درعا يا بلد

غسان المفلح
غسان المفلح

الكتابة عن درعا في ظل لوحة معقدة، حيث أطرافها لا حصر لهم. بعيداً عن خطاب درعا مهد الثورة، ودرعا عنوان للصمود بوجه الطاغية الأسدي. في اجتماع عقد قبل فترة شهر تقريباً عن درعا، كان لي موقف لم يعجب كثر من مناضلي الثورة.

حاولت فيه التركيز على أننا لا يمكن عزل درعا عن محيطها المهزوم. أتحدّث عن بلد اسمه سوريا جرى احتلاله لمنع انتصار ثورته، وتمت هزيمتها دولياً وعربياً وأسدياً.

أيضاً تحدثت فيه عن موقف الأردن، بأن الأردن لم يعد وارداً في الحساب عندما نريد الحديث عن درعا وعن دعمها، عن رفع الحصار عنها. هنالك موقف دولي حول درعا كجزء من الموقف عن سوريا. فما أدلى به الملك عبد الله لـ (سي أن أن) حول وجوب التعامل مع النظام بوصفه أمراً واقعاً، لا يخرج عن هذا السياق الدولي. حيث تنازل الأردن في هذا اللقاء الذي جاء بعد لقاء العاهل الأردني بالرئيس بايدن، تنازل عن مطلبه في إبعاد الميليشيات الإيرانية عن حدوده لمسافة بين 30 و50 كم. درعا البلد تبعد عن حدود الأردن أقل من 5 كم.

الملفت أيضاً أنه قبل سفر العاهل الأردني لواشنطن، تم الإعلان عن الوجود الإيراني حول درعا البلد. كما أن الروس أنفسهم أعلنوا في سياق تهديدهم لأهل درعا البلد بأنهم سيسمحون للميليشيات الإيرانية باقتحامها، ما لم يستجب أهل درعا لمطالب الروس والأسد. من جهة أخرى حتى إسرائيل لا تجد مانعاً من وجود ميليشيات إيرانية في كل الجنوب السوري.

سواء صمدت درعا البلد أو تم اجتياحها عسكرياً، لا يغير من حقيقة أن الموقف الدولي والإقليمي والأردني لم يعد يريد أية بؤرة تعبر عن استمرار الثورة السورية أو تشير إلى ذلك. الجميع يتوقع انتقاماً خاصاً من درعا البلد، ستقوم به قوات الأسد وميليشيات إيران. العمل جار من قبل النظام وإيران على تهجير أهل درعا البلد. حيث اقتلاع أكثر من خمسين ألف مدني من بيوتهم، لا يشكل ولو هاجساً بسيطاً لأي طرف دولي أو إقليمي. من جهة أخرى بات من الواضح أن لا مانع استراتيجي لأمريكا من سيطرة إيران على مساحة سيادية من سوريا. والأمر كذلك بالنسبة لروسيا وتركيا.

وكما أسلفت، إسرائيل أيضاً لا تمانع ذلك، وكل محاولاتها هي من أجل مزيد من احتواء هذا الوجود لا أكثر ولا أقل. لأن إيران جزءاً مركزياً من خراب أي دولة تدخل لها. المفارقة أن كل الدول العربية لا تعارض الاحتلال الإيراني في سوريا. لكل سببه. لكن الجامع المانع في هذه الأسباب هو الموقف الأمريكي. حتى الروس يطرح موقفهم سؤالاً: لماذا تسمح روسيا بهذا الاحتلال الإيراني في سوريا التي تحاول جعلها محمية أسدية روسية؟ أيضاً لأن روسيا محاصرة، أمريكياً وإسرائيلياً، في عدم تعرضها للدور الإيراني، هذا إذا افترضنا أن بوتين يريد إخراج إيران من سوريا.

انطلاقاً من هذه المقدمة، درعا البلد جزيرة يسهل إسقاطها عسكرياً، ما لم يتغير الموقف الدولي. هذا الأمر غير وارد في ظلّ إدارة بايدن. أهل درعا البلد أنتم لوحدكم. هذا ما حاولت إيصاله بموقفي. هذا لا يعني أبدا أنني لا أدعم أي قرار تتخذونه أنتم. من يعتقد أن الاحتلال الدولي لسوريا يمكن أن يحمي أهلها من أية تسوية عارضة تقتضي تهجير هذه المنطقة أو تلك يكون واهماً. من الأمور التي طرحتها أيضا آنذاك إيجاد تسوية ما مع الروس.

الملفت أنه في المفاوضات الجارية خلال اليومين الأخيرين، وفي ظل قصف أسدي، أن الروس لم يعودوا متواجدين في هذه المفاوضات. كما أنه بدأت عائلات بالنزوح إلى السهول خوفاً من القصف. لو استمر النظام بالقصف من بعيد هذا سيدمر المنطقة برمتها. وليس مضطراً لاجتياحها برياً. منطقة محاصرة ومقطوع عنها الإمدادات، لا يوجد فيها أسلحة للرد. فما هو الحل؟ لا شيء مستعجل في التوقيت الأمريكي للملف السوري. حيث دمرت البلد وتركت لقوى الأمر الواقع المسلحة والاحتلالات، لا شيء يدعو للعجلة.

تدمير، قتل، اقتلاع، كله مباح على أرض سوريا، بأدوات أسدية وغير أسدية. درعا لن تكون استثناء. اللوحة قاتمة وسوداء. والإجابة عن سؤال ما العمل؟ متروك لأهلنا في درعا البلد يا بلد. الأسديون لا كهرباء ولا رغيف خبز ومستعدون لقتل أهل درعا وتشريدهم.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح ليفانت 

الكتابة عن درعا في ظل لوحة معقدة، حيث أطرافها لا حصر لهم. بعيداً عن خطاب درعا مهد الثورة، ودرعا عنوان للصمود بوجه الطاغية الأسدي. في اجتماع عقد قبل فترة شهر تقريباً عن درعا، كان لي موقف لم يعجب كثر من مناضلي الثورة.

حاولت فيه التركيز على أننا لا يمكن عزل درعا عن محيطها المهزوم. أتحدّث عن بلد اسمه سوريا جرى احتلاله لمنع انتصار ثورته، وتمت هزيمتها دولياً وعربياً وأسدياً.

أيضاً تحدثت فيه عن موقف الأردن، بأن الأردن لم يعد وارداً في الحساب عندما نريد الحديث عن درعا وعن دعمها، عن رفع الحصار عنها. هنالك موقف دولي حول درعا كجزء من الموقف عن سوريا. فما أدلى به الملك عبد الله لـ (سي أن أن) حول وجوب التعامل مع النظام بوصفه أمراً واقعاً، لا يخرج عن هذا السياق الدولي. حيث تنازل الأردن في هذا اللقاء الذي جاء بعد لقاء العاهل الأردني بالرئيس بايدن، تنازل عن مطلبه في إبعاد الميليشيات الإيرانية عن حدوده لمسافة بين 30 و50 كم. درعا البلد تبعد عن حدود الأردن أقل من 5 كم.

الملفت أيضاً أنه قبل سفر العاهل الأردني لواشنطن، تم الإعلان عن الوجود الإيراني حول درعا البلد. كما أن الروس أنفسهم أعلنوا في سياق تهديدهم لأهل درعا البلد بأنهم سيسمحون للميليشيات الإيرانية باقتحامها، ما لم يستجب أهل درعا لمطالب الروس والأسد. من جهة أخرى حتى إسرائيل لا تجد مانعاً من وجود ميليشيات إيرانية في كل الجنوب السوري.

سواء صمدت درعا البلد أو تم اجتياحها عسكرياً، لا يغير من حقيقة أن الموقف الدولي والإقليمي والأردني لم يعد يريد أية بؤرة تعبر عن استمرار الثورة السورية أو تشير إلى ذلك. الجميع يتوقع انتقاماً خاصاً من درعا البلد، ستقوم به قوات الأسد وميليشيات إيران. العمل جار من قبل النظام وإيران على تهجير أهل درعا البلد. حيث اقتلاع أكثر من خمسين ألف مدني من بيوتهم، لا يشكل ولو هاجساً بسيطاً لأي طرف دولي أو إقليمي. من جهة أخرى بات من الواضح أن لا مانع استراتيجي لأمريكا من سيطرة إيران على مساحة سيادية من سوريا. والأمر كذلك بالنسبة لروسيا وتركيا.

وكما أسلفت، إسرائيل أيضاً لا تمانع ذلك، وكل محاولاتها هي من أجل مزيد من احتواء هذا الوجود لا أكثر ولا أقل. لأن إيران جزءاً مركزياً من خراب أي دولة تدخل لها. المفارقة أن كل الدول العربية لا تعارض الاحتلال الإيراني في سوريا. لكل سببه. لكن الجامع المانع في هذه الأسباب هو الموقف الأمريكي. حتى الروس يطرح موقفهم سؤالاً: لماذا تسمح روسيا بهذا الاحتلال الإيراني في سوريا التي تحاول جعلها محمية أسدية روسية؟ أيضاً لأن روسيا محاصرة، أمريكياً وإسرائيلياً، في عدم تعرضها للدور الإيراني، هذا إذا افترضنا أن بوتين يريد إخراج إيران من سوريا.

انطلاقاً من هذه المقدمة، درعا البلد جزيرة يسهل إسقاطها عسكرياً، ما لم يتغير الموقف الدولي. هذا الأمر غير وارد في ظلّ إدارة بايدن. أهل درعا البلد أنتم لوحدكم. هذا ما حاولت إيصاله بموقفي. هذا لا يعني أبدا أنني لا أدعم أي قرار تتخذونه أنتم. من يعتقد أن الاحتلال الدولي لسوريا يمكن أن يحمي أهلها من أية تسوية عارضة تقتضي تهجير هذه المنطقة أو تلك يكون واهماً. من الأمور التي طرحتها أيضا آنذاك إيجاد تسوية ما مع الروس.

الملفت أنه في المفاوضات الجارية خلال اليومين الأخيرين، وفي ظل قصف أسدي، أن الروس لم يعودوا متواجدين في هذه المفاوضات. كما أنه بدأت عائلات بالنزوح إلى السهول خوفاً من القصف. لو استمر النظام بالقصف من بعيد هذا سيدمر المنطقة برمتها. وليس مضطراً لاجتياحها برياً. منطقة محاصرة ومقطوع عنها الإمدادات، لا يوجد فيها أسلحة للرد. فما هو الحل؟ لا شيء مستعجل في التوقيت الأمريكي للملف السوري. حيث دمرت البلد وتركت لقوى الأمر الواقع المسلحة والاحتلالات، لا شيء يدعو للعجلة.

تدمير، قتل، اقتلاع، كله مباح على أرض سوريا، بأدوات أسدية وغير أسدية. درعا لن تكون استثناء. اللوحة قاتمة وسوداء. والإجابة عن سؤال ما العمل؟ متروك لأهلنا في درعا البلد يا بلد. الأسديون لا كهرباء ولا رغيف خبز ومستعدون لقتل أهل درعا وتشريدهم.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit