تصانيف العبور في معبر “سيمالكا”

ريدي مشو

لا يستوي المقيمون على هذه الرقعة الأرضية وتلك. إنها حقيقة تلقي بظلالها على شؤون الحياة وأحوالها، وتتدخل في ترتيب وتصنيف وتكييف آرائنا وانتماءاتنا، ولعل عبور معبر سيمالكا (فيشخابور) يمنحنا فرصة لمعرفة المزيد حول انقطاعات المكان والزّمان في العقل الجمعي الحزبي والشّعبي عموماً لدى الكرد، ولا حاجة بي للخوض في الأبعاد الميتافيزيقية ذات العلاقة بانقطاعات المكان والزمان، حيث تكون رقعة أرضية ما أكثر قدسية من أخرى، وزمان ما أقدس من غيره (وهذا جنون لا شأن لنا به).

لطالما صُنّف البشر على أساس الرقعة الأرضية التي يعيشون عليها، ولعب ذلك دوراً مهماً في فهمنا للآخر، مثلاً كان المسلمون الأوائل من الأمم الأعجمية يقبّلون أثواب وأيادي أهل شبه الجزيرة العربية، وإن كانوا من أهل قريش ما كان ليحوجهم حاجة أينما حلّوا. مثل هذا التصنيف لا يعني عامة الناس وحدهم، فها هو الشّافعي يجادل في أن أهل قريش خيرُ البشر جميعاً، وهم أولى في حكم الولايات الإسلامية في أفريقيا كانت أو في غيرها من البقاع (ذلك موضوع شائك، ذكرناه على سبيل المثال وليس الجدال). وفي الحالة السّورية كان يكفي للعسكري القائم على حاجز ما، أن يعرف أن فلاناً من أهالي المدينة الفلانية ليحكم عليه ويعامله معاملة مختلفة من حيث الحسن والسّوء، والسّوريون يتذكرون ويعرفون معنى أن يكون أحدهم من القرداحة أو من حيّ المالكي، ولو كان خادماً يعمل في منزل أحدهم، لا يهم، يكفي أن يسكن في زاوية المدينة تلك، ليعامل معاملة مختلفة، والأمثلة تكثر بهذا الخصوص، وهي ليست محلّ جدال هنا، فموضوعنا يدور حول زوّار وعابري معبر سيمالكا.

في معبرنا الكردي اليتيم، يعامل حاملو الإقامات الأجنبية والجوازات الغربية معاملة أهل قريش وشبه الجزيرة العربية (كما في الزّمن الغابر)، إذ يحقّ لهم العبور من هذه الضفة لتلك بسهولة، ولو غيّر أحدهم رأيه سيعود مجدداً في اليوم ذاته دون أن يوقفه أحد. لماذا؟ لأنه يحمل إقامة أو جواز سفر مرموق من دولة عريقة، وهو قادم من أرض ذات قيمة وجلال، مقارنة بأرضنا التعيسة ومواطنيها التعساء (الأعاجم) الذين ما يزالون يحملون جواز السفر السّوري أو فقط الهوية الشخصية أو ما ينوب عنها من أوراق بليت من كثرة الأختام عليها وكثرة إخراجها من الجيوب على الحواجز والدوائر الحكومية.

أما طائفة الكرد الأعاجم فينبغي عليهم إنجاز خطوات وإجراءات متنوعة تتضمن التوسّلات والوساطات المدنية والعسكرية، والتوسل لدى أناس ليسوا إلا متسوّلين بدورهم بهذه الطريقة أو تلك. عليهم أن يقوموا بكل هذا، كي يحجزوا لأنفسهم مقعداً على باص سيسير فوق جسر أقل ما يقال فيه أنه رهيب.

لا حاجة بنا إلى الغوص عميقاً في تحليل هذه الظّاهرة لنعرف أنّها مجحفة ومخزية لحد كبير تحت إشراف الإدارات الكردية الناشئة على الطرفين.

أقلّ ما يمكن فهمه من هذا السّلوك التمييزي (وهو معقد ومركب بلا شك)، هو أنّهم يبعثون برسالة لمن ما يزالون يعيشون على هذه الأرض؛ سافروا وهاجروا، لترجعوا لاحقاً كزوّار حاملين لإقامات أوروبية، فحينها يُعلا من شأنكم وتزداد أمامكم الفرص والحظوظ في الانتقال من هذه الضفّة لتلك، أو من مدينة الحزب الفلاني إلى مدينة الحزب العلاني دون قيود وشروط، ستصيرون في منزلة تفوق منزلة من ما يزالون يتنفسون هنا.

على هذا المعبر الكردي اليتيم، وقعت لي حادثة لابد من ذكرها في هذا الموضع، وأرجو أن تتبين بها لكم مزيداً من الأبعاد النفسية الكامنة وراء هذا التعامل التمييزي في المعبر، أو لعلّها تأخذ بالقارئ أبعد في فهم عقل الكردي.

حدث أن كنت ضيفاً على المعبر بينما أعمل لدى منظمة مدنية دولية بصفة مدير المشاريع الإقليمية. أنجزت أوراق عبوري لدى مكتب شؤون المنظمات في الضفة الجنوبية (إقليم كوردستان) من المعب، وكان التعامل مميزاً ومرموقاً لحد كبير، صعدت إلى المركب الحديدي الصدئ مع عدد من الأجانب العاملين بدورهم مع المنظمات الدولية، واستقبلت بحفاوة لدى الضفة الشّمالية (روزآفا) كذلك. حين العودة إلى الضفة الجنوبية، استوقفت من قبل كابتن القارب الحديدي الصدئ، إذ شكّ في كوني مدير مشاريع منظمة دولية، فكيف يمكن لي أن أكون كذلك وأنا كردي؟!. حدث الأمر كالتالي، كنت بصحبة عدد من الصحفيين والعاملين الأجانب في المنظمات الدولية العاملة في شمال شرق سوريا، وكنا بانتظار القارب الحديدي الرّهيب. وصل القارب أخيراً بعد تأخير دام نصف ساعة تقريباً، إذ استأثروا على أن يقلّونا في قارب خاص، أي أن لا يصاحبنا أي مواطن لا يعمل لدى المنظمات. استقبلنا الكابتن بابتسامة، ونلت ابتسامة مضاعفة بسبب كلبتي (اسمها كراميل) التي كنت أحملها في حضني، بينما أقتربُ من القارب. ناوله الآخرون جوازات سفرهم، وناولته جواز السّفر مع هوية المنظمة، فأصابته دهشة ممزوجة بالريّبة، نظر إلى جواز سفري (السّوري) وإلى هوية المنظمة، ونال منه الشّك، فاستوقف قدمي التي حطّت فوق حديد القارب، وطلب منّي الانتظار لحين قطع الشّك باليقين، إذ كان عليه مراجعة مكتب شؤون المنظمات كي يتأكد من أنني، بالرغم من كوني كردي، أعمل كمدير للمشاريع لدى منظمة دولية، ولست منتحلاً لصفة مدير. طال الانتظار، وعاد الكابتن، فطلب منّي الصعود إلى المركب مع بقية المواطنين، دون أن يبدر منه أيّ اعتذار، فظنّنت أنه لم يقتنع بما قيل له في مكتب شؤون المنظمات، وما زال يعتقد بأنني مجرد كردي لا يحمل أيّ صفة أخرى.

ما يحدث على المعبر، لهو وثيقة تاريخية في رقبة القائمين على المعبر والمشرّعين لمعايير وشروط العبور من هذه الضفة لتلك، وتعدّ ورقة نفسية تحليلية عامة في فهم العقلية الكردية، ويمكن منها الاستدلال إلى واقع الكرد ومستقبلهم بقيادة الإدارات الكردية المتضاربة في أقولها وأفعالها، وتتضارب شعاراتها البرّاقة ومصالحها، فتغلب المصالح في النهاية، أمّا الشعارات فهي من نصيب التعساء من الكرد الذين يصيرون يوماً بعد آخر إلى أعاجم في قواميس القائمين على تصانيف الروح الكردية.

 

ليفانت – ريدي مشو

لا يستوي المقيمون على هذه الرقعة الأرضية وتلك. إنها حقيقة تلقي بظلالها على شؤون الحياة وأحوالها، وتتدخل في ترتيب وتصنيف وتكييف آرائنا وانتماءاتنا، ولعل عبور معبر سيمالكا (فيشخابور) يمنحنا فرصة لمعرفة المزيد حول انقطاعات المكان والزّمان في العقل الجمعي الحزبي والشّعبي عموماً لدى الكرد، ولا حاجة بي للخوض في الأبعاد الميتافيزيقية ذات العلاقة بانقطاعات المكان والزمان، حيث تكون رقعة أرضية ما أكثر قدسية من أخرى، وزمان ما أقدس من غيره (وهذا جنون لا شأن لنا به).

لطالما صُنّف البشر على أساس الرقعة الأرضية التي يعيشون عليها، ولعب ذلك دوراً مهماً في فهمنا للآخر، مثلاً كان المسلمون الأوائل من الأمم الأعجمية يقبّلون أثواب وأيادي أهل شبه الجزيرة العربية، وإن كانوا من أهل قريش ما كان ليحوجهم حاجة أينما حلّوا. مثل هذا التصنيف لا يعني عامة الناس وحدهم، فها هو الشّافعي يجادل في أن أهل قريش خيرُ البشر جميعاً، وهم أولى في حكم الولايات الإسلامية في أفريقيا كانت أو في غيرها من البقاع (ذلك موضوع شائك، ذكرناه على سبيل المثال وليس الجدال). وفي الحالة السّورية كان يكفي للعسكري القائم على حاجز ما، أن يعرف أن فلاناً من أهالي المدينة الفلانية ليحكم عليه ويعامله معاملة مختلفة من حيث الحسن والسّوء، والسّوريون يتذكرون ويعرفون معنى أن يكون أحدهم من القرداحة أو من حيّ المالكي، ولو كان خادماً يعمل في منزل أحدهم، لا يهم، يكفي أن يسكن في زاوية المدينة تلك، ليعامل معاملة مختلفة، والأمثلة تكثر بهذا الخصوص، وهي ليست محلّ جدال هنا، فموضوعنا يدور حول زوّار وعابري معبر سيمالكا.

في معبرنا الكردي اليتيم، يعامل حاملو الإقامات الأجنبية والجوازات الغربية معاملة أهل قريش وشبه الجزيرة العربية (كما في الزّمن الغابر)، إذ يحقّ لهم العبور من هذه الضفة لتلك بسهولة، ولو غيّر أحدهم رأيه سيعود مجدداً في اليوم ذاته دون أن يوقفه أحد. لماذا؟ لأنه يحمل إقامة أو جواز سفر مرموق من دولة عريقة، وهو قادم من أرض ذات قيمة وجلال، مقارنة بأرضنا التعيسة ومواطنيها التعساء (الأعاجم) الذين ما يزالون يحملون جواز السفر السّوري أو فقط الهوية الشخصية أو ما ينوب عنها من أوراق بليت من كثرة الأختام عليها وكثرة إخراجها من الجيوب على الحواجز والدوائر الحكومية.

أما طائفة الكرد الأعاجم فينبغي عليهم إنجاز خطوات وإجراءات متنوعة تتضمن التوسّلات والوساطات المدنية والعسكرية، والتوسل لدى أناس ليسوا إلا متسوّلين بدورهم بهذه الطريقة أو تلك. عليهم أن يقوموا بكل هذا، كي يحجزوا لأنفسهم مقعداً على باص سيسير فوق جسر أقل ما يقال فيه أنه رهيب.

لا حاجة بنا إلى الغوص عميقاً في تحليل هذه الظّاهرة لنعرف أنّها مجحفة ومخزية لحد كبير تحت إشراف الإدارات الكردية الناشئة على الطرفين.

أقلّ ما يمكن فهمه من هذا السّلوك التمييزي (وهو معقد ومركب بلا شك)، هو أنّهم يبعثون برسالة لمن ما يزالون يعيشون على هذه الأرض؛ سافروا وهاجروا، لترجعوا لاحقاً كزوّار حاملين لإقامات أوروبية، فحينها يُعلا من شأنكم وتزداد أمامكم الفرص والحظوظ في الانتقال من هذه الضفّة لتلك، أو من مدينة الحزب الفلاني إلى مدينة الحزب العلاني دون قيود وشروط، ستصيرون في منزلة تفوق منزلة من ما يزالون يتنفسون هنا.

على هذا المعبر الكردي اليتيم، وقعت لي حادثة لابد من ذكرها في هذا الموضع، وأرجو أن تتبين بها لكم مزيداً من الأبعاد النفسية الكامنة وراء هذا التعامل التمييزي في المعبر، أو لعلّها تأخذ بالقارئ أبعد في فهم عقل الكردي.

حدث أن كنت ضيفاً على المعبر بينما أعمل لدى منظمة مدنية دولية بصفة مدير المشاريع الإقليمية. أنجزت أوراق عبوري لدى مكتب شؤون المنظمات في الضفة الجنوبية (إقليم كوردستان) من المعب، وكان التعامل مميزاً ومرموقاً لحد كبير، صعدت إلى المركب الحديدي الصدئ مع عدد من الأجانب العاملين بدورهم مع المنظمات الدولية، واستقبلت بحفاوة لدى الضفة الشّمالية (روزآفا) كذلك. حين العودة إلى الضفة الجنوبية، استوقفت من قبل كابتن القارب الحديدي الصدئ، إذ شكّ في كوني مدير مشاريع منظمة دولية، فكيف يمكن لي أن أكون كذلك وأنا كردي؟!. حدث الأمر كالتالي، كنت بصحبة عدد من الصحفيين والعاملين الأجانب في المنظمات الدولية العاملة في شمال شرق سوريا، وكنا بانتظار القارب الحديدي الرّهيب. وصل القارب أخيراً بعد تأخير دام نصف ساعة تقريباً، إذ استأثروا على أن يقلّونا في قارب خاص، أي أن لا يصاحبنا أي مواطن لا يعمل لدى المنظمات. استقبلنا الكابتن بابتسامة، ونلت ابتسامة مضاعفة بسبب كلبتي (اسمها كراميل) التي كنت أحملها في حضني، بينما أقتربُ من القارب. ناوله الآخرون جوازات سفرهم، وناولته جواز السّفر مع هوية المنظمة، فأصابته دهشة ممزوجة بالريّبة، نظر إلى جواز سفري (السّوري) وإلى هوية المنظمة، ونال منه الشّك، فاستوقف قدمي التي حطّت فوق حديد القارب، وطلب منّي الانتظار لحين قطع الشّك باليقين، إذ كان عليه مراجعة مكتب شؤون المنظمات كي يتأكد من أنني، بالرغم من كوني كردي، أعمل كمدير للمشاريع لدى منظمة دولية، ولست منتحلاً لصفة مدير. طال الانتظار، وعاد الكابتن، فطلب منّي الصعود إلى المركب مع بقية المواطنين، دون أن يبدر منه أيّ اعتذار، فظنّنت أنه لم يقتنع بما قيل له في مكتب شؤون المنظمات، وما زال يعتقد بأنني مجرد كردي لا يحمل أيّ صفة أخرى.

ما يحدث على المعبر، لهو وثيقة تاريخية في رقبة القائمين على المعبر والمشرّعين لمعايير وشروط العبور من هذه الضفة لتلك، وتعدّ ورقة نفسية تحليلية عامة في فهم العقلية الكردية، ويمكن منها الاستدلال إلى واقع الكرد ومستقبلهم بقيادة الإدارات الكردية المتضاربة في أقولها وأفعالها، وتتضارب شعاراتها البرّاقة ومصالحها، فتغلب المصالح في النهاية، أمّا الشعارات فهي من نصيب التعساء من الكرد الذين يصيرون يوماً بعد آخر إلى أعاجم في قواميس القائمين على تصانيف الروح الكردية.

 

ليفانت – ريدي مشو

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit