تحليل للأزمة السياسية في تونس

كمال اللبواني
كمال اللبواني

استفاق الشعب التونسي على خبر مزعج هو تجميد البرلمان وعزل الوزراء، وسمع خطاباً للرئيس يحذّر فيه من الوضع المزري الذي وصلت إليه الأمور، وفي توصيفه كأكاديمي، لم يلتقط الرئيس العوامل البنيوية التي تشكلت عليها الأزمة، بل اكتفى بالتوصيف من دون آليات للحل، ووضع الكرة خارج الملعب، مما أصاب بالهلع معظم طبقات الشعب التي صارت فعلا تتخوّف من الانهيار للحرب الأهلية. تحليل 

دولة تونس عاشت فترة طويلة كدولة سلطانية قديمة تابعة لإمبراطورية أوسع، المجتمع ينظم نفسه بعيداً عن هذه الدولة بطرقه التقليدية البطريركية والقبلية ويحكم نفسه بالعرف، بينما الدولة مجرد غطاء خارجي لا تتدخل في حياة المجتمع ونشاطاته وسلوك أفراده، حتى دخلت جيوش الاحتلال الفرنسي وفرضت عملية تحديث للدولة لتجعلها متحكمة بمعظم تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكل فرد، وهي بالرغم من كونها دولة حديثة الشكل، إلا أنها مصممة لخدمة مصالح المستعمر، وليس الشعب والمجتمع، أي هي دولة المحتل وأداته، فالحداثة السياسية جاءت لدول العالم التابع كعدو من الخارج وأداة قهر واستعباد، وعندما خرج الاستعمار تسلمت سلطات (وطنية) هذه الدولة، أي لذات الماكينة الاستعمارية، وتابعت استخدمتها كأداة تسلط واستعباد لصالحها، وهكذا بقيت الدولة كسجن وقفص، وأداة قهر ونهب، ولم يتطور مفهوم الدولة الوطنية، ولم تترسخ ثقافة المؤسسات، وبقيت الحرية تعني الخلاص من السلطة والدولة، وليس من خلالها.

كان المجتمع التقليدي قد تفكك بفعل التحديث المشوه والانزياحات الكبيرة للسكان بعوامل اقتصادية وسياسية، وتحطمت بناه القديمة من دون فرصة لتكوين مجتمع مدني بديل وأرقى، بل لصالح العشوائية التي حرمت المواطن من أي حضن يحميه من ضغط الاقتصاد المتخلف، وعسف وعنف الدولة المستبدة، وغطرسة أجهزتها القمعية، ولم يكن أمامه من طريق لتحسين وضعه كمضطهد إلا بالعمل مع السلطة وجندي في مؤسساتها التعسفية، ليخدم طابعها الاضطهادي، وهذا ما أمد هذه السلطات بالقوة والمنعة لتعيش فترة طويلة جداً، حتى انفجرت ثورة الربيع لتدمرها كدولة سجن، لكن في غياب المجتمع المدني وثقافة الدولة والديموقراطية، السجن والسجان وحد الشعب ضده، لكن بعد سقوطه، انتشرت الفوضى التي صارت نتيجة الحرية، وتطورت العصابات التي هي من فلول النظام السابق، وأعادت بناء نفسها وتنظيمها كدول ومزارع ومراكز قوى داخل الدولة تستطيع بسهولة الإفلات من القانون الهش والضعيف، واستخدمت كل أنواع الفساد والترهيب لتعطل سلطة القانون، التي بقيت بذهن الشعب سلطة قهر، وطورت نفسها وحصلت معظم دخلها من سلوك أسود خارج القانون وعلى حساب خزينة الدولة وجيب المواطن المنتج.

ما أعلنه الرئيس التونسي هو خراب الدولة وفشل الشعب في احترام أو بناء المؤسسات السياسية التي تجعل من اجتماعه دولة بالمعنى الحديث للدولة، كدولة تنظم حياة البشر وترعى مصالحهم وتربطهم بها مباشرة (دولة المواطن، دولة الحق والواجب، وسيادة القانون)، لكنه افتقد للكرة التي يجب أن يلعبها الشعب معه، فهو وحيد لا يملك أدوات الإصلاح، والوثائق لا تكفي من دون قناعة بها وقوى تريد تنفيذها وقادرة على ذلك، لذلك فإن المخرج الوحيد لتجنب مسار التقهقر نحو الحرب الأهلية والصراع المرير الذي يسود العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الذي وصفه الرئيس بدقة، وتجنب اندلاع الصراع العنيف بين العصابات والحتمي في آخر هكذا مسار، يجب البدء فوراً بحشد قوى شعبية وراء سلطة قضائية نزيهة، وبناء سلطة قانونية أمنية تنفيذية مدعومة ومحروسة أيضاً من الشعب، تنفذ تعليمات القضاء، وعندما تتوفر هذه الأداة بالتعاون بين الرئيس والشعب، يجب استخدامها لقطع رؤوس العصابات ومراكز القوى ومحاكمتهم وإبعادهم عن الحياة السياسية التي صارت عملياً تحت رحمتهم.

المفروض بالرئيس الإسراع في تفعيل القضاء وتوجيه ضربات نوعية لرموز الفوضى والفساد تستلهم حماس الشعب الذي يجب أن يتمكن من حراسة مسار الإصلاح، ويكون قادراً على لجم أي تحرك للعصابات ومراكز القوى، وإلا سوف يعزل الرئيس ويظهر كآخر صيحة للإنقاذ صدرت قبل دخول تونس في متاهة الصراع الوحشي العنيف، الذي لا بد في النهاية سيولد القناعة بضرورة قيام الدولة وسيادة القانون لحفظ السلم الاجتماعي، فالبديل عن العمل الذاتي النوعي الواعي، هو الوصول لذات النتيجة، لكن عبر التخبط والتجريب الذي قد يطول ويكون ثمنه باهظاً عادة.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني ليفانت 

استفاق الشعب التونسي على خبر مزعج هو تجميد البرلمان وعزل الوزراء، وسمع خطاباً للرئيس يحذّر فيه من الوضع المزري الذي وصلت إليه الأمور، وفي توصيفه كأكاديمي، لم يلتقط الرئيس العوامل البنيوية التي تشكلت عليها الأزمة، بل اكتفى بالتوصيف من دون آليات للحل، ووضع الكرة خارج الملعب، مما أصاب بالهلع معظم طبقات الشعب التي صارت فعلا تتخوّف من الانهيار للحرب الأهلية. تحليل 

دولة تونس عاشت فترة طويلة كدولة سلطانية قديمة تابعة لإمبراطورية أوسع، المجتمع ينظم نفسه بعيداً عن هذه الدولة بطرقه التقليدية البطريركية والقبلية ويحكم نفسه بالعرف، بينما الدولة مجرد غطاء خارجي لا تتدخل في حياة المجتمع ونشاطاته وسلوك أفراده، حتى دخلت جيوش الاحتلال الفرنسي وفرضت عملية تحديث للدولة لتجعلها متحكمة بمعظم تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكل فرد، وهي بالرغم من كونها دولة حديثة الشكل، إلا أنها مصممة لخدمة مصالح المستعمر، وليس الشعب والمجتمع، أي هي دولة المحتل وأداته، فالحداثة السياسية جاءت لدول العالم التابع كعدو من الخارج وأداة قهر واستعباد، وعندما خرج الاستعمار تسلمت سلطات (وطنية) هذه الدولة، أي لذات الماكينة الاستعمارية، وتابعت استخدمتها كأداة تسلط واستعباد لصالحها، وهكذا بقيت الدولة كسجن وقفص، وأداة قهر ونهب، ولم يتطور مفهوم الدولة الوطنية، ولم تترسخ ثقافة المؤسسات، وبقيت الحرية تعني الخلاص من السلطة والدولة، وليس من خلالها.

كان المجتمع التقليدي قد تفكك بفعل التحديث المشوه والانزياحات الكبيرة للسكان بعوامل اقتصادية وسياسية، وتحطمت بناه القديمة من دون فرصة لتكوين مجتمع مدني بديل وأرقى، بل لصالح العشوائية التي حرمت المواطن من أي حضن يحميه من ضغط الاقتصاد المتخلف، وعسف وعنف الدولة المستبدة، وغطرسة أجهزتها القمعية، ولم يكن أمامه من طريق لتحسين وضعه كمضطهد إلا بالعمل مع السلطة وجندي في مؤسساتها التعسفية، ليخدم طابعها الاضطهادي، وهذا ما أمد هذه السلطات بالقوة والمنعة لتعيش فترة طويلة جداً، حتى انفجرت ثورة الربيع لتدمرها كدولة سجن، لكن في غياب المجتمع المدني وثقافة الدولة والديموقراطية، السجن والسجان وحد الشعب ضده، لكن بعد سقوطه، انتشرت الفوضى التي صارت نتيجة الحرية، وتطورت العصابات التي هي من فلول النظام السابق، وأعادت بناء نفسها وتنظيمها كدول ومزارع ومراكز قوى داخل الدولة تستطيع بسهولة الإفلات من القانون الهش والضعيف، واستخدمت كل أنواع الفساد والترهيب لتعطل سلطة القانون، التي بقيت بذهن الشعب سلطة قهر، وطورت نفسها وحصلت معظم دخلها من سلوك أسود خارج القانون وعلى حساب خزينة الدولة وجيب المواطن المنتج.

ما أعلنه الرئيس التونسي هو خراب الدولة وفشل الشعب في احترام أو بناء المؤسسات السياسية التي تجعل من اجتماعه دولة بالمعنى الحديث للدولة، كدولة تنظم حياة البشر وترعى مصالحهم وتربطهم بها مباشرة (دولة المواطن، دولة الحق والواجب، وسيادة القانون)، لكنه افتقد للكرة التي يجب أن يلعبها الشعب معه، فهو وحيد لا يملك أدوات الإصلاح، والوثائق لا تكفي من دون قناعة بها وقوى تريد تنفيذها وقادرة على ذلك، لذلك فإن المخرج الوحيد لتجنب مسار التقهقر نحو الحرب الأهلية والصراع المرير الذي يسود العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الذي وصفه الرئيس بدقة، وتجنب اندلاع الصراع العنيف بين العصابات والحتمي في آخر هكذا مسار، يجب البدء فوراً بحشد قوى شعبية وراء سلطة قضائية نزيهة، وبناء سلطة قانونية أمنية تنفيذية مدعومة ومحروسة أيضاً من الشعب، تنفذ تعليمات القضاء، وعندما تتوفر هذه الأداة بالتعاون بين الرئيس والشعب، يجب استخدامها لقطع رؤوس العصابات ومراكز القوى ومحاكمتهم وإبعادهم عن الحياة السياسية التي صارت عملياً تحت رحمتهم.

المفروض بالرئيس الإسراع في تفعيل القضاء وتوجيه ضربات نوعية لرموز الفوضى والفساد تستلهم حماس الشعب الذي يجب أن يتمكن من حراسة مسار الإصلاح، ويكون قادراً على لجم أي تحرك للعصابات ومراكز القوى، وإلا سوف يعزل الرئيس ويظهر كآخر صيحة للإنقاذ صدرت قبل دخول تونس في متاهة الصراع الوحشي العنيف، الذي لا بد في النهاية سيولد القناعة بضرورة قيام الدولة وسيادة القانون لحفظ السلم الاجتماعي، فالبديل عن العمل الذاتي النوعي الواعي، هو الوصول لذات النتيجة، لكن عبر التخبط والتجريب الذي قد يطول ويكون ثمنه باهظاً عادة.

كمال البواني

ليفانت – كمال اللبواني ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit