هل أرسلت الثورة السورية رسائل طمأنة أم تهديد للعالم؟

 عبد الناصر الحسين

عند اندلاع نزاع حاد بين طرفين فإنّ كلاً منهما سيعمل على تحييد الأطراف الأخرى كيلا يتكاثر الخصوم فتتعقد الأمور، ومن الوسائل المستخدمة في عملية التحييد ما يسمى بـ«رسائل التطمين»، وهي التي تأتي على شكل رسائل مباشرة أو أخرى غير مباشرة يتم تمريرها من خلال الأحداث والمواقف.

الهدف الأساس من تلك الرسائل هو إيصال فكرة مفادها «أن صراعي ليس معك»، وإنما هو مع هذه الجهة التي أتصادم معها بشكل مباشر. وعلينا الإقرار أن هذا المبدأ في السياسة لا يحتاج مزيداً من التفكير لاستنتاجه فهو أمر بدهي شديد الوضوح، بل إنه أمر فطري يمارسه أطفال الحارة ونساء الحي، وكل التجمعات البشرية التي تنشب فيها نزاعات، فتجد أن الاصطفافات تأخذ طبيعة تلقائية عفوية مع شيء من التخطيط.

للأسف هذه البديهة غابت عن نخب الثورة السورية التي في معظمها لم تدرك خطورة إرسال الرسائل الخاطئة ذات المضمون التهديدي والمتحدي لهذه الجهة أو تلك، حتى أمكن القول: إن ثورة السوريين- وبحكم الممسكين بقرارها- لم تترك رسالة تهديد إلا وأرسلتها هنا وهناك.

لا يمكن لوم الثورة السورية على الرسائل الخاطئة تلك، لأن ثورة الشعب السوري بنسختها الأصلية نجحت بإرسال أجمل الرسائل للعالم كله، في سلميتها وعفويتها وسموِّ أهدافها ونبل غاياتها، لكن الذي أرسل الرسائل المسمومة من داخل الثورة، هم القابضون على مفاصل الثورة من جماعة «الإسلام المسيس»، المرتبطين بجهات خارجية محددة، لها أهداف مختلفة كلياً عن أهداف السوريين المطالبين بالحرية والكرامة.

كان من الأهمية بمكان أن توصل الثورة السورية للعالم كله أننا كـسوريين ثرنا ضد هذا النظام لا ضد العالم، ونحن معنيون بالقضية السورية لا بقضايا اخرى، ولا نعادي أحداً لم يشارك فعلياً «لا استنتاجاً» في قتل أهلنا. نشكر من يدعمنا ونندد بمن يحاربنا، ولسنا مهتمين بمراجعة كل التاريخ وكل الجغرافيا لنبحث عن أعداء غير موجودين في «الملحمة السورية» الدامية.

معظم الرسائل الخاطئة التي أرسلتها جهات محسوبة على الثورة السورية جاءت مغلفة بالمقدس الشرعي لتبرر للناس صوابية ما يفعلون، علماً بأن أسوأ ما يمكن أن يفعله أولو الشأن هو تغليف الألاعيب الشيطانية بالنصوص المقدسة، ليسهل تمريرها، وكأنها ركن شرعي أصيل يأثم تاركه.

إذاً كان على قوى الثورة السورية إرسال رسائل الطمأنة إلى العالم بطريقة أو بأخرى، بأنّ سوريا المستقبل لن تحتضن «الإرهاب»، وهي لا تهواه ولا تغواه. وأن سوريا المستقبل غير مغرمة بحيازة «أسلحة الدمار» الشامل ولا هي معنية بهذه الزمر من السلاح، وليست دولة منخرطة في سباق التسلح، وإنما هي دولة مستعدة ومتحفزة لتنخرط بسباق النهضة وسباق الحضارة والعصرنة، ومهتمة بالفوز بسباق التنمية والبناء، لا بسباق التدمير الشامل.

كما يجب طمأنة العالم أن سوريا متصالحة مع جيرانها، ويجب أن تصل الرسالة أن سوريا المستقبل لن تقوم بتسخين «جبهة الجولان» وإنما ستتابع ما اتقفت عليه الدولاتان، سوريا واسرائيل، في عام /١٩٧٤/ ثم بعد ذلك تطالب بحقها بالجولان.

ومن المهم كذلك طمأنة العالم بأن سوريا لن تتدخل بشؤون الدول الأخرى لأنها ليست معنية بتلك البرامج الطائشة، فهذا كلام العقلاء، لكن للأسف الشديد هذا الكلام الذي يبدو الآن بدهياً وجدنا أنه جدلي وليس بدهياً، فيبدو أن هناك أطرافاً محسوبة على الثورة السورية جاهزة من الآن للتدخل السافر في صراعات الدول الأخرى.

ومن المفيد تطمين العالم أن سوريا دولة مدنية عصرية، بنظام ديموقراطي تعددي، يحقق السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، وهي دولة المواطنة لكل السوريين. وليست خلافة إسلامية تتدخل بكل العالم من بوابة مبدأ «الولاء والبراء».

كما يتحتم على المعنيين بالثورة السورية تطمين العالم العربي أن سوريا جزء من «المنطقة العربية» ولا يقلقوا العرب بتمجيد «العجم»، وسوف تنخرط في مفاعيل العمل العربي المشترك وتطوره.

إن الجهات التي تصدرت المشهد الثوري في سوريا أرسلت كل رسائل التهديد وفي كل الاتجاهات!. فأرسلت للعالم (القلق من تنظيمات القاعدة) أن الثورة السورية- بشقها العسكري- تهيمن عليه القاعدة. وأرسلت للدول العربية (الغاضبة من مشاريع الإخوان المسلمين التدميرية) أن الإخوان المسلمين هم الذين يقودون الجانب السياسي في الثورة السورية. وأرسلت إلى إسرائيل رسائل التهديد والوعيد بأن (تحرير القدس يبدأ من دمشق). وأرسلت رسائل فوضوية شتى تنذر بأن سوريا المستقبل ستكون ضالعة في الشؤون الخاصة لدول مختلفة، وذلك بعد المشاركة في القتال في ليبيا وأذربيجان.

من الصعب تمرير المشروع الثوري في سوريا عندما يصر أصحابه على تحدي العالم بأسره، مع أن الثورة السورية بمعناها الشعبي تستحق من العالم كل دعم ومناصرة.

  عبد الناصر الحسين

ليفانت – عبد الناصر الحسين

عند اندلاع نزاع حاد بين طرفين فإنّ كلاً منهما سيعمل على تحييد الأطراف الأخرى كيلا يتكاثر الخصوم فتتعقد الأمور، ومن الوسائل المستخدمة في عملية التحييد ما يسمى بـ«رسائل التطمين»، وهي التي تأتي على شكل رسائل مباشرة أو أخرى غير مباشرة يتم تمريرها من خلال الأحداث والمواقف.

الهدف الأساس من تلك الرسائل هو إيصال فكرة مفادها «أن صراعي ليس معك»، وإنما هو مع هذه الجهة التي أتصادم معها بشكل مباشر. وعلينا الإقرار أن هذا المبدأ في السياسة لا يحتاج مزيداً من التفكير لاستنتاجه فهو أمر بدهي شديد الوضوح، بل إنه أمر فطري يمارسه أطفال الحارة ونساء الحي، وكل التجمعات البشرية التي تنشب فيها نزاعات، فتجد أن الاصطفافات تأخذ طبيعة تلقائية عفوية مع شيء من التخطيط.

للأسف هذه البديهة غابت عن نخب الثورة السورية التي في معظمها لم تدرك خطورة إرسال الرسائل الخاطئة ذات المضمون التهديدي والمتحدي لهذه الجهة أو تلك، حتى أمكن القول: إن ثورة السوريين- وبحكم الممسكين بقرارها- لم تترك رسالة تهديد إلا وأرسلتها هنا وهناك.

لا يمكن لوم الثورة السورية على الرسائل الخاطئة تلك، لأن ثورة الشعب السوري بنسختها الأصلية نجحت بإرسال أجمل الرسائل للعالم كله، في سلميتها وعفويتها وسموِّ أهدافها ونبل غاياتها، لكن الذي أرسل الرسائل المسمومة من داخل الثورة، هم القابضون على مفاصل الثورة من جماعة «الإسلام المسيس»، المرتبطين بجهات خارجية محددة، لها أهداف مختلفة كلياً عن أهداف السوريين المطالبين بالحرية والكرامة.

كان من الأهمية بمكان أن توصل الثورة السورية للعالم كله أننا كـسوريين ثرنا ضد هذا النظام لا ضد العالم، ونحن معنيون بالقضية السورية لا بقضايا اخرى، ولا نعادي أحداً لم يشارك فعلياً «لا استنتاجاً» في قتل أهلنا. نشكر من يدعمنا ونندد بمن يحاربنا، ولسنا مهتمين بمراجعة كل التاريخ وكل الجغرافيا لنبحث عن أعداء غير موجودين في «الملحمة السورية» الدامية.

معظم الرسائل الخاطئة التي أرسلتها جهات محسوبة على الثورة السورية جاءت مغلفة بالمقدس الشرعي لتبرر للناس صوابية ما يفعلون، علماً بأن أسوأ ما يمكن أن يفعله أولو الشأن هو تغليف الألاعيب الشيطانية بالنصوص المقدسة، ليسهل تمريرها، وكأنها ركن شرعي أصيل يأثم تاركه.

إذاً كان على قوى الثورة السورية إرسال رسائل الطمأنة إلى العالم بطريقة أو بأخرى، بأنّ سوريا المستقبل لن تحتضن «الإرهاب»، وهي لا تهواه ولا تغواه. وأن سوريا المستقبل غير مغرمة بحيازة «أسلحة الدمار» الشامل ولا هي معنية بهذه الزمر من السلاح، وليست دولة منخرطة في سباق التسلح، وإنما هي دولة مستعدة ومتحفزة لتنخرط بسباق النهضة وسباق الحضارة والعصرنة، ومهتمة بالفوز بسباق التنمية والبناء، لا بسباق التدمير الشامل.

كما يجب طمأنة العالم أن سوريا متصالحة مع جيرانها، ويجب أن تصل الرسالة أن سوريا المستقبل لن تقوم بتسخين «جبهة الجولان» وإنما ستتابع ما اتقفت عليه الدولاتان، سوريا واسرائيل، في عام /١٩٧٤/ ثم بعد ذلك تطالب بحقها بالجولان.

ومن المهم كذلك طمأنة العالم بأن سوريا لن تتدخل بشؤون الدول الأخرى لأنها ليست معنية بتلك البرامج الطائشة، فهذا كلام العقلاء، لكن للأسف الشديد هذا الكلام الذي يبدو الآن بدهياً وجدنا أنه جدلي وليس بدهياً، فيبدو أن هناك أطرافاً محسوبة على الثورة السورية جاهزة من الآن للتدخل السافر في صراعات الدول الأخرى.

ومن المفيد تطمين العالم أن سوريا دولة مدنية عصرية، بنظام ديموقراطي تعددي، يحقق السلم الأهلي والعدالة الانتقالية، وهي دولة المواطنة لكل السوريين. وليست خلافة إسلامية تتدخل بكل العالم من بوابة مبدأ «الولاء والبراء».

كما يتحتم على المعنيين بالثورة السورية تطمين العالم العربي أن سوريا جزء من «المنطقة العربية» ولا يقلقوا العرب بتمجيد «العجم»، وسوف تنخرط في مفاعيل العمل العربي المشترك وتطوره.

إن الجهات التي تصدرت المشهد الثوري في سوريا أرسلت كل رسائل التهديد وفي كل الاتجاهات!. فأرسلت للعالم (القلق من تنظيمات القاعدة) أن الثورة السورية- بشقها العسكري- تهيمن عليه القاعدة. وأرسلت للدول العربية (الغاضبة من مشاريع الإخوان المسلمين التدميرية) أن الإخوان المسلمين هم الذين يقودون الجانب السياسي في الثورة السورية. وأرسلت إلى إسرائيل رسائل التهديد والوعيد بأن (تحرير القدس يبدأ من دمشق). وأرسلت رسائل فوضوية شتى تنذر بأن سوريا المستقبل ستكون ضالعة في الشؤون الخاصة لدول مختلفة، وذلك بعد المشاركة في القتال في ليبيا وأذربيجان.

من الصعب تمرير المشروع الثوري في سوريا عندما يصر أصحابه على تحدي العالم بأسره، مع أن الثورة السورية بمعناها الشعبي تستحق من العالم كل دعم ومناصرة.

  عبد الناصر الحسين

ليفانت – عبد الناصر الحسين

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit