هزيمة حزيران وعسكَرَة السياسة في سوريا

طارق عزيزة
طارق عزيزة

يؤرَّخ لاحتلال الجولان السوريّ بهزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وهذا صحيح من الناحية العملية. لكنّ مقاربةً تاريخية وسياسية أكثر شمولاً، تتيح القول بأنّ سقوطه بدأ منذ سقط الجيش السوري في أيدي ثلّة من المغامرين قليلي الوطنية والخبرة، تتويجاً لمسار ابتلاء الجيش بـ”سوسة السياسة”، وابتلاء السياسة بسوء العسكر، ومن ثمّ تسييس الجيش وعسكرة الحياة السياسية السورية.

مع نهاية آذار (مارس) 1949، افتتح حسني الزعيم مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا، معكّراً صفو التجربة السورية الفتية في الديمقراطية، قبل أن يُسقطه انقلاب عسكري قاده سامي الحنّاوي، منتصف آب (أغسطس) من العام نفسه. وقبل نهاية العام بأيام، قاد أديب الشيشكلي الانقلاب الثالث، فشارك بعض السياسيين وحكمَ من خلف ستار، ثم استأثر بالحكم صيف عام 1953، إلى أن طويت صفحة حكمه بتحرّك للجيش، في شباط (فبراير) من العام التالي. وعلى غير عادة العسكر، سلّم الضبّاط الذين أطاحوا بالشيشكلي السلطة للسياسيين، فعادت الحياة إلى طبيعتها، واستأنف السوريون تجربتهم الديمقراطية الناشئة، لكن إلى حين. ففي ما يشبه فرض أمرٍ واقع عبر “انقلاب أبيض”، نفذه البعثيون وعدد من الضبّاط، قُدِّمت سوريا هديةً لنظام جمال عبد الناصر، باسم الوحدة، سنة 1958.

كانت الحريات السياسية والحياة الحزبية والممارسات الديمقراطية أولى ضحايا الوحدة، وحملت “الجمهورية العربية المتحدة” للسوريين، من جملة ما حملت، التجربة القمعية الرهيبة لأجهزة عبد الناصر الأمنية، بخبراتها التي روّضت المصريين، واستمرّ نهجها في سوريا رغم زوال “دولة الوحدة”، أيضاً بانقلاب عسكري أواخر أيلول (سبتمبر) 1961. وانتهى عهد “الانفصال” بالانقلاب الذي حمل “حزب البعث” إلى السلطة، صبيحة ذلك اليوم المشؤوم من آذار 1963، لتبدأ صراعات الضباط البعثيين فيما بينهم، ومن محطاتها الأبرز “حركة” 23 شباط (فبراير) 1966، آخر انقلاب قبل الهزيمة الحزيرانية.

الانقلابات الأولى بين 1949 و1954، ورغم أنّها وضعت اللبنات الأولى لتسييس الجيش السوري وانخراطه المباشر في السياسة، لكنها لم تؤثّر على هيكليته وقدراته البشرية، وبالكاد انحصرت في تغييرات على مستوى القيادة والمراكز الهامّة. غير أنّ النتائج الكارثية لتسييس الجيش وتأثيره وتأثّره بالصراعات السياسية، برزت بعد الوحدة السورية المصرية، وإرساء الحكم الناصري نهجاً يقوم على الإقصاء وعقلية “التطهير”، والذي استمر بعد الانفصال، وتطوّر باضطراد في الحقبة البعثية ثم الأسدية. لقد كانت عمليات “التطهير” التي لم تتوقّف منذ الوحدة وحتى عشية الهزيمة، من أكبر المصائب التي حلّت بالجيش السوري، إذ طالت آلاف الكوادر الكفوءة والمدرّبة، من ضبّاط وصفّ ضباط. والأنكى أنّ أركان السلطة البعثية استدعوا محازبيهم ومحاسيبهم من معلّمي المدارس بصفة “ضبّاط احتياط” لسدّ النقص البشري الفادح في الجيش.

ومن مآثر عسكر البعث الكارثية بحق الجيش (وسبق لعبد الناصر وضبّاطه الأحرار فعله عند استيلائهم على السلطة في مصر)، الترفيعات الاستثنائية والرتب الرفيعة التي منحوها لأنفسهم، لإضفاء شيء من الشرعية الشكلية على تقلّد المناصب العسكرية العليا. فإنّ انتقال الضابط إلى رتبة أعلى يتطلّب اتّباع دورات تدريبية والخضوع لاختبارات، فضلاً عن قضاء مدّة في كلّ رتبة ليصبح مؤهّلاً للترفيع. لكنّ هذا كلّه لم يكن له قيمة عند طغمة البعث العسكرية. لقد كانوا من مراتب متوسطة وخبرات محدودة من ناحية التأهيل العسكري الفعلي، وبين ليلة وضحاها باتوا جنرالات يمسكون بجيش كامل، فقادوا البلاد إلى الهزيمة.

هذا عن مسؤولية عسكر البعث ونظامه بصورة عامّة. أمّا المسؤولية المباشرة والحاسمة في السقوط الفعلي والنهائي، فهي تقع على عاتق حافظ الأسد، من موقعه حينها كوزير دفاع قوي ممسك بمفاصل الجيش كافّة، وكذلك نتيجة إصداره “البيان رقم 66” سيّء الصيت، الذي أعلن فيه كذباً سقوط القنيطرة، والأثر البالغ لذلك البيان في تحوّل مجرى الأحداث، وبدء “الانسحاب الكيفي” الذي ساهم في الانهيار السريع والكامل للقوات، وبالتالي تسليم الجولان دون قتال تقريباً.

وبدلاً من التنحّي وتحمّل مسؤولية الهزيمة، ازداد تمسّك الأسد وزمرته بالسلطة، وعمل على تصفية كل من يشكّ في ولائه داخل الجيش وخارجه. وخشية ظهور تحدّيات تهدّد سلطته نتيجة الهزيمة المذلّة، عزّز أجهزة الأمن القائمة وأنشأ أخرى جديدة ليطبق على كافة مفاصل الدولة والمجتمع، يحرّكه هاجس البقاء في السلطة والحفاظ عليها، دون اكتراث لمتطلّبات الدفاع والاستحقاقات التي تقتضيها استعادة الأراضي المحتلّة، وصولاً إلى الإطاحة برفاقه والانفراد بالحكم منذ خريف 1970 حتى موته، وتوريث البلاد لابنه.

في ذكرى الهزيمة المستمرّة، ربما يفيد الاعتراف أنّ حالة “العسكرة” التي طغت على الثورة السورية، فحرفتها عن مشروعها الديمقراطي الأول وحوّلتها في اتّجاهات أخرى، هي في أحد أوجهها استمرار لحالة عسكرة الحياة السياسية، تلك الظاهرة المرَضيّة المتجذّرة في تاريخ سوريا المعاصر، بما تعنيه من ارتباط التغيير بالعنف وقوّة العسكر. وعندما يسلم خصوم السياسة أمرهم لأصحاب الزي العسكري، جيوشاً كانوا أو ميليشيات، فهذا يعني استمرار تسلّط العسكر على البلاد، وإعادة إنتاج الكارثة، بصرف النظر عن هوية من يحسم الصراع لصالحه.

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

يؤرَّخ لاحتلال الجولان السوريّ بهزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، وهذا صحيح من الناحية العملية. لكنّ مقاربةً تاريخية وسياسية أكثر شمولاً، تتيح القول بأنّ سقوطه بدأ منذ سقط الجيش السوري في أيدي ثلّة من المغامرين قليلي الوطنية والخبرة، تتويجاً لمسار ابتلاء الجيش بـ”سوسة السياسة”، وابتلاء السياسة بسوء العسكر، ومن ثمّ تسييس الجيش وعسكرة الحياة السياسية السورية.

مع نهاية آذار (مارس) 1949، افتتح حسني الزعيم مسلسل الانقلابات العسكرية في سوريا، معكّراً صفو التجربة السورية الفتية في الديمقراطية، قبل أن يُسقطه انقلاب عسكري قاده سامي الحنّاوي، منتصف آب (أغسطس) من العام نفسه. وقبل نهاية العام بأيام، قاد أديب الشيشكلي الانقلاب الثالث، فشارك بعض السياسيين وحكمَ من خلف ستار، ثم استأثر بالحكم صيف عام 1953، إلى أن طويت صفحة حكمه بتحرّك للجيش، في شباط (فبراير) من العام التالي. وعلى غير عادة العسكر، سلّم الضبّاط الذين أطاحوا بالشيشكلي السلطة للسياسيين، فعادت الحياة إلى طبيعتها، واستأنف السوريون تجربتهم الديمقراطية الناشئة، لكن إلى حين. ففي ما يشبه فرض أمرٍ واقع عبر “انقلاب أبيض”، نفذه البعثيون وعدد من الضبّاط، قُدِّمت سوريا هديةً لنظام جمال عبد الناصر، باسم الوحدة، سنة 1958.

كانت الحريات السياسية والحياة الحزبية والممارسات الديمقراطية أولى ضحايا الوحدة، وحملت “الجمهورية العربية المتحدة” للسوريين، من جملة ما حملت، التجربة القمعية الرهيبة لأجهزة عبد الناصر الأمنية، بخبراتها التي روّضت المصريين، واستمرّ نهجها في سوريا رغم زوال “دولة الوحدة”، أيضاً بانقلاب عسكري أواخر أيلول (سبتمبر) 1961. وانتهى عهد “الانفصال” بالانقلاب الذي حمل “حزب البعث” إلى السلطة، صبيحة ذلك اليوم المشؤوم من آذار 1963، لتبدأ صراعات الضباط البعثيين فيما بينهم، ومن محطاتها الأبرز “حركة” 23 شباط (فبراير) 1966، آخر انقلاب قبل الهزيمة الحزيرانية.

الانقلابات الأولى بين 1949 و1954، ورغم أنّها وضعت اللبنات الأولى لتسييس الجيش السوري وانخراطه المباشر في السياسة، لكنها لم تؤثّر على هيكليته وقدراته البشرية، وبالكاد انحصرت في تغييرات على مستوى القيادة والمراكز الهامّة. غير أنّ النتائج الكارثية لتسييس الجيش وتأثيره وتأثّره بالصراعات السياسية، برزت بعد الوحدة السورية المصرية، وإرساء الحكم الناصري نهجاً يقوم على الإقصاء وعقلية “التطهير”، والذي استمر بعد الانفصال، وتطوّر باضطراد في الحقبة البعثية ثم الأسدية. لقد كانت عمليات “التطهير” التي لم تتوقّف منذ الوحدة وحتى عشية الهزيمة، من أكبر المصائب التي حلّت بالجيش السوري، إذ طالت آلاف الكوادر الكفوءة والمدرّبة، من ضبّاط وصفّ ضباط. والأنكى أنّ أركان السلطة البعثية استدعوا محازبيهم ومحاسيبهم من معلّمي المدارس بصفة “ضبّاط احتياط” لسدّ النقص البشري الفادح في الجيش.

ومن مآثر عسكر البعث الكارثية بحق الجيش (وسبق لعبد الناصر وضبّاطه الأحرار فعله عند استيلائهم على السلطة في مصر)، الترفيعات الاستثنائية والرتب الرفيعة التي منحوها لأنفسهم، لإضفاء شيء من الشرعية الشكلية على تقلّد المناصب العسكرية العليا. فإنّ انتقال الضابط إلى رتبة أعلى يتطلّب اتّباع دورات تدريبية والخضوع لاختبارات، فضلاً عن قضاء مدّة في كلّ رتبة ليصبح مؤهّلاً للترفيع. لكنّ هذا كلّه لم يكن له قيمة عند طغمة البعث العسكرية. لقد كانوا من مراتب متوسطة وخبرات محدودة من ناحية التأهيل العسكري الفعلي، وبين ليلة وضحاها باتوا جنرالات يمسكون بجيش كامل، فقادوا البلاد إلى الهزيمة.

هذا عن مسؤولية عسكر البعث ونظامه بصورة عامّة. أمّا المسؤولية المباشرة والحاسمة في السقوط الفعلي والنهائي، فهي تقع على عاتق حافظ الأسد، من موقعه حينها كوزير دفاع قوي ممسك بمفاصل الجيش كافّة، وكذلك نتيجة إصداره “البيان رقم 66” سيّء الصيت، الذي أعلن فيه كذباً سقوط القنيطرة، والأثر البالغ لذلك البيان في تحوّل مجرى الأحداث، وبدء “الانسحاب الكيفي” الذي ساهم في الانهيار السريع والكامل للقوات، وبالتالي تسليم الجولان دون قتال تقريباً.

وبدلاً من التنحّي وتحمّل مسؤولية الهزيمة، ازداد تمسّك الأسد وزمرته بالسلطة، وعمل على تصفية كل من يشكّ في ولائه داخل الجيش وخارجه. وخشية ظهور تحدّيات تهدّد سلطته نتيجة الهزيمة المذلّة، عزّز أجهزة الأمن القائمة وأنشأ أخرى جديدة ليطبق على كافة مفاصل الدولة والمجتمع، يحرّكه هاجس البقاء في السلطة والحفاظ عليها، دون اكتراث لمتطلّبات الدفاع والاستحقاقات التي تقتضيها استعادة الأراضي المحتلّة، وصولاً إلى الإطاحة برفاقه والانفراد بالحكم منذ خريف 1970 حتى موته، وتوريث البلاد لابنه.

في ذكرى الهزيمة المستمرّة، ربما يفيد الاعتراف أنّ حالة “العسكرة” التي طغت على الثورة السورية، فحرفتها عن مشروعها الديمقراطي الأول وحوّلتها في اتّجاهات أخرى، هي في أحد أوجهها استمرار لحالة عسكرة الحياة السياسية، تلك الظاهرة المرَضيّة المتجذّرة في تاريخ سوريا المعاصر، بما تعنيه من ارتباط التغيير بالعنف وقوّة العسكر. وعندما يسلم خصوم السياسة أمرهم لأصحاب الزي العسكري، جيوشاً كانوا أو ميليشيات، فهذا يعني استمرار تسلّط العسكر على البلاد، وإعادة إنتاج الكارثة، بصرف النظر عن هوية من يحسم الصراع لصالحه.

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit