الرئيس المُقاوم والرئيس الصورة

إبراهيم جلال فضلون
إبراهيم جلال فضلون

واجه أحد الملوك أزمة مع أبناء رعيّته الذين اضطروا إلى شرب المياه من بئر تبيّن أن مياهه تسبّبت لهم فقدان التوازن. وبدأ الملك يتحدث لغة غير مفهومة مع هؤلاء، فجاءه مستشاره بعد محاولات عدة وقال له: ليس أمامنا سوى أن نشرب من البئر نفسها، حينئذ نصبح مثلهم ونتفاهم، وهذا ما حصل.

وكأن الواقع يفرض على اللبنانيين مرارة التذوق من بئر إيران وحزب الله الذي سمم مياه وألبان وأجواء “سويسرا الشرق”.. وعلى قاعدة «الشيء ونقيضه» يمضي «الرئيس الصورة» ليعلن وبصوت عالٍ: «نحن نريد رئيساً يساعد على حل الخلافات ليجمع المواطنين تحت اسم الوحدة الوطنية لكن التناقض المُحير هو، هل فقد ميشال عون وتناسى ما حدث مع فريق 14 آذار.. حتى صرخ هو وهو بنفسه باستغراب: “أنا مواطن لبناني، لديّ ما يكفي من روح التمرد إلى أبعد الحدود وإلى آخر العمر. لكنني ابن بيئة تحترم التقاليد وتعدّ الصداقات والعلاقات الإنسانية شرطاً لاستمرار الحياة”؟.. هذا استخفاف بالقول ليعود ويسحب من الدرج ورقة «الفدرالية» المرادفة ل«اللامركزية السياسية الموسعة»، ملوحاً بها ومهدداً، بأنه إذا لم يكن له ما يريد، فإن التقسيم الذي يهدد دول المنطقة مؤهل للدخول إلى لبنان قبل غيره.. فأين هي «الوحدة الوطنية»؟!.

عون الذي كان “مُنقذ وبطل لبنان” “الرئيس المُقاوم” ضدّ إسرائيل، في أزمة غير مسبوقة في نتائجها المباشرة والبعيدة المدى، منذ عودته إلى لبنان من «هجرته القسرية»– محمولاً على الأكف– التي أعقبت هزائمه المتتالية على «الجبهات العسكرية» في الداخل اللبناني واضطراره اللجوء إلى السفارة الفرنسية، بعد ضربة القصر الجمهوري.

ولا يحتاج أي مراقب مدقق لما يجري على «الساحة اللبنانية»، أن يرى عون وهو يتشدَّق بكلّ ما هو نقيض لماضيه. فبينما كان بالأمس عميلاً إسرائيلياً صريحاً، خلال تسعينيات القرن الماضي، وصفته صُحف إسرائيل بـ”الغَزَل المتواصل”، وأن لبنان تحت قيادته “صديقةً لإسرائيل”، ليجتمع بأكثر داعمي الحركة الصهيونية من أجل محاربة “حزب الله” بوصفه “منظَّمة إرهابية”، قبل أن يتسلَم منصب قائد السريَة المارونية في جيش “ولاية الفقيه”، بعد توقيعه “اتفاقية مار مخايل” مع “حزب الله” أوائل 2006.. ليكون حليفاً له ولإيران الآن، ضد الشعب اللبناني في تناقض، يُطابق وصف الانقلاب على الذات.. بعد مُعاناة الحرب الأهلية ونهايتها باتفاق الطائف، الذي ضمن تقاسم السلطة من دون الحاجة لعون وحزبه وطائفته، لهذا ليس في حاجة اليوم لمغازلة ميليشيا «حزب الله» مخالفاً لاتفاق الطائف، الذي جاء بعون رئيساً للبنان في 2016 رغم رفضه له في عام 1988، بل، وهو مَنْ تبنى خطاب “العروبة” و”القومية العربية” في الثمانينيات، من أجل الحصول على أموال الدعم العراقي، عبر رسائله المحرَّرة إلى صدَّام حسين- رحمه الله- بل وهو الذي تحوَّل إلى حليف لنظام بشار الأسد، وهو ذاته الذي سبق وتفاخر بوقوفه وراء صدور “قانون محاسبة سوريا” الذي أقرَّته إدارة الرئيس الأميركي، جورج دبليو بوش، 2003.

ويكفي وجود «حزب الله» كقوة وسلطةِ أمرٍ واقعٍ فوق سلطة القانون، حتى أصبح مرفوضاً من الشارع الشيعي قبل السني، كونه مُفتاح الطائفية، التي صارت بنكهة السياسي الطائفي مُرعبةً ومُخيفةً، خاصة بعد تفجيرات مرفأ بيروت، وتدخله العسكري والعلني خارج حدود لبنان في سوريا والعراق واليمن وحتى في غزة وليبيا، وانهيار الليرة، لذا فهو مرفوض من الشعب والقوى الوطنية، فجميعهم هتفوا للبنان “موحَّداً وخالياً من الطائفية”، التي أشعلتها تعيينات أقارب الرئيس في أعلى المناصب، (آلان عون، ماريو عون، سليم عون، وشامل روكز زوج ابنته كلودين، وجبران باسيل زوج ابنته شانتال ووزير الخارجية، رئيس مجلس إدارة تلفزيون “أو. تي. في”: روي هاشم زوج ابنته ميراي عون التي تحتلّ منصب مستشارة رئيس الجمهورية، قائد الجيش اللبناني: جوزيف عون… إلخ)، بينما هو يدَّعي بأنه حامل شعارَي “الإصلاح والتغيير” و”محاربة الإقطاع العائلي”، أليس من زيف واستحكام، علتهُ الانتهازية السياسية، بوجهها الانقلابي المُتطرّف، واضعاً عون بمغازلته «حزب الله» رئاسة الجمهورية اللبنانية في خندق واحد مع ميليشيا مُسلحة لا تأتمر بأمر الدولة؟

كان على الجنرال عون التحرر من عباءة «حزب الله»، الذي ساعد في ضخ شيء من القوة في الجسد العوني، وسعيه لحكم لبنان بروح إيرانية، كانت دائمة التبرير لسلاحها، بحجة المقاومة التي لم تحقق شيئاً حتى للبنان، سوى الدمار كما حدث، في حرب يوليو، باعتراف نصر الله نفسه، وما تزال مزارع شبعا مُحتلة، بينما الحزب لم يُحقق سوى تصدير إرهاب لدول الجوار، لكن ذلك التقارب زاد من إضعاف الجنرال في بيئته، فحاضر عون يزخر بكمّ من التناقضات، لو وُجِدَت في وطنٍ يتمتَّع بحدّ أدنى من المُحاسبة؛ لكان وبالاً على صاحبه، لتكون ذكرى عون بمثابة سُـبَّة له تستوجب محاكمة الشخص الذي تحدَّث عنه، باعتبار أنَّ كل محطَّة في تاريخ هذا الرجل هي “قدح وذمّ” لمقام الرئاسة الذي يتولَّاه، ألم يتعلم الدرس من مبارك ومصريته وكيف كرمته وطنيتهُ عند وفاته ووقت مُحاكمته حتى برأته؟ ألم يتعلم الدرس من طرد الفراعنة للإخوان وتشتيتهم في دول العالم التي لا تقبلهم سوي دول إرهابية، كإيران وتركيا وبريطانيا؟.. أعتقد أن عون سوف لا يفيق إلا إذا ترك السُلطة، أو يكون مصيرهُ كما كان لرؤساء عرب- رحمهم الله- لذا على لبنان أن لا يتعلق بآمال إلا للأسوأ في حال طرد هؤلاء وأمثالهم.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون