تونس وسيناريوهات سحب الثقة من راشد الغنوشي

تونس
تونس

عملية جمع الأصوات الـ109 أمر غير ممكن في الوقت الحالي ومرحلة ما بعد سحب الثقة إذا تمت ستتسم بالضبابية وعدم اليقين السياسي

يعكس توالي المحاولات لسحب الثقة من راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة “الذراع السياسية للإخوان المسلمين” تنامي الغضب في وجه التنظيم الذي سعى مؤخراً للهيمنة على السلطة بفرض تعديل حكومي والتقليل من سلطة رئيس البلاد، ومؤخراً شهد البرلمان التونسي تحركاً جديداً في هذا السياق، حيث قارب عدد أصوات النواب الموقعة على عريضة سحب الثقة النصاب المطلوب لكنه لم يصل إليه بعد، وقد يكون من الصعب في الوقت الحالي إكمال النصاب، وسط انقسام سياسي حادٍ تشهده تونس، ناهيكَ عن مستقبل ضبابي مع انعدام الروؤية حول البدائل، في ظل خلافات بين الكتل نفسها التي تطرح عملية سحب الثقة.

مؤخراً، شهد البرلمان تحركاً جديدًا لسحب الثقة من الغنوشي، إذ شرعت 3 كتل نيابية وازنة في تونس، وهي (الكتلة الديمقراطية وكتلة الإصلاح وكتلة تحيا تونس)، الاثنين/ 12 يوليو من العام الحالي، في تفعيل لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، لعزله من منصبه، بسبب انحرافه بالمؤسسة التشريعية وفشله في تسييرها وتحويلها إلى ساحة عنف بالتواطؤ مع مرتكبيه، بلغ عدد النواب الموقعين على سحب الثقة حتى الآن 106 توقيعاً وفقاً لعضو كتلة الإصلاح، نسرين العماري.

اقرأ أيضاً: كورونا يتفشى في تونس.. والغنوشي ينضم لقوائم المصابين

سحب الثقة أمر غير ممكن حالياً 

تتطلب عملية سحب الثقة موافقة الأغلبية المطلقة من نواب البرلمان الـ(109)، وذلك بناء على طلب كتابي معلّل يقدم إلى مكتب البرلمان من ثلث الأعضاء على الأقل (73 توقيعاً)، ويعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت بسحب الثقة من عدمه، في أجل لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط.

أمر يبدو غير ممكن في الوقت الحالي، بحسب تصريح لـ”مصطفى بن أحمد”، رئيس كتلة تحيا تونس، لـ”ليفانت نيوز”،  مرجعاً السبب “لتشبث ” قلب تونس “بعدم تغيير موقفهم”.

مصطفى بن أحمد رئيس

وأوضح مصطفى، أنّ “أقصى ما يمكن فعله هو التعبئة خارج الحلف الثلاثي، قلب تونس والائتلاف والنهضة، والعدد 106، وهو أقصى ما يمكن الوصول إليه”، لافتاً إلى أنه “مازال من الصعب أن نبلغ عملية سحب الثقة دون تغيير في قلب تونس أو لربما في موقف بعض المستقلين القريبين من حركة النهضة”.

اعتبر “رئيس كتلة تحيا تونس” أنّ التركيز فقط على تجميع الإمضاءات لسحب الثقة دون التفكير في البدائل ما بين الأسباب التي عطلت نوعاً ما الوصول للنصاب، لافتاً إلى أنه ” ما زال هناك عدم وضوح فيما يخص البدائل، لأن الروابط هشة بين الأطراف التي تحاول سحب الثقة، وهذا أيضاً يشكّل عائقاً أمام المضي قدماً في هذا الملف”.

مرحلة ما بعد الثقة ستكون ضبابية 

في حال تم التوافق وجمعت الأصوات الـ109 المطلوبة، ستواجه مرحلة من عدم اليقين السياسي، وستدخل في نفق جديد من عدم التوافق وضبابية الروؤية. ويشرح مصطفى: “إذا تمّ جمع الاصوات الـ109  سيكون هناك سحب للثقة، لكن سوف تطرح انتخابات جديدة، والانتخابات الجديدة سوف تطرح صعوبة في إيجاد توافق ما بين الأطراف التي تسحب الثقة من الغنوشي، الأمر الذي يعني وجوب اتفاق الأطراف مسبقاً على البديل للغنوشي، وهي إحدى الصعوبات التي تواجهها الأطراف.

وتابع : “تتمثل الصعوبة الأخرى، في أن طرح الثقة جاء خارج سياق الاتفاق على برنامج سياسي مرحلي، ولا متوسط المدى، لأنّ الرؤية غير واضحة بسبب العلاقات العدائية بين الأطراف التي تعارض الغنوشي، ما بين الدستوري الحر، وما بين الكتلة الديمقراطية”، موضحاً بأنّ “المشكلة تتمحور بأن سحب الثقة يجب أن يندرج ضمن خلق واقع سياسي جديد، خلق ميزان قوى جديد، خلق روؤية جديدة للعمل البرلماني”.

البرلمان التونسي

وطالب “مصطفى” في تصريحه لـ”ليفانت نيوز” الأطراف بأنّ تعمّق النقاش بينها، وأن تطرح على نفسها مسائل مشتركة لكي تتخطى هذه العقبة التي ستسهل “ربما” إقناع ” قلب تونس” أو جزء من “قلب تونس” بالتوقيع على عريضة سحب الثقة.

وحول سيطرة “الإخوان” على البرلمان قال “مصطفى”: “إنّ حركة النهضة وحلفاءها استطاعت بالفعل، السيطرة المطلقة، على المجلس، استفادوا من العامل الموضوعي، وهو عامل الإجراءات الاستثنائية التي اشتغل بها المجلس نظراً لوباء كورونا”.

سيطرة مطلقة للإخوان على البرلمان

وأضاف “رئيس كتلة تحيا تونس” بأنّ “حركة النهضة استفادت أيضاً من المواجهة المفتوحة مع “الدستوري الحر”، حيث إنّ هناك مواجهة يومية حادة، حوّلوا من خلالها سلطات الجلسة العامة التي هي سيدة القرار في الظروف العادية في الدستور، إلى أغلبيتهم البسيطة بمكتب المجلس”، موضحاً بأنّ “هنالك مكتب يدير المجلس مؤلف ١٣ عضواً، بينقسم بين سبعة أعضاء للنهضة وحلفهائها، وستة ضدها.

وأصبحت قرارات المجلس تصدر بهذه الأغلبية البسيطة، وفق مصطفى، وتابع قائلاً: ” وبالتالي همشت بقية النواب، وهمشت البرلمان، ومعنى ذلك أنّ هناك توظيفاً حزبياً وفئوياً واضحاً، ومعناها مطلوب من الأطراف المتحالفة ضد النهضة ان تفكر ملياً في هذا الموضوع، لأن النهضة وحلفائها مستفيدة كثيراً من هشاشة العلاقة بين هذه الأطراف، ونوع من الضعف السياسي والتنظيمي لهذه لأطراف، عليها أن تفكر مليا بهذا الموضوع لأنه من غير المعقول تقريباً نصف المجلس مهمش وأصبح لا تأثير له.

وسبق وأن واجه الغنوشي خطر الإبعاد من منصبه، في يوليو الماضي، عندما تقدمت 4 كتل نيابية بلائحة لسحب الثقة منه، أسقطها البرلمان في جلسة عامة، بعد تصويت 97 عضواً بـ”نعم” بينما عارض اللائحة 16 نائباً، فيما اعتبرت 18 ورقة ملغاة، إذ يعود الفضل في بقاء الغنوشي على رأس البرلمان، آنذاك، إلى حليفه حزب “قلب تونس”.

عبير موسي تتعرض للضرب في البرلمان

الكتل التي تحركت مجدداً لسحب الثقة من الغنوشي قاطعت، قبل أسبوعين تقريباً، مكتب المجلس واللجان، اعتراضاً على تقاعس الغنوشي عن ملاحقة مرتكبي الاعتداء الجسدي بحق النائبة ورئيسة  الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، بجانب عدم تجاوبه مع طلبات تغيير جدول أعمال الجلسات العامة للبرلمان، خاصة فيما يرتبط بالوضع الصحي بالبلاد.

يشار إلى أنّ “موسى” تتعرض لسلسة ممنهجة من الاعتداءات من قبل نواب حركة النهضة وحلفائها داخل البرلمان، وقد تعرضت إلى الاعتداء بالضرب من النائب صحبي سمارة المنتمي سابقاً لائتلاف الكرامة، الجناح العنيف لحركة النهضة، تلاه اعتداء آخر من رئيس كتلة الائتلاف، سيف الدين مخلوف، المعروف بمعاداته للإعلام وارتباطه بشبهات دعم الإرهابيين في تونس.

وارتفعت الأصوات، في الآونة الأخيرة، داخل البرلمان، محذّرة من تداعيات استمرار بقاء الغنوشي في منصبه على الأداء البرلماني وعلى مستقبل الاستقرار السياسي في البلاد، واتسغت المطالب بابتعاده من المشهد السياسي، لتعبيد الطريق أمام الحل السياسي في البلاد.

ليفانت_ خاص

إعداد وتحرير: عبير صارم