أرشيفُ القهرِ السوريّ

عبير نصر
عبير نصر

على الرغم من أنّ المدنَ السورية تستعيدُ صورَ مدنِ الحرب العالمية الثانية: اقتصاد متهالك، بنى تحتية مدمرة، وجيوشُ أربع دول كبرى ترابط فوق أرضها، بالإضافة إلى عشراتِ المليشيات المسلحة والمدججة بالطائفية والمذهبية وخطاب الكراهية، إلا أنّ التهديدَ الأكبر الذي يواجه النظامَ السوري اليوم هو الأزمة الاقتصادية المتصاعدة، بينما يعمل على استلابِ السوريين وسحقهم بشتى أشكال القهر والذلّ.

عندما سُئل الأسد في لقاءٍ صحفيّ عن الانهيارِ الاقتصادي، والارتفاعِ الهائل في أسعار السلع الأساسية، والنقصِ المزمن في الوقود والخبز، وبحسب مصدرٍ مطلع على الحوار نقلت عنه صحيفة “نيويورك تايمز” المعلومات، أنّ الأسد أجاب: “نعم .. أنا أعرف”، إلا أنه لم يقدم أيَّ خطواتٍ ملموسة لوقف الأزمةِ حتى اللحظة.

ووفقاً لتقريرِ الصحيفة، فإنّ رأسَ النظام بدا بعيداً تماماً عما يجري في البلاد المنهارة، بعدما تحدّث عن مجموعةٍ من القوى ألقى عليها اللوم فيما وصلت إليه سوريا من ويلاتٍ ومنها: “وحشية” الرأسمالية العالمية، و”غسيل المخ” من قبل وسائل التواصل الاجتماعي و”النيوليبرالية”، ما اعتبرها مراقبون مصطلحات بعيدة تماماً عن معاناة السوريين على الأرض. وأبرز دليل على انفصامه أنّ حكومته البائسة قامت بزيادةِ أسعارِ الخبز والمازوت مجدداً، تزامناً مع قرارٍ رئاسي برفع الحدّ الأدنى للأجور، وهي المرة الثانية التي تُرفع فيها الأسعار خلال أشهرٍ قليلة، وسط أزمةٍ اقتصادية فاقمها مؤخراً الانهيار المالي والنقدي في لبنان الذي كان رئةً يتنفس منها الاقتصاد السوري.

ووفقاً للأسعار الجديدة، أصبح سعر ليتر المازوت (500) ليرة سورية بعدما كان محدداً بـ(180) ليرة لمعظم القطاعات و(135) ليرة للأفران، أي بزيادةٍ تجاوزت (170) بالمئة، بالإضافة إلى مضاعفةِ سعر ربطة الخبز ليصبح مئتي ليرة سورية مقارنة بمئة ليرة سابقاً. وبرّر النظامُ قرارَه بارتفاعِ أسعار النفط عالمياً والعقوباتِ الغربية المفروضة على دمشق. والحقيقة الجليّة أنّ مشكلةَ النظام الأساسية تتمحور حول فقدانه الموارد الغذائية والمائية والنفطية في شرق الفرات، بالإضافة إلى أنّ تجارته الخارجية معطلة، والمنافذ المفتوحة مع العراق والأردن لم تعمل كما ينبغي، وخزائنه فارغة، ومشاريعه لإعادة الإعمار تواجه تحدياً غير مسبوق، أما حلفاؤه هم أيضاً في وضعٍ غير مريح، وعرضةٍ لعقوباتٍ سابقة، وليس لديهم الكثير لتقديمه لحليفٍ يغرق في بحرٍ من التحديات، بعضها مفروضة عليه، وبعضها من صنع يديه.

المشهدُ السوري اليوم كارثةٌ حقيقية لا شك، بعدما أضحت السلعُ الأساسية نادرةً، يصطفُّ الناسُ في طوابير طويلة للحصول على القليل المتوفر منها بعد تدمير المصانع والزراعة. على سبيل المثال، ففي حلب، عاصمة سوريا الاقتصادية، تمَّ -وحسب تقريرٍ من بي بي سي البريطانية- تدميرُ (18) من أصل (20) مدينة صناعية خلال الحرب، وتمَّ حرقُ أو تفكيك آلاف المصانع الحديثة، ونقل تجهيزاتها إلى تركيا في سابقةٍ لم تحصل منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت المدينةُ مشهورةً بعدد مصانعها ومشاغلها الذي وصل إلى نحو (35) ألفاً، وفيها أهم مركز لصناعة الأقمشة والألبسة والأحذية في الشرق الأوسط. إلى جانب الصناعة تمَّ أيضاً تخريبُ قسمٍ حيوي من الجسور والطرق وتفكيك الخطوط الحديدية وبيعها كخردة، كما لحق الدمار بنحو سبعين بالمئة من محطات الكهرباء وخطوط الغاز والنفط، في وقتٍ تسيطر فيه “قوات سوريا الديمقراطية” وقوات أمريكية على النفط والغاز في شرق البلاد.

وبعد 2011، فإنّ واقعَ اصطفاف النظام السوري إلى جانب روسيا وإيران في مواجهة العالم، يعيدنا بالذاكرة إلى عام 1980 عندما دخلت سورية وسط قرارٍ غريبٍ لحافظ الأسد، أعلن فيه تأييده للثورة الخمينية في إيران والوقوف إلى جانبها في وجه العراق والدول الخليجية، التي قررت التصدي للمشروع الإيراني بتصديرِ الثورة وإثارةِ القلاقل بحجةِ حماية الشيعة الذين يعيشون في الدول العربية، فكلّف القرارُ سوريةَ توقف جميع المساعدات الخليجية المالية، والتي كانت تقدّر بأكثر من مليار ونصف المليار دولار سنوياً. ولعبت هذه الأموال دوراً كبيراً على مدى أكثر من عشر سنوات في حمايةِ الاقتصاد السوري من الانهيار في أعقاب حربين مدمرتين، في عام 1967 وعام 1973. على إثرها قامت إيران بتعويضِ سوريا عن المساعدات الخليجية، بمنحها مئة ألف برميل نفط يومياً، وكان حافظ الأسد، وبدل أن يضخّها في الاقتصاد السوري، يبيعها في الأسواق العالمية، ويضعها في حسابٍ خاص باسم ابنه باسل. وهي الفضيحة التي تكشفت خيوطها بعد موت الأخير عام 1994، إذ تبين وجود مبلغ (13) مليار دولار باسمه في أحد البنوك النمساوية، في وقتٍ مرت فيه سوريا بسنواتٍ عصيبة في الثمانينيات ومطلع التسعينيات، إذ كانت الموازنةُ العامة للدولة كلها لا تتجاوز الـ1.5 مليار دولار.

ورغم هذا الخناق الاقتصادي، ترك حافظ الأسد ثلّةً من الرجال، على رأسهم أخوته وأقرباؤه، يثْرون على حساب اقتصاد الدولة، لدرجةٍ أنّ أموالَ المساعدات الخليجية تمّ تبديدها بالكامل على يد رفعت الأسد، الذي استحوذ على قسمٍ كبير منها منذ بداية السبعينيات وحتى مطلع الثمانينيات، وراح يبني بها قوةً عسكرية خاصة به، تحولت لتكون بعد العام 1983، قوةً في مواجهة حافظ الأسد نفسه. كما قام الأخير بتكليف عبد الرؤوف الكسم بتشكيل حكومةٍ جديدة، مهمتها التصدّي للمستجداتِ والتحدياتِ الاقتصادية الطارئة، وكان ذلك في 14 كانون الثاني من عام 1980، وأول قرار اتخذته حكومة الكسم هو رفع أسعار كلّ شيء بنسبة تتراوح بين 100 بالمئة إلى 400 بالمئة بالنسبة لمواد البناء، مع زيادةِ رواتب بنسبة 25% للموظفين في الدولة. وحتى العام 1982، كان النظامُ قد أطبق الخناق على الشعبِ السوري، فتوقفت حركةُ العمل وزادت البطالةُ وزاد القمع، بينما كان حافظ الأسد يرفع من وتيرةِ الأزماتِ والتحديات في محاولةٍ لإشغال السوريين عن المطالبة بأبسط حقوقهم، فتارة إسرائيل وتارة أنور السادات وتارة أخرى الأخوان المسلمين والعراق. وزاد من صعوبةِ الأوضاع المعيشية إغلاقُ الدول الغنية أبوابها في وجه المواطن السوري، الذي أصبح بنظرهم إرهابياً يسعى لزعزعةِ الأمن والاستقرار فيها.

وهكذا، وخلال خمسة عقود، تحولت سوريا إلى خرابٍ تنعق على أطلالها غربان القوى العالمية الكبرى، وفي وقتٍ سابق أخذ الاقتصادُ السوري، منذ ظهور سوريا كدولةٍ حديثة، شكلاً أقرب للاقتصاد الرأسمالي، إلى جانب التشريعاتِ الاجتماعية التي كانت تواكب التطورَ الطبيعي للمجتمع، ليغدو من أنجح الاقتصادات في آسيا. والدليل أنّ إنذار غورو الشهير للحكومة العربية في دمشق، في 14 تموز 1920، حمل في بنوده السيطرةَ على الاقتصاد السوري من خلال التعامل مع العملاتِ الورقية التي يصدرها المصرف السوري اللبناني، كذلك تسليم مقدرات الدولة للاحتلال الفرنسي، وإبّان الحرب العالمية الثانية قامت فرنسا بربط الاقتصاد السوري باقتصادها المنهك في الحرب لدعمه. على هذا فإنّ الانهيارَ الاقتصادي المصاحب للسقوطِ المدوي للعملة الوطنية اليوم، وتبخرَ احتياطات الدولة من العملات الأجنبية، واشتدادَ الضائقة الاجتماعية وتآكل القدرات الشرائية للمواطنين، جميعها عوامل من شأنها أن تعود بالسوريين إلى ربيع العام 2011، وتعيد الاعتبار للشوارع والميادين السورية، التي ربما ستستقبل من جديدٍ حشود المتظاهرين الجياع والعاطلين عن العمل المكتوين بنيران الفساد والإفساد المتفشية في بنيةِ الدولة السورية.

ليفانت-  عبير نصر