمى “دافع الشرف”، وتستمر جرائم ما يسمى بـ”جرائم الشرف” في الشرق الأوسط عموماً، وسوريا خصوصاً، وهو ليس بجديد علينا، لكن ما يثير فينا التساؤل هو موقف النساء من أهل وأقارب الضحية في هذه الجريمة! تحمل جرائم الشرف طابعاً ديماغوجياً يلعب على المشاعر الجمعية والعواطف والدين، كما أننا في كل الجرائم المماثلة نلاحظ أن النساء من عائلة المجني عليها (الأم، الأخت، الخالة، العمة، الجدة… إلخ) لا صوت لهن ولا رأي، بل في الغالب هن يفضلن موت الفتاة “المذنبة” بنظرهنّ على أن تبقى حية تعيش بينهن فتجلب لهن “العار”، وتلعبن دوراً في تحريض الرجال على “غسل العار”، والأسباب كثيرة برأيي منها:

– الخوف من محاسبة ذكور العائلة لهن واتهامهن بالتواطؤ مع الفتاة، الأمر الذي يمكن أن يعرضهن لذات العقوبة، وهي القتل. حيث هنا يلعب الذكور دور القضاة والحكام والوصيين على أعراضهم المتمثلة بجسد وقلب وأعضاء المرأة التناسلية.

– القناعة التامة بأن الحكم بالموت على الفتاة الخارجة عن عرف العائلة هو الحكم الرشيد والأمثل. لذلك تتكتم نساء العائلة أيضاً على نية الرجال بعقاب الفتاة وقتلها، الأمر الذي ربما قد يحول دون ارتكاب الجريمة وفي بعض الجرائم شاركت المرأة نفسها بتنفيذ الجريمة.

– الخوف من كلام الناس وعدم القدرة على مواجهتهم، حيث تلعب الأقاويل دورها في مجتمعاتنا الشرقية، وهذا ما هو متفشٍ بشكل كبير خاصة بين العشائر، وسببه قلة الوعي والعلم والتمسك بالعادات والتقاليد الخاطئة والمتجذرة فيها.

– عدم الوعي لتبعات هذه الجرائم والتسليم بصحتها، ما يترك آثاراً نفسية تراكمية على المرأة لعدم قناعتها ضمنياً.

– عدم ثقة المرأة بنفسها وبقدرتها على تغيير الواقع المفروض عليها في المجتمعات المشابهة، واعتمادها الكلي على الرجل في اتخاذ القرارات المصيرية عنها، وتنصيب الرجل وصياً على نفسها اعتقاداً منها بأنها لن تستطيع العيش بدونه على مبدأ (ظل رجل ولا ظل حائط).

– تدني مستوى التعليم في تلك المجتمعات، خاصة عند الفتيات، حيث تمنع غالبية الفتيات من متابعة الدراسة في سن مبكرة. قد تختلف آراء مجموعة من النساء المنخرطات في الوسط الثقافي والمنظمات النسوية والناشطات في مجال حقوق المرأة، لكنهن لا تشكلن نسبة كبيرة من المجتمع النسوي العائم على بحر من العادات والتقاليد والأحكام الجائرة بحقها.

أقر مجلس الشعب في سوريا إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات لعام 1949، المعروفة باسم “العذر المخفف” لـ “جرائم الشرف”.

وكانت المادة 548 من قانون العقوبات السوري، تنصّ على أنه “يستفيد من العذر المُحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد، ويستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر”.

واستُبدلت المادة 548 بالمادة 15 من المرسوم رقم 1 لعام 2011، التي ألغت استفادة القاتل من العذر المُحلّ من العقوبة، في حال ارتكابه جريمة القتل بدافع الشرف، ولم تأتِ على ذكر “الحالة المريبة” التي كانت مبرراً لمنح العذر المخفف في القانون القديم.

وينص قانون المرأة، الذي صدر عن هيئة المرأة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في المادة 17 على أن “يتم تجريم القتل بذريعة الشرف واعتباره جريمة مكتملة الأركان المادية، والمعنوية، والقانونية، ويعاقب مرتكبها بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات كجريمة قتل قصد أو عمد، وإلغاء أية أعذار قانونية لارتكاب هذه الجريمة”.

في المجتمعات التي تسيطر عليها العقليات الذكورية الأبوية لم يستطع القانون استيعاب تلك العقليات ولم يحد من تلك الجرائم، ولم يكن لمنظمات المجتمع المدني حتى الآن دور فاعل في توعية المجتمعات في هذا الجانب كونها لم تستهدف الفئة الصحيحة من المجتمع ولم تركز بجدية على هذه الظاهرة.

لذلك، برأيي لن تجد المرأة من ينصفها إلا المرأة نفسها، وهذا يتوقف على مدى وعيها وقناعتها وثقتها بنفسها، وهي فقط يمكنها الخروج من عباءة الرجل وسيطرته اللامحدودة عليها، فالرجال عموماً في هذه المجتمعات، وحتى المثقفين، منهم يرون في أنفسهم حق الوصاية على المرأة وعلى جسدها وعاطفتها، ويسلبون حقها في الحياة كإنسانة حرة لها كيانها المستقل، بينما يحللون لأنفسهم كل شيء، حتى الزنا، ودون أن يحاسبوا أو يعتبرهم المجتمع عرضاً أو شرفاً للعائلة، فكم من شبابٍ فقدوا “عذريتهم”، فقيل عنها “نزوة” شبابية؟ وكم من رجال خانوا زوجاتهم مرات ومرات وقيل عنهم أنهم “رجال والرجال لا يعيبهم شيء”؟ وكم من رجال وقعوا في الحب فتعاطف معهم الأهل والمعارف ولم يعتبروه عاراً؟ وكم من رجال يتزوجون مثنى وثلاث ورباع، لأنهم ببساطة لا يستطيعون التحكم بغرائزهم الجنسية؟

فقط في مجتمعنا، الحب عارٌ على المرأة، الغريزة للرجل وليست للمرأة، المرأة وسيلة لرفاهية الرجل، شرف الرجل مرتبط بسلامة غشاء البكارة، وأخطاء الرجال سببها فتنة بعض النساء وعليها يقع الجزاء.

أفين يوسف

ليفانت – أفين يوسف

هزت جريمة قتل الفتاة القاصر من مدينة الحسكة السورية مواقع التواصل الاجتماعي، وكان مقطع الفيديو المصوَّر أثناء تنفيذ الجريمة من أبشع المشاهد التي يمكن أن يتخيلها الإنسان، لأنّه كان خالياً تماماً من كل معاني الإنسانية، وليست تلك الجريمة التي يقول مرتكبيها بأنها “غسل للعار”، آخر الجرائم ولا أولها.

حيث تلتها جريمة أخرى في نفس المدينة وخلال أسبوع من الجريمة السابقة الذكر لتحمل مسمى “دافع الشرف”، وتستمر جرائم ما يسمى بـ”جرائم الشرف” في الشرق الأوسط عموماً، وسوريا خصوصاً، وهو ليس بجديد علينا، لكن ما يثير فينا التساؤل هو موقف النساء من أهل وأقارب الضحية في هذه الجريمة! تحمل جرائم الشرف طابعاً ديماغوجياً يلعب على المشاعر الجمعية والعواطف والدين، كما أننا في كل الجرائم المماثلة نلاحظ أن النساء من عائلة المجني عليها (الأم، الأخت، الخالة، العمة، الجدة… إلخ) لا صوت لهن ولا رأي، بل في الغالب هن يفضلن موت الفتاة “المذنبة” بنظرهنّ على أن تبقى حية تعيش بينهن فتجلب لهن “العار”، وتلعبن دوراً في تحريض الرجال على “غسل العار”، والأسباب كثيرة برأيي منها:

– الخوف من محاسبة ذكور العائلة لهن واتهامهن بالتواطؤ مع الفتاة، الأمر الذي يمكن أن يعرضهن لذات العقوبة، وهي القتل. حيث هنا يلعب الذكور دور القضاة والحكام والوصيين على أعراضهم المتمثلة بجسد وقلب وأعضاء المرأة التناسلية.

– القناعة التامة بأن الحكم بالموت على الفتاة الخارجة عن عرف العائلة هو الحكم الرشيد والأمثل. لذلك تتكتم نساء العائلة أيضاً على نية الرجال بعقاب الفتاة وقتلها، الأمر الذي ربما قد يحول دون ارتكاب الجريمة وفي بعض الجرائم شاركت المرأة نفسها بتنفيذ الجريمة.

– الخوف من كلام الناس وعدم القدرة على مواجهتهم، حيث تلعب الأقاويل دورها في مجتمعاتنا الشرقية، وهذا ما هو متفشٍ بشكل كبير خاصة بين العشائر، وسببه قلة الوعي والعلم والتمسك بالعادات والتقاليد الخاطئة والمتجذرة فيها.

– عدم الوعي لتبعات هذه الجرائم والتسليم بصحتها، ما يترك آثاراً نفسية تراكمية على المرأة لعدم قناعتها ضمنياً.

– عدم ثقة المرأة بنفسها وبقدرتها على تغيير الواقع المفروض عليها في المجتمعات المشابهة، واعتمادها الكلي على الرجل في اتخاذ القرارات المصيرية عنها، وتنصيب الرجل وصياً على نفسها اعتقاداً منها بأنها لن تستطيع العيش بدونه على مبدأ (ظل رجل ولا ظل حائط).

– تدني مستوى التعليم في تلك المجتمعات، خاصة عند الفتيات، حيث تمنع غالبية الفتيات من متابعة الدراسة في سن مبكرة. قد تختلف آراء مجموعة من النساء المنخرطات في الوسط الثقافي والمنظمات النسوية والناشطات في مجال حقوق المرأة، لكنهن لا تشكلن نسبة كبيرة من المجتمع النسوي العائم على بحر من العادات والتقاليد والأحكام الجائرة بحقها.

أقر مجلس الشعب في سوريا إلغاء المادة 548 من قانون العقوبات لعام 1949، المعروفة باسم “العذر المخفف” لـ “جرائم الشرف”.

وكانت المادة 548 من قانون العقوبات السوري، تنصّ على أنه “يستفيد من العذر المُحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء مع شخص آخر، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو على قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد، ويستفيد مرتكب القتل أو الأذى من العذر المخفف إذا فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في حالة مريبة مع آخر”.

واستُبدلت المادة 548 بالمادة 15 من المرسوم رقم 1 لعام 2011، التي ألغت استفادة القاتل من العذر المُحلّ من العقوبة، في حال ارتكابه جريمة القتل بدافع الشرف، ولم تأتِ على ذكر “الحالة المريبة” التي كانت مبرراً لمنح العذر المخفف في القانون القديم.

وينص قانون المرأة، الذي صدر عن هيئة المرأة في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في المادة 17 على أن “يتم تجريم القتل بذريعة الشرف واعتباره جريمة مكتملة الأركان المادية، والمعنوية، والقانونية، ويعاقب مرتكبها بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات كجريمة قتل قصد أو عمد، وإلغاء أية أعذار قانونية لارتكاب هذه الجريمة”.

في المجتمعات التي تسيطر عليها العقليات الذكورية الأبوية لم يستطع القانون استيعاب تلك العقليات ولم يحد من تلك الجرائم، ولم يكن لمنظمات المجتمع المدني حتى الآن دور فاعل في توعية المجتمعات في هذا الجانب كونها لم تستهدف الفئة الصحيحة من المجتمع ولم تركز بجدية على هذه الظاهرة.

لذلك، برأيي لن تجد المرأة من ينصفها إلا المرأة نفسها، وهذا يتوقف على مدى وعيها وقناعتها وثقتها بنفسها، وهي فقط يمكنها الخروج من عباءة الرجل وسيطرته اللامحدودة عليها، فالرجال عموماً في هذه المجتمعات، وحتى المثقفين، منهم يرون في أنفسهم حق الوصاية على المرأة وعلى جسدها وعاطفتها، ويسلبون حقها في الحياة كإنسانة حرة لها كيانها المستقل، بينما يحللون لأنفسهم كل شيء، حتى الزنا، ودون أن يحاسبوا أو يعتبرهم المجتمع عرضاً أو شرفاً للعائلة، فكم من شبابٍ فقدوا “عذريتهم”، فقيل عنها “نزوة” شبابية؟ وكم من رجال خانوا زوجاتهم مرات ومرات وقيل عنهم أنهم “رجال والرجال لا يعيبهم شيء”؟ وكم من رجال وقعوا في الحب فتعاطف معهم الأهل والمعارف ولم يعتبروه عاراً؟ وكم من رجال يتزوجون مثنى وثلاث ورباع، لأنهم ببساطة لا يستطيعون التحكم بغرائزهم الجنسية؟

فقط في مجتمعنا، الحب عارٌ على المرأة، الغريزة للرجل وليست للمرأة، المرأة وسيلة لرفاهية الرجل، شرف الرجل مرتبط بسلامة غشاء البكارة، وأخطاء الرجال سببها فتنة بعض النساء وعليها يقع الجزاء.

أفين يوسف

ليفانت – أفين يوسف

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit