الملف النووي الإيراني والوجه الجديد للسيد أوباما

عبدالعزيز مطر

إن من أقسى التبعات التي عانى منها الشعب السوري هو الانعكاسات الكبيرة والخطيرة على ثورة الشعب السوري بعد توقيع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء الأوربيين من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي دولة مارقة تدعم الإرهاب في كل العالم، وهي المصدر الأساسي لكثير من القلاقل والنزاعات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط التي تعيث فيه دماراً وفساداً منذ أربعة قرون.

وجميعنا يتذكر بمرارة ما آل إليه توقيع الاتفاق النووي السابق الذي وقع منتصف عام 2015، والذي سبقه مفاوضات 5+1 لعدة أعوام، وغض الطرف من قبل الإدارة الأمريكية الديمقراطية السابقة في عهد السيد أوباما، وما تلاه من دوامة العنف والمستنقع الدموي الذي سببته جمهورية الملالي في إيران على الأرض السورية واليمن والعراق، حيث سمح لها غض الطرف هذا من قبل القوى الدولية لتمرير الاتفاق ولمنع تعكير صفوه ووضع أي عراقيل في طريقه، بتمدد الحرس الثوري الكبير في سوريا خصوصاً، وبالمحيط الإقليمي في العراق ولبنان.

وجميعنا يتذكر كيف تعاملت الإدارة الديمقراطية السابقة في عهد أوباما نتيجة هذا الاتفاق مع التدخل الإيراني الدموي عبر أذرعها بالملف السوري، وتجنبها اتخاذ خطوات صارمة بعد استخدام حليف الملالي في دمشق لأسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيماوية، حيث وقعت هذه الجريمة النكراء خلال المفاوضات التي كانت تجريها إيران مع الولايات المتحده الأمريكية، ورفعها الجزئي عن الأموال المجمدة الإيرانية، الأمر الذي سهل على المشروع الإيراني التغلغل والتمدد السريع في سوريا عبر دعم وتشغيل عشرات الميليشيات الإرهابية، وتجنيدها لقتل الشعب السوري، ابتداء بميليشات حزب الله اللبناني الإرهابي، وانتهاء بتنظيم القاعدة الإجرامي.

وأعقبت هذه الإدارة الديمقراطية إدارة جمهورية، بقيادة ترامب، التي عرفت وأدركت مخاطر الاتفاق النووي، فقامت بالرجوع عنه وبتشديد العقوبات على نظام الملالي، وأصدرت قانون قيصر الذي كان نتيجة لإجرام حليف إيران في دمشق، وقامت بتحييد العديد من أذرع إيران في سوريا، وأبرزهم الإرهابي قاسم سليماني، وأحكم الحصار على حزب الله ولوحقت خلاياه في عدة دول أوربية، وازدادت وتكثفت الضربات الإسرائيلية لمواقع هذه الميليشيات في سوريا، ومع انتهاء إدارة الجمهوريين للبيت الأبيض، وعودة الديمقراطيين، وعلى رأسهم السيد بايدن، وهو أحد المخططين سابقاً، وهو من أدار ملف التفاوض مع ايران، ليعيد بخطوات متسارعة الملف النووي الإيراني، والسعي الحثيث من هذه الإدارة لإعادة توقيع الاتفاقية من جديد مع نظام الملالي.

بالتأكيد لكل دولة مصالحها القومية والوطنية، ولا يمكن أن نتجاهل أن للإدارة الأمريكية حساباتها في موضوع إعادة تفعيل المعاهدة والاتفاقية من جديد، لتغدو وتظهر إيران بمظهر المنتصر، والذي أعطى دفعاً لها ولمشروعها الحاقد على المنطقة ومحاولتها الهيمنة على مقدرات هذه الشعوب من خلال المشروع الفارسي الذي تمضي فيه لتحقيق أهداف هذا المشروع في ظل الضعف العربي والتشرذم الكبير في العالم العربي، وعدم وجود جبهة إقليمية وعربية للوقوف بوجه هذا المشروع.

كل هذا سينعكس واقعاً مأساوياً على الوضع السوري، وستزداد يوماً بعد يوم ظاهره التوحش التي تمارسها سلطة الاستبداد في سوريا اتجاه الشعب السوري، مدعومة بميليشيات الحقد الإيراني التي تعيث قتلاً وفساداً في سوريا، وهذا بالتأكيد سيجعل من الحل في سوريا صعباً في مرحلة التوحش الإيراني ضمن هذا التوجه الجديد للإدارة الأمريكية الذي يسعى لعدم الاصطدام مع هذا الإجرام، وإدارة ملف الأزمة في سوريا عن طريق الروس فقط وبالتنسيق مع حثالات طهران، لتشديد القبضة أكثر فأكثر على الشعب السوري وتقاسم الموارد السورية بين الجانبين، وبالتأكيد ستكون ملالي طهران سعيدة بهذا الشحن والدفع لمشروع الهلال الشيعي الفارسي في المنطقة الذي يستهدف الجميع بدون استثناء.

هذا الوضع الحالي باختصار.. القوى العالمية العظمى تركت وتنازلت عن واجبها الأخلاقي في سياستها اتجاه المنطقة، بشكل عام، واتجاه الشعب السوري، وقامت خدمة للمصالح التي تراها مناسبة لها بالتنازل لروسيا وإيران عن المنطقة بالكامل، وفضلت أن تجعل من الروسي وكيلاً مفوضاً في الشأن السوري، كل هذا يبعث للوهلة الأولى على التشاؤم ويجعل من القلوب التي تسعى في سوريا للكرامة والحرية منكسرة وخائفة على سوريا ووجودها المهدد بذلك الخطر.

ولكن هناك قوى بالتأكيد إقليمية لن تكون مقيدة بالقرار الأمريكي وغضه الطرف عما يقوم به الحرس الثوري الإيراني في المنطقة، من جرائم وتغيير أيدلوجي وديمغرافي، ولن يكون بتاتاً راضياً عن هذا الجوار السيئ المجرم لأن مصالحه ستكون مهددة بهذا التمدد الإيراني، ولن يقبل بهذا الخطر على حدوده مهما بلغت التطمينات الأمريكية، وسيسعى جاهداً للتحالف والتقارب مع الدول التي يشكل المشروع الإيراني خطراً وجودياً عليها وعلى أمنها، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، التي ستكون مرحبة بهذا الحلف الذي بدأت بوادر ظهوره، يضاف له قوى إقليمية تستشعر الخطر الإيراني على أمنها وشعوبها، وستنضم سريعاً لهذه القوة الإقليمية التي تستطيع فرض إرادتها على القرار الأمريكي بحكم ما تتمتع به من بعد سياسي دولي وعسكري كبير.

إن الالتفاف الإقليمي حول دور المملكة العربية السعودية المقاوم لهذا الخطر الذي يهدد شعوب المنطقة، وإيجاد آلية للتنسيق مع قوى إقليمية كبرى في المنطقة تتمتع بقوة عسكرية وسياسية كبيرة، سيكون المنقذ الوحيد لهذه الشعوب بعد تخلي إدراة السيد بايدن عن دورها في كبح جماح هذا الخطر، وتكليف الوكيل الروسي من قبل هذه الإدارة بإدارة ما يحدث في سوريا، بغض النظر عن الأسلوب، وبالتأكيد فإن الروسي قد اتخذ قراره بهذا الشأن بدعم وجود نظام القتل في دمشق الذي يحقق مصالحه بالتنسيق مع المشروع الإيراني طالما أنه لا يشكل خطراً على مصالحه السياسية والاقتصادية في سوريا.

أما كسوريين، فيجب زيادة وعي المواطنة والتشاركية بين أبناء الوطن الواحد والسعي الحثيث بين أفراد الوطن من أجل مقاومة المشروع الإيراني، ومحاربة أفكاره وأساليبه الطائفية القذرة التي ستجر السوريين لمزيد من شلالات الدماء والابتعاد عما تشيعه الآلة الإعلامية الإيرانية الشعوبية التي تسعى دوماً لضرب أبناء الوطن الواحد لتسهيل مهمتها في السيطرة على الشعب السوري ومقدراته وجعل شباب سوريا وقوداً لحروب هذا المشروع القادم، كما فعلت في العراق ولبنان.

الشعب السوري بالتأكيد لن يستكين، وحضارة سوريا الممتدة لآلاف السنيين لن يهزمها الحقد والإجرام القاتل القادم من طهران، فالموت القادم من الشرق سيجابهه السوريون، خاصة، والعرب، عامة، وكل مكونات المنطقة، بمزيد من الالتفاف حول القوى التي تعادي هذا المشروع مهما كان شكل ولون وطبيعة هذه القوى، فمصلحة شعوب المنطقة التكاتف والبحث عن حليف موجود أساساً تتفق مصلحته تماماً مع مصلحة شعوب المنطقة، ولا نزاع بين هذا الحليف الجديد وشعوب وحكومات المنطقة، بعدما تكللت مسيرة السلام مؤخراً بنجاحات كثيرة هي الأساس في هدم المشروع الإيراني. النووي 

عبدالعزيز مطر

ليفانت – عبد العزيز مطر ليفانت