هزائم حزيران: اغتراب العقل وبؤس الثقافة

جمال الشوفي
جمال الشوفي

لم تعد تثير دهشتي انتشار ثقافة الموت كالنار في الهشيم، وكأن الموت عودة فلسفية للغة الخلق الأولى، فبلا الموت لا خلق يتجدد. ومع أنها ثقافة دون الفلسفة بوصفها حكمة العقل والنمو والتقدم، لكنها قد تحمل في مفاهيمها موضوع التغيير والتفاوت الزمني ونهاية عصر وبداية آخر. هذا مع أنه من المبكر جداً القول بأن هذا الجديد الذي يبنى على ثقافة الموت مبشر بالخير أو بالفلاح والصلاح.

ما بات يثير لا الدهشة وحسب، بل الغرابة والاستهجان، لدرجة أن يشتّ العقل عن ناصيته ويتساءل عن أعجوبة ما يجري، فعودة بناء الأصنام من العجوة (التمر)، ومن بعد أكلها حين يأتي موسم الجفاف وانحسار الطعام، في مشابهة تاريخية لعصر الظلمات العربي في عبادة الأصنام، أو ما أطلقنا عليه زمن الجاهلية. وليتها توقفت القصة هنا، لقلنا إنها دينامية الحياة، فالأكل حاجة رئيسة للاستمرار وهذا تقدم، لكن أن يقف كل قوم أمام صنمه الفكري والأيديولوجي يأكلونه ويستنفذون كل أفكاره، مصرين على أحقيته وصدقه المطلق، ومن ثم يرمون بذوره وأداليجهم ومسلماتهم على الآخرين في فعل تراشقي تهكمي لا يقبل بالآخر، فهذا مشهد لا يدلل سوى على الإفلاس العام واستسهال القذف والذم وعدم القدرة على توليد البدائل. وهذا ما قد يبرر فعلياً، أو ممهد لانتشار فلسفة الموت وثقافته حين لا يجد الشباب بيئة صالحة للحياة. والطامة الكبرى أنهم لا يمتلكون لليوم القدرة على مواجه فعل القذف الأيديولوجي هذا ومقاومة صيرورة الهدم المستمرة لليوم.

لغاية ماكرة في تاريخ الزمن الحاضر، يبدو أنه عصر الجريمة الكبرى في شباب وفكر أمة تنازع في دَركها الأخير.

كما الكثير ممن حاولوا تفسير مجريات الحدث العربي في مدنه وعواصمه، في توافد شعوبه ونزعتهم نحو الحرية والعدالة وثقافة الحياة، لطالما حاولت البحث في أسباب ومجريات المتغيرات الدامية التي ساقتها أحداث هذه البلاد إلى الموت والهدم الجماعي، بالتهجير والتنكيل وانتشار ثقافات الفرز المجتمعي، دينياً ومذهبياً، وتعميم المظلوميات وغيرها من بوابات سياسية متعددة. وقد تبدو هذه محط دراسات فكرية سياسية قابلة للنقد والتحليل في تفسير المشهد بعموميته، لكن، وهذه الـ”لكن” مرة أخرى استدراك في الحضور ونقد في المضمون وفاتحة ما بعدها. لكن أتت ذكرى ما يسمونها النكسة في الخامس من حزيران لعام 1967 متواقتة مع مجريات حدث القدس بعد ما يزيد عن نصف قرن. وكأنه ليعيد الدلالة، لا على ماضي هذه الأمة في عبادة أصنامها وحسب، بل ليشير إلى ثقافة التكرار المرير في صناعة الأصنام ومن ثم اجتياحها ورمي الآخرين ببقاياها عن سبق وإصرار وعمد، “فصنمي أقوى من صنمك”، وبين صراع الأصنام هذه تتماوت أمة ويذهب جيلاً وراء جيل هدراً.

ذاك يقول لبيك يا حسين، وآخر لبيك يا علي، وعلى ضفة أخرى لبيك يا رسول الله! لبيك يا حمزة لبيك يا صلاح الدين! ولا عجب أن يختلط الحابل بالنابل وتبرز مقولة من أجلك يا قاسم سليماني أيضاً، فهذه مقاومة فلسطينية إسلامية تتاجر بالفلسطينيين ومصيرهم، وتلكم سياسيون يرددون جمل الحرب على الإرهاب والمقاومة وتحرير القدس والوصول إليها من حلب، من القلمون، على جثث الشباب السوري، ومتمركسون لم يملوا ولن يملوا أبداً، من أن وهم قيادة الثورة والجماهير حقهم ومنوط بالجماهير أن تتبعهم وإلا فهم، الجماهير، متخلفون جاهلون ويحتاجون للتوعية والوعي. وأي وعي يقال فيه أن المرء في أصغريه، قلبه ولسانه، فكيف للوعي أن ينتقل أو ينتشر إذا لم يكن مبعثه مشاكل الناس ومصائرهم وحاجياتهم لا قيادتهم والتضحية بهم للوصول لسلطة يحلم بها فلان وعلان، ولا تقف المسألة هنا فرهط من القوميين أصروا ويصروا على رؤية القومية العربية بديلاً عن دولة المواطنة والحريات، فهم “بعثيون” ضد البعث الحاكم لأنهم لم يستلموا السلطة بدلاً عنه يوماً، وما زالوا لليوم يكررون وصفهم لدول الخليج مثلاً بدول البعير والبترودولار لأنها لم تقف بجانبهم، فعن أية قومية نتحدث إذاً؟ وعن أي رهان نتكلم؟ إلا إن كان المقصود هو استلام السلطة بالقوة أو بأي طريقة ما، “وحدة طيف وحدة كيفما شِئت أقدمي”، وعندها سيتبعك العرب والعربان والعاربة في رحلة تحرير القدس.

يا لبؤسنا! ويا لبؤس هذه الثقافات والأداليج! ويا لبؤس العقل والثقافة التي اجتاحت الماضي وتصرّ على اجتراره وتكراره وإعادة إنتاج ثقافة الموت وتمويت الأحلام وهدر الاختلاف والتضحية بكل القيم التي يمكن أن تبني حاضراً ومستقبلاً مختلفاً أساسه المواطنة والتعاقد الاجتماعي على الحرية والكرامة وفتح بوابات المستقبل للحياة لا لثقافة الموت.

لم تكن نكسة أبداً، بل هزيمة عقل وفكر وثقافة تتكرر اليوم والأمس والغد، ما دامت ذات العقلية والثقافة هي الحاكمة، ذات الموروث الذي لا يؤمن بتغيير العصر، باختلاف مفاهيهمه وبالضرورة تطور عقله، لا يعطي فرصة لجيل الشباب المدني والقيمي والتواق للحرية ولفتح بوابات المستقبل المختلفة أن يجد مكاناً له لليوم. هي هزيمة عنوانها ليس سياسياً وحسب، بل هزيمة العقل عندما يفقد هويته، والعقل هوية الوجود، والوجود المتعين اليوم بمعطياته يكرر ذات النزعة المهيمنة ببناء الأصنام والمقدسات الفكرية واللغوية والاستمرار في اجترارها إلى ما شاء الله.

لم ينحنِ قوس ظهر هذه الأمة بعد على آخره، لكن قدرة شبابه ومفكريه ومثقفيه ووجدانه الكامن على خوض هذا البحر المتلاطم من ثقافة الموت وبؤس العقل والأيديولوجية هي التي تصطدم لليوم بحواجز المقدس والمغرق في الهدم والتخدير. فإن كان لابد من عكس مسار الهزائم المتتالية هذه، فعلى جيل الشباب السوري والفلسطيني والمصري والعراقي وكل عواصم الربيع الذي لم يزهر بعد، عليه أن يستعيد أسطورة النمو حين يمد الطفل يده ليطال القمر، ثابت في الأرض، متطاول نحو السماء، حالم يرفض الاستسلام لثقافة وأداليج الموت هذه. فإن كانت إسرائيل ثقافة تهجير واستيطان عنفي بذاتها، فلم تكن يوماً ثقافة حكومات العسكر وأداليج العربان المشوهة بديل لها، بل هي ذاتها الثقافة التي حكمت على أجيال الشباب بالموت هجرة والاختناق في ذاتها وإمكانياتها قهراً.

العقل هوية وجود مفادها الحد والفرق والتمييز، تمييز بين الحق والباطل، وفرق بين الشر والخير وحدٌّ على النفس الأمارة بالسوء، وعلى مسار الهدم الذاتي هذا. العقل قدرة على الاستمرار في إقامة العدالة لا الاستئثار بالحقوق والسلطات. والعقل فعل التغير والتطور لا معاندته بالمسلمات والماضويات. فإن كان فعل العقل اليوم الذي يحاوله جيل الشباب السلمي والمدني هو هوية تتشكل، فإنّ ممارسة الأداليج لثقافة الصنمية والموت الجزافي اغتراب وبؤس لا نهاية له، يسهل على إسرائيل وأمم الأرض الأخرى، مهمة استكمال ابتلاعنا وتاريخنا وحاضرنا واستقطاب شبابنا وإمكانياتهم! والنتيجة تكرار الهزائم وادعاء النصر الزائف، لكن على من؟ على شباب يحب الحياة وينبذ ثقافة الموت وبؤس الثقافة هذه.
جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي