الإخوان وفلسفة الكمون.. الذئب العجوز في حراسة المعبد

رامي شفيق
رامي شفيق

في الوقت الذي تقرّر فيه جماعة الإخوان المسلمين إدراج عناصرها وأنشطتها خارج الأراضي التركية لصالح ملاذات أخرى، استجابة لشروط سياسية تتواءم وسياقات الداخل التركي، فضلاً عن اعتبارات إقليمية ودولية تقترب من توجهات أنقرة نحو تطبيع علاقاتها مع القاهرة، ومحاولة استثمار هذه الورقة مقابل تحسين بعض نقاط التفاوض حول الحضور في شرق المتوسط، اندفع البعض نحو الحديث عن نهاية التنظيم، وتفككه، بحيث لا أمل نحو التئامه، مرة جديدة، في الواقع السياسي الشرق الأوسطي.

لكن حقيقة الأمر، في تقديري، أن في ذلك ثمة مبالغة تجاهلت أن حضور الإسلام السياسي يرتبط، بشكل أو آخر، لعدة نقاط رئيسية يصعب تجاوزها، أو الحديث عن انتهاء صلاحيتها؛ إذ إن القول بانتهاء حضوره من الواقع أمر يعوزه جهد معرفي وسياسي، نظري وتطبيقي، يسعى نحو تفكيك مفهوم الحكم من إطار الدين، وعزل القيم والاعتبارات الخاصة بالدولة والخلافة من النصوص الدينية، فضلاً عن العمل بدأب ضد توظيف عناصر الإسلام السياسي في أوروبا، والتحامهم معاً من أجل فرض رؤية واحدة تكرّس حضورهم السياسي في تلك المجتمعات.
على خلفية ذلك، أستطيع النظر نحو قرار القيادات الإخوانية بخصوص تجميد المكتب الإداري للجماعة، وحل مجلس شورى الجماعة، مع تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر أن تعقد خلال شهر يوليو تموز الجاري، لمدة ستة أشهر، باعتبارها تحركاً تكتيكياً لا يستدعي مشاهد التراجيديا التي يمثل منها ظلال عيون منكسرة .

إن التنظيم يعاني، منذ عقد مضى، من أزمة عاصفة هزّت أركانه البنيوية في كافة أرجاء العالم، وتداعت عناصره، طيلة السنوات القليلة الماضية، إثر الضربة القاصمة التي تلقتها عبر أكثر من مستوى، منذ لحظة استلامهم الحكم في مصر، مروراً بسقوطهم تحت وطأة انتفاضة المصريين، وصولاً لما تعانيه حركة النهضة من يأس وإحباط التونسيين لما آلت إليه أوضاع البلاد تحت حكم راشد الغنوشي، اقتصادياً واجتماعياً، ناهيك عن حالة الانسداد السياسي التي تعيش البلاد على تخومها منذ أشهر عديدة في صراع محتدم ببن مؤسسات الحكم في البلاد.

تلك الأوضاع البائسة التي دخلت فيها تنظيمات الإخوان عبر أكثر من بقعة جغرافيةـ لا ينبغي على الإطلاق أن تدفعنا نحو تقديره نهاية للتنظيم؛ بل يجب العمل على كونه مرحلة كمون منظم يصاحبه نهاية مرحلة واختفاء قيادات، ثم يعقبه بالضرورة نموذج آخر للإسلام السياسي، عليه أن يكون حاضراً وشاهداً، خلال حقبة يتم صياغة ملامحها عبر أكثر من مستوى، إقليمياً ودولياً.

إزاء ذلك، بدا الحديث واقعاً أن تتمثل الإقامة الجديدة في كندا وبريطانيا وهولندا وماليزيا، فضلاً عن عدد من دول البلقان على سبيل الترجيح والظن، غير أن الملفت كون ما يجمع هذه الأماكن خاصية التموضع الجديد الذي يسمح بإعادة ترتيب الأوراق، مرة على مستوى طبيعة التحركات وتحديد الأولويات، وكذا حسم التنافس والصراع بين القيادات المتناحرة حول ملامح التوجهات الجديدة وصياغة العلاقات في المرحلة القادمة.

المتابع بدقة ودأب لكافة تصريحات قادة الإخوان المسلمين، خلال الأيام القليلة الماضية، يدرك تماماً أن ثمة استدعاء عميق لأحداث السنوات الأخيرة وربط المشاهد بنضال مزعوم للتنظيم سيما في القاهرة، خاصة وأنه مع نهاية حزيران يونيه الماضي ومطلع الشهر الحالي، قد وافق تحركات الشعب المصري ضد قياداتهم وكافة ما يرتبط بأهدافهم.

إذ قضت محكمة النقض، في الحادي عشر من تموز/ يوليو الجاري، بتأييد أحكام محكمة الجنايات الصادرة في 2019 بالسجن المؤبد لمرشد الإخوان، محمد بديع، وتسعة آخرين من قيادات التنظيم الإرهابي، في قضية اقتحام الحدود الشرقية لمصر أثناء ثورة 25 يناير عام 2011.

وتتصل أحداث القضية بوقائع اقتحام الحدود الشرقية والسجون التي كانت تضم قيادات إخوانية، من بينها الرئيس السابق محمد مرسي وتهريبها والاعتداء على منشآت أمنية في أنحاء البلاد.

في سياق ذلك كله، يقول إبراهيم منير، رئيس لجنة إدارة جماعة الإخوان المسلمين الذي يعيش في لندن، ويقوم بأعمال المرشد العام للجماعة، في تصريحات صحفية بعد سجن قياداتها، إنه يرجح أن “تستمر علاقة الجماعة مع قطر وتركيا رغم التقارب المصري مع النظامين”. ويضيف أنّ عناصر الجماعة في البلدين متوافقون مع النظام ومع القوانين. ويردف: “لا أعتقد أنّ شيئاً كبيراً سيتغير في العلاقة بيننا وبين قطر وتركيا”.

يأتي ذلك، وسط إعلان عدد من أعضاء الجماعة في تركيا تغير طبيعة التعامل معهم من قبل السلطات التركية، غير أن ذلك لا يمنع قطعاً أن ينتقل التعاون الوظيفي، فيما بين حزب العدالة والتنمية التركي والإخوان، من خلال الحضور في مواقع جديدة، والتواجد على أراض أخرى، والعمل مع رؤى وصياغات مستحدثة الأمر الذي يستوجب كموناً لقيادات انتهت إكلينيكياً في نظر أعضاء الجماعة وشبابها.

إلى ذلك، تستطيع أن تعثر على ذات الصياغة داخل حركة النهضة؛ إذ شهدت خلال السنوات القليلة الأخيرة عدة انشقاقات في صفوف القيادات العليا التي خبرت سنوات طويلة جوار راشد الغنوشي، سواء خارج تونس قبل 2011، أو بعد ذلك. والمدقق لسيرة كافة من قرر الخروج عن التنظيم وأعلن انشقاقه رغم كونه رقماً صعباً في معادلة حركة التنظيم هو تحركات راشد الغنوشي الذي يؤثر أن يتحكم في كافة الأشياء، ويدير الأمور من خلاله، وعلى وقع ذلك جرى انشقاق عبد الحميد الجلاصي، القيادي التاريخي، وكذلك لطفي زيتون، عقل وذاكرة راشد الغنوشي، وكلاهما تحدثا عن سياق الخروج بذات المنطق وسياق الـحداث الى حد كبير.

عبر ذاك تستطيع أن تبصر وجود نهاية حتمية لهذا الجيل من القيادات وتلك النسخة من التنظيم لصالح ولادة نموذج جديد يتوافق مع مجريات العصر الجديد، الذي يشهد تحالفات وتناقضات ومصالح مركبة ومعقدة، تتوافق في إطارات وتتباين في أخرى؛ ما يتطلب بالضرورة عملاً مستمراً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، داخل المجتمعات الإسلامية، نحو قيم الإنسانية وضبط منسوب الانزياح بعيداً عن اعتبارات الولاء الوطني والهوية القومية .

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

في الوقت الذي تقرّر فيه جماعة الإخوان المسلمين إدراج عناصرها وأنشطتها خارج الأراضي التركية لصالح ملاذات أخرى، استجابة لشروط سياسية تتواءم وسياقات الداخل التركي، فضلاً عن اعتبارات إقليمية ودولية تقترب من توجهات أنقرة نحو تطبيع علاقاتها مع القاهرة، ومحاولة استثمار هذه الورقة مقابل تحسين بعض نقاط التفاوض حول الحضور في شرق المتوسط، اندفع البعض نحو الحديث عن نهاية التنظيم، وتفككه، بحيث لا أمل نحو التئامه، مرة جديدة، في الواقع السياسي الشرق الأوسطي.

لكن حقيقة الأمر، في تقديري، أن في ذلك ثمة مبالغة تجاهلت أن حضور الإسلام السياسي يرتبط، بشكل أو آخر، لعدة نقاط رئيسية يصعب تجاوزها، أو الحديث عن انتهاء صلاحيتها؛ إذ إن القول بانتهاء حضوره من الواقع أمر يعوزه جهد معرفي وسياسي، نظري وتطبيقي، يسعى نحو تفكيك مفهوم الحكم من إطار الدين، وعزل القيم والاعتبارات الخاصة بالدولة والخلافة من النصوص الدينية، فضلاً عن العمل بدأب ضد توظيف عناصر الإسلام السياسي في أوروبا، والتحامهم معاً من أجل فرض رؤية واحدة تكرّس حضورهم السياسي في تلك المجتمعات.
على خلفية ذلك، أستطيع النظر نحو قرار القيادات الإخوانية بخصوص تجميد المكتب الإداري للجماعة، وحل مجلس شورى الجماعة، مع تأجيل الانتخابات التي كان من المقرر أن تعقد خلال شهر يوليو تموز الجاري، لمدة ستة أشهر، باعتبارها تحركاً تكتيكياً لا يستدعي مشاهد التراجيديا التي يمثل منها ظلال عيون منكسرة .

إن التنظيم يعاني، منذ عقد مضى، من أزمة عاصفة هزّت أركانه البنيوية في كافة أرجاء العالم، وتداعت عناصره، طيلة السنوات القليلة الماضية، إثر الضربة القاصمة التي تلقتها عبر أكثر من مستوى، منذ لحظة استلامهم الحكم في مصر، مروراً بسقوطهم تحت وطأة انتفاضة المصريين، وصولاً لما تعانيه حركة النهضة من يأس وإحباط التونسيين لما آلت إليه أوضاع البلاد تحت حكم راشد الغنوشي، اقتصادياً واجتماعياً، ناهيك عن حالة الانسداد السياسي التي تعيش البلاد على تخومها منذ أشهر عديدة في صراع محتدم ببن مؤسسات الحكم في البلاد.

تلك الأوضاع البائسة التي دخلت فيها تنظيمات الإخوان عبر أكثر من بقعة جغرافيةـ لا ينبغي على الإطلاق أن تدفعنا نحو تقديره نهاية للتنظيم؛ بل يجب العمل على كونه مرحلة كمون منظم يصاحبه نهاية مرحلة واختفاء قيادات، ثم يعقبه بالضرورة نموذج آخر للإسلام السياسي، عليه أن يكون حاضراً وشاهداً، خلال حقبة يتم صياغة ملامحها عبر أكثر من مستوى، إقليمياً ودولياً.

إزاء ذلك، بدا الحديث واقعاً أن تتمثل الإقامة الجديدة في كندا وبريطانيا وهولندا وماليزيا، فضلاً عن عدد من دول البلقان على سبيل الترجيح والظن، غير أن الملفت كون ما يجمع هذه الأماكن خاصية التموضع الجديد الذي يسمح بإعادة ترتيب الأوراق، مرة على مستوى طبيعة التحركات وتحديد الأولويات، وكذا حسم التنافس والصراع بين القيادات المتناحرة حول ملامح التوجهات الجديدة وصياغة العلاقات في المرحلة القادمة.

المتابع بدقة ودأب لكافة تصريحات قادة الإخوان المسلمين، خلال الأيام القليلة الماضية، يدرك تماماً أن ثمة استدعاء عميق لأحداث السنوات الأخيرة وربط المشاهد بنضال مزعوم للتنظيم سيما في القاهرة، خاصة وأنه مع نهاية حزيران يونيه الماضي ومطلع الشهر الحالي، قد وافق تحركات الشعب المصري ضد قياداتهم وكافة ما يرتبط بأهدافهم.

إذ قضت محكمة النقض، في الحادي عشر من تموز/ يوليو الجاري، بتأييد أحكام محكمة الجنايات الصادرة في 2019 بالسجن المؤبد لمرشد الإخوان، محمد بديع، وتسعة آخرين من قيادات التنظيم الإرهابي، في قضية اقتحام الحدود الشرقية لمصر أثناء ثورة 25 يناير عام 2011.

وتتصل أحداث القضية بوقائع اقتحام الحدود الشرقية والسجون التي كانت تضم قيادات إخوانية، من بينها الرئيس السابق محمد مرسي وتهريبها والاعتداء على منشآت أمنية في أنحاء البلاد.

في سياق ذلك كله، يقول إبراهيم منير، رئيس لجنة إدارة جماعة الإخوان المسلمين الذي يعيش في لندن، ويقوم بأعمال المرشد العام للجماعة، في تصريحات صحفية بعد سجن قياداتها، إنه يرجح أن “تستمر علاقة الجماعة مع قطر وتركيا رغم التقارب المصري مع النظامين”. ويضيف أنّ عناصر الجماعة في البلدين متوافقون مع النظام ومع القوانين. ويردف: “لا أعتقد أنّ شيئاً كبيراً سيتغير في العلاقة بيننا وبين قطر وتركيا”.

يأتي ذلك، وسط إعلان عدد من أعضاء الجماعة في تركيا تغير طبيعة التعامل معهم من قبل السلطات التركية، غير أن ذلك لا يمنع قطعاً أن ينتقل التعاون الوظيفي، فيما بين حزب العدالة والتنمية التركي والإخوان، من خلال الحضور في مواقع جديدة، والتواجد على أراض أخرى، والعمل مع رؤى وصياغات مستحدثة الأمر الذي يستوجب كموناً لقيادات انتهت إكلينيكياً في نظر أعضاء الجماعة وشبابها.

إلى ذلك، تستطيع أن تعثر على ذات الصياغة داخل حركة النهضة؛ إذ شهدت خلال السنوات القليلة الأخيرة عدة انشقاقات في صفوف القيادات العليا التي خبرت سنوات طويلة جوار راشد الغنوشي، سواء خارج تونس قبل 2011، أو بعد ذلك. والمدقق لسيرة كافة من قرر الخروج عن التنظيم وأعلن انشقاقه رغم كونه رقماً صعباً في معادلة حركة التنظيم هو تحركات راشد الغنوشي الذي يؤثر أن يتحكم في كافة الأشياء، ويدير الأمور من خلاله، وعلى وقع ذلك جرى انشقاق عبد الحميد الجلاصي، القيادي التاريخي، وكذلك لطفي زيتون، عقل وذاكرة راشد الغنوشي، وكلاهما تحدثا عن سياق الخروج بذات المنطق وسياق الـحداث الى حد كبير.

عبر ذاك تستطيع أن تبصر وجود نهاية حتمية لهذا الجيل من القيادات وتلك النسخة من التنظيم لصالح ولادة نموذج جديد يتوافق مع مجريات العصر الجديد، الذي يشهد تحالفات وتناقضات ومصالح مركبة ومعقدة، تتوافق في إطارات وتتباين في أخرى؛ ما يتطلب بالضرورة عملاً مستمراً، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، داخل المجتمعات الإسلامية، نحو قيم الإنسانية وضبط منسوب الانزياح بعيداً عن اعتبارات الولاء الوطني والهوية القومية .

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit