بين الدولة المغلقة والدولة المنخورة

كفاح محمود كريم
كفاح محمود كريم

تتذكر شعوب كثير من بلدان الشرق الأوسط، وخاصةً في سوريا وليبيا والجزائر والسودان وإيران والعراق، ما حدث بعد انقلاباتها السياسية، خاصةً في بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وما رافقها من عمليات غلق الدولة التي سنتناول العراق نموذجاً للدولة المغلقة التي تحولت إلى دولة منخورة بعد انفجار المغلقة وظهور المنخورة.

يتذكر العراقيون، منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، كيف تمَّ تحويل العراق إلى دولة مغلقة تحكمها أجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات وميليشيا الحرس القومي والجيش الشعبي، وكيف أن أي علاقة أو تواصل مع أجنبي داخل البلد، حتى مع أولئك العاملين في المشاريع الصناعية والزراعية، كان يؤدي بصاحبه إلى التحقيق والترهيب وربما التغييب، حتى أصبحت الدولة عبارة عن مستشفى للمصابين بأمراض وبائية يمنع اختلاطهم مع الآخرين، ناهيك طبعاً عن أمواج الأسئلة والتحقيق حينما يحاول المرء استصدار جواز سفر أو السفر للخارج، ولا نريد الدخول في تفاصيل تلك الحقبة المغلقة في كل شيء، لأننا كنا ننتظر أن يكون البديل معاكساً لما عشناه جميعاً، ولكن ما حصل بعد نيسان 2003، باستثناء بعض الإكسسوارات كان كارثياً، حيث تحولت الدولة من دولة مغلقة إلى دولة منخورة، وتبين أن دودة الأرض ليست لوحدها قادرة على نخر الأشجار والأخشاب، فقد أثبتت النظم السياسية الراديكالية، وبالذات تلك التي أنتجتها الانقلابات تحت تسميات الثورة في معظم بلدان العالم الثالث، سواء في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا وآسيا، خاصةً، وبشكل متميز دول الشرق الأوسط، العربية منها والإسلامية، التي تفوقت على الجميع في زرع دودة أرض سياسية وعسكرية وأمنية في هياكل الدول التي اغتصبت نظامها السياسي.

ولعلَّ إماطة اللثام مؤخراً عن قتلة أحد الناشطين العراقيين، كشف النخر الكبير والمريب داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية التي تم إذابة معظم الميليشيات ذات الولاءات المختلفة في بوتقة المؤسستين اللتين يفترض أنهما تؤسسان على ثوابت المواطنة والولاء للوطن والشعب وليس لحزب أو دين أو مذهب أو دولة أجنبية تحت أي ذريعة كانت، مما يؤكد أن إعادة تشكيل القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية بعد 2003، لم يعتمد على تلك الثوابت، حيث انهارت المؤسستين في أول تحدٍّ لها مع الإرهاب في حزيران 2014، وسقوط ما يقرب من ثلثي أراضي العراق ومدنه تحت سيطرة منظمة إرهابية، ولولا تدخل التحالف الدولي لكانت النتائج وخيمة جداً.

إن الدولة المغلقة التي انفجرت على نفسها، أنتجت لنا دولة منخورة حتى العظم، كما هو الحال اليوم في سوريا وليبيا والعراق، من خلال عمليات الخرق التي قامت بها الأحزاب والميليشيات المتطرّفة، بشقيها السني والشيعي، والتي تمّت إذابتها ودمجها مع المؤسستين، العسكرية والأمنية، حتى تلاشى الانتماء والولاء وتشتت ما بين تلك القوى على حساب مفهوم المواطنة والجيش والأمن الوطنيين اللذين يفترض أن يكونا فوق الانتماءات السياسية والدينية والمذهبية والمناطقية، بما يؤهلها أن تكون ممثلة لكل الشعب ومكوناته على اختلاف أطيافه وانتماءاته.

وما يحصل اليوم ليس ببعيد عن تاريخ العراق منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه المغلق في الإدارة والحكم، وهو شبيه لكثير من الأنظمة التي ادّعت الثورية وانقلبت في عمليات سطو مسلح على النظام السياسي في بلدانها، ثم أطلقت على تلك العمليات بالثورات مع مجموعة من الشعارات التي كانت تلامس عواطف الغالبية من الأهالي، حيث أسست لنفسها مؤسسات عسكرية وأمنية رديفة، مثل الحرس القومي والجيش الشعبي في العراق، وسرايا الدفاع في سوريا، واللجان الشعبية في ليبيا، والحرس الثوري في إيران، ومؤخراً الميليشيات المذهبية ذات الولاء العابر للحدود تحت ذات النهج في الشعار القومي (أمة عربية واحدة) ولكن بشكل ديني ومذهبي، يمنحها بعض صلاحيات الحكم باسم الله بدلاً من الحكم باسم الأمة.

في النتيجة فشلت الدولة المغلقة وانفجرت على نفسها لكي تلد لنا دولاً منخورة، كما هي الآن في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وبقي الخلل الرئيسي في بنية هذه الدول المتعددة المكونات، قومياً ودينياً ومذهبياً، والمتمثل في إقصائها للآخرين ومركزيتها لحساب مكون واحد مهما اختلفت الشعارات وطبيعة النظام الجديد، إلا أنها تقاتل من أجل الهيمنة والتفرد ومركزة القرار والسلطة والمال بيد فئة واحدة مع إكسسوارات للزينة كما كانت سابقاً، وستبقى حليمة في بلادنا على عادتها القديمة حتى قيام الساعة.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم ليفانت 

تتذكر شعوب كثير من بلدان الشرق الأوسط، وخاصةً في سوريا وليبيا والجزائر والسودان وإيران والعراق، ما حدث بعد انقلاباتها السياسية، خاصةً في بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وما رافقها من عمليات غلق الدولة التي سنتناول العراق نموذجاً للدولة المغلقة التي تحولت إلى دولة منخورة بعد انفجار المغلقة وظهور المنخورة.

يتذكر العراقيون، منذ مطلع ستينيات القرن الماضي، كيف تمَّ تحويل العراق إلى دولة مغلقة تحكمها أجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات وميليشيا الحرس القومي والجيش الشعبي، وكيف أن أي علاقة أو تواصل مع أجنبي داخل البلد، حتى مع أولئك العاملين في المشاريع الصناعية والزراعية، كان يؤدي بصاحبه إلى التحقيق والترهيب وربما التغييب، حتى أصبحت الدولة عبارة عن مستشفى للمصابين بأمراض وبائية يمنع اختلاطهم مع الآخرين، ناهيك طبعاً عن أمواج الأسئلة والتحقيق حينما يحاول المرء استصدار جواز سفر أو السفر للخارج، ولا نريد الدخول في تفاصيل تلك الحقبة المغلقة في كل شيء، لأننا كنا ننتظر أن يكون البديل معاكساً لما عشناه جميعاً، ولكن ما حصل بعد نيسان 2003، باستثناء بعض الإكسسوارات كان كارثياً، حيث تحولت الدولة من دولة مغلقة إلى دولة منخورة، وتبين أن دودة الأرض ليست لوحدها قادرة على نخر الأشجار والأخشاب، فقد أثبتت النظم السياسية الراديكالية، وبالذات تلك التي أنتجتها الانقلابات تحت تسميات الثورة في معظم بلدان العالم الثالث، سواء في أمريكا اللاتينية أو في أفريقيا وآسيا، خاصةً، وبشكل متميز دول الشرق الأوسط، العربية منها والإسلامية، التي تفوقت على الجميع في زرع دودة أرض سياسية وعسكرية وأمنية في هياكل الدول التي اغتصبت نظامها السياسي.

ولعلَّ إماطة اللثام مؤخراً عن قتلة أحد الناشطين العراقيين، كشف النخر الكبير والمريب داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية التي تم إذابة معظم الميليشيات ذات الولاءات المختلفة في بوتقة المؤسستين اللتين يفترض أنهما تؤسسان على ثوابت المواطنة والولاء للوطن والشعب وليس لحزب أو دين أو مذهب أو دولة أجنبية تحت أي ذريعة كانت، مما يؤكد أن إعادة تشكيل القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية بعد 2003، لم يعتمد على تلك الثوابت، حيث انهارت المؤسستين في أول تحدٍّ لها مع الإرهاب في حزيران 2014، وسقوط ما يقرب من ثلثي أراضي العراق ومدنه تحت سيطرة منظمة إرهابية، ولولا تدخل التحالف الدولي لكانت النتائج وخيمة جداً.

إن الدولة المغلقة التي انفجرت على نفسها، أنتجت لنا دولة منخورة حتى العظم، كما هو الحال اليوم في سوريا وليبيا والعراق، من خلال عمليات الخرق التي قامت بها الأحزاب والميليشيات المتطرّفة، بشقيها السني والشيعي، والتي تمّت إذابتها ودمجها مع المؤسستين، العسكرية والأمنية، حتى تلاشى الانتماء والولاء وتشتت ما بين تلك القوى على حساب مفهوم المواطنة والجيش والأمن الوطنيين اللذين يفترض أن يكونا فوق الانتماءات السياسية والدينية والمذهبية والمناطقية، بما يؤهلها أن تكون ممثلة لكل الشعب ومكوناته على اختلاف أطيافه وانتماءاته.

وما يحصل اليوم ليس ببعيد عن تاريخ العراق منذ تأسيسه وحتى سقوط نموذجه المغلق في الإدارة والحكم، وهو شبيه لكثير من الأنظمة التي ادّعت الثورية وانقلبت في عمليات سطو مسلح على النظام السياسي في بلدانها، ثم أطلقت على تلك العمليات بالثورات مع مجموعة من الشعارات التي كانت تلامس عواطف الغالبية من الأهالي، حيث أسست لنفسها مؤسسات عسكرية وأمنية رديفة، مثل الحرس القومي والجيش الشعبي في العراق، وسرايا الدفاع في سوريا، واللجان الشعبية في ليبيا، والحرس الثوري في إيران، ومؤخراً الميليشيات المذهبية ذات الولاء العابر للحدود تحت ذات النهج في الشعار القومي (أمة عربية واحدة) ولكن بشكل ديني ومذهبي، يمنحها بعض صلاحيات الحكم باسم الله بدلاً من الحكم باسم الأمة.

في النتيجة فشلت الدولة المغلقة وانفجرت على نفسها لكي تلد لنا دولاً منخورة، كما هي الآن في سوريا والعراق وليبيا واليمن، وبقي الخلل الرئيسي في بنية هذه الدول المتعددة المكونات، قومياً ودينياً ومذهبياً، والمتمثل في إقصائها للآخرين ومركزيتها لحساب مكون واحد مهما اختلفت الشعارات وطبيعة النظام الجديد، إلا أنها تقاتل من أجل الهيمنة والتفرد ومركزة القرار والسلطة والمال بيد فئة واحدة مع إكسسوارات للزينة كما كانت سابقاً، وستبقى حليمة في بلادنا على عادتها القديمة حتى قيام الساعة.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit