أمريكا.. هل تجرب المجهول؟

عندما نريد أن نتحدّث عن قرار الانسحاب الأمريكي المقصود من أفغانستان وتركها تحت رحمة طالبان، ونقارنه باحتمال الانسحاب من العراق، علينا أن نعلم أولاً أنّ القرار يخصّ واشنطن وحدها، وعلينا أن نتحدّث عن الشواهد المترامية الأطراف، وأوجه التشابه والاختلاف بين البلدين، في الأقل بالنسبة لأمريكا.

وأن نتحدث أيضاً عن التشابه والاختلاف بين طالبان، التي ستتصدر المشهد وتتسلم السلطة هناك، وبين الجماعات التي تعتبر أرقاماً صعبة في المشهد العراقي، والتي (ربما) تتسلم السلطة في العراق. وعلينا الدخول من منظار الواقع والوقائع في سجالات ونقاشات سياسية تبدأ بالتعقيدات والمعوّقات الداخلية والخارجية الموجودة هنا وهناك، والمعادلات التي تطوق نفوذ طالبان وتعظم نفوذ الجماعات التي تعتبر أرقاماً صعبة في العراق، وتمنحها مكاسب تسهم في إشعال البلد والمنطقة بدلاً عن التهدئة والاستقرار.

الانسحاب العلنيّ اللافت للقوات الأمريكية من أفغانستان، انسحاب محسوب بدقة متناهية من عارف، ورسالة واضحة تشير إلى قدرة أمريكا المعروفة على استنزاف الآخرين برياح التقاطعات والتشعّبات، وإشغال الجميع بالاشتباكات العبثيّة والدوران في الحلقات المغلقة، وإخلال التوازنات القائمة وفق معادلات جديدة لتوزيع الأدوار، بالطبع مع حفظ المكتسبات. لذلك علينا أن لا نسلّم ولو جدلاً أنّ أمريكا تنازلت وعجزت وضعفت أمام طالبان، لأنّ ذلك شبه مستحيل ويتعارض مع مشروعه العابر للقارات. لكن علينا أن نقلق بشأن التطوّرات التي تحبس الأنفاس وتُعطي انطباعاً أكيداً عن الاستعداد لشيء ما، ربما يرتقي إلى الاستعداد لاستعادة الدور والنفوذ وإعادة رصّ صفوف الأصدقاء والحلفاء القدامى والجدد تمهيداً لمواكبة المرحلة المقبلة وتبلور الأمور.

أمريكا تترك أفغانستان وهي مطمئنة من أن التي تحلّ محلّها وتستحوذ على السلطة هي حركة طالبان التي يمكن أن تكون (نسخة جديدة وناضجة أمريكياً) يمكنها أن تؤدي دوراً محورياً في التعامل مع التحديين، الصيني والروسي، في المنطقة.

وفي ذات الوقت، لا يمكنها أن تكون جارة هادئة وأمينة لإيران، التي تعتبرها عدواً لدوداً للشيعة داخل أفغانستان وخارجها، وطالبان تشكل حكومة تتنكر للمساعدات الخارجية التي نالتها خلال مناهضة الأمريكان، وستنسى التودد وإغداقات الثناء لها عندما كانت بحاجة الى أكثر من كلام، وتنقلب على أصدقائها كما انقلبت على باكستان التي ساهمت في صنعها، وتتحول إلى خطر حقيقي ضد روسيا التي تعتبرها أفعى سامة، وضد جميع جمهوريات آسيا الوسطى، خاصة طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان، كما تقلق منها الصين خوفاً على مستقبل إقليم شينغيانغ وتعقيد الأوضاع فيه.

أما العراق، فلو تركه الأمريكان، حيث غالبية الخيارات فيه رديئة وتسبب الإرهاق وتدعو إلى اليأس، فمن يستلم زمام الأمور وإدارة البلد؟ إما الأحزاب التي استولت على السلطة منذ 2003، والتي فشلت فشلاً ذريعاً ومريعاً في كافة مناحي الحياة. أو يعود البعث، أو يأتي داعش ليفسد في الأرض، أو الميليشيات المسلحة المنفلتة غير القادرة على التعايش مع الآخر. حينها يمكن أن يتحوّل (العراق) بسهولة إلى محور لإرهاب مرعب، يزيد التعقيد على الأوضاع المعقدة الحالية، في منطقة تبسط فيها أمريكا هيمنتها وترتبط بعلاقات قوية مع العديد من دولها ويهمها حفظ أمنها.

باختصار شديد، لا أحب أمريكا ولا أدافع عنها، ولكن بناء الآمال على رمال صحراء انسحابها من العراق، سابق لأوانه، لأنّ أمريكا دولة مؤسسات تغيّر أولوياتها وتستطيع إعطاء جرعات الصدقية لسياساتها مع قدر كبير من الكذب والتدليس والترهيب والترغيب، وفي تاريخها تحولات لا يمكن التنبؤ بها. ولا تجرب المجهول وتستطيع معرفة الخيط الأبيض من الأسود بقوتها وقدرتها على إيجاد الشركاء والحلفاء. وفي أحايين كثيرة تدخل في اتفاقيات حتى مع من تسميهم (أعداء).

ليفانت – صبحي ساله يي

عندما نريد أن نتحدّث عن قرار الانسحاب الأمريكي المقصود من أفغانستان وتركها تحت رحمة طالبان، ونقارنه باحتمال الانسحاب من العراق، علينا أن نعلم أولاً أنّ القرار يخصّ واشنطن وحدها، وعلينا أن نتحدّث عن الشواهد المترامية الأطراف، وأوجه التشابه والاختلاف بين البلدين، في الأقل بالنسبة لأمريكا.

وأن نتحدث أيضاً عن التشابه والاختلاف بين طالبان، التي ستتصدر المشهد وتتسلم السلطة هناك، وبين الجماعات التي تعتبر أرقاماً صعبة في المشهد العراقي، والتي (ربما) تتسلم السلطة في العراق. وعلينا الدخول من منظار الواقع والوقائع في سجالات ونقاشات سياسية تبدأ بالتعقيدات والمعوّقات الداخلية والخارجية الموجودة هنا وهناك، والمعادلات التي تطوق نفوذ طالبان وتعظم نفوذ الجماعات التي تعتبر أرقاماً صعبة في العراق، وتمنحها مكاسب تسهم في إشعال البلد والمنطقة بدلاً عن التهدئة والاستقرار.

الانسحاب العلنيّ اللافت للقوات الأمريكية من أفغانستان، انسحاب محسوب بدقة متناهية من عارف، ورسالة واضحة تشير إلى قدرة أمريكا المعروفة على استنزاف الآخرين برياح التقاطعات والتشعّبات، وإشغال الجميع بالاشتباكات العبثيّة والدوران في الحلقات المغلقة، وإخلال التوازنات القائمة وفق معادلات جديدة لتوزيع الأدوار، بالطبع مع حفظ المكتسبات. لذلك علينا أن لا نسلّم ولو جدلاً أنّ أمريكا تنازلت وعجزت وضعفت أمام طالبان، لأنّ ذلك شبه مستحيل ويتعارض مع مشروعه العابر للقارات. لكن علينا أن نقلق بشأن التطوّرات التي تحبس الأنفاس وتُعطي انطباعاً أكيداً عن الاستعداد لشيء ما، ربما يرتقي إلى الاستعداد لاستعادة الدور والنفوذ وإعادة رصّ صفوف الأصدقاء والحلفاء القدامى والجدد تمهيداً لمواكبة المرحلة المقبلة وتبلور الأمور.

أمريكا تترك أفغانستان وهي مطمئنة من أن التي تحلّ محلّها وتستحوذ على السلطة هي حركة طالبان التي يمكن أن تكون (نسخة جديدة وناضجة أمريكياً) يمكنها أن تؤدي دوراً محورياً في التعامل مع التحديين، الصيني والروسي، في المنطقة.

وفي ذات الوقت، لا يمكنها أن تكون جارة هادئة وأمينة لإيران، التي تعتبرها عدواً لدوداً للشيعة داخل أفغانستان وخارجها، وطالبان تشكل حكومة تتنكر للمساعدات الخارجية التي نالتها خلال مناهضة الأمريكان، وستنسى التودد وإغداقات الثناء لها عندما كانت بحاجة الى أكثر من كلام، وتنقلب على أصدقائها كما انقلبت على باكستان التي ساهمت في صنعها، وتتحول إلى خطر حقيقي ضد روسيا التي تعتبرها أفعى سامة، وضد جميع جمهوريات آسيا الوسطى، خاصة طاجكستان وأوزبكستان وتركمانستان، كما تقلق منها الصين خوفاً على مستقبل إقليم شينغيانغ وتعقيد الأوضاع فيه.

أما العراق، فلو تركه الأمريكان، حيث غالبية الخيارات فيه رديئة وتسبب الإرهاق وتدعو إلى اليأس، فمن يستلم زمام الأمور وإدارة البلد؟ إما الأحزاب التي استولت على السلطة منذ 2003، والتي فشلت فشلاً ذريعاً ومريعاً في كافة مناحي الحياة. أو يعود البعث، أو يأتي داعش ليفسد في الأرض، أو الميليشيات المسلحة المنفلتة غير القادرة على التعايش مع الآخر. حينها يمكن أن يتحوّل (العراق) بسهولة إلى محور لإرهاب مرعب، يزيد التعقيد على الأوضاع المعقدة الحالية، في منطقة تبسط فيها أمريكا هيمنتها وترتبط بعلاقات قوية مع العديد من دولها ويهمها حفظ أمنها.

باختصار شديد، لا أحب أمريكا ولا أدافع عنها، ولكن بناء الآمال على رمال صحراء انسحابها من العراق، سابق لأوانه، لأنّ أمريكا دولة مؤسسات تغيّر أولوياتها وتستطيع إعطاء جرعات الصدقية لسياساتها مع قدر كبير من الكذب والتدليس والترهيب والترغيب، وفي تاريخها تحولات لا يمكن التنبؤ بها. ولا تجرب المجهول وتستطيع معرفة الخيط الأبيض من الأسود بقوتها وقدرتها على إيجاد الشركاء والحلفاء. وفي أحايين كثيرة تدخل في اتفاقيات حتى مع من تسميهم (أعداء).

ليفانت – صبحي ساله يي

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit