نداء للعودة إلى الحراك الوطني الديمقراطي

درويش خليفة

مرّت على الثورة السورية الكثير من المحطات التي كانت في معظمها معادية لمطالب الشعب السوري المنادي بالحرية والدولة العصرية الديمقراطية، وفق أسس تقوم على العدالة واحترام القانون والتعددية الحزبية ووجود نقابات ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة. 

بالمقابل، المشروع الأسدي المعادي لتطلعات السوريين لم يترك وسيلة للقمع إلا ومارسها بحق الشعب السوري، بدءاً من تطييف المجتمع وجرّه إلى التسلّح، وليس انتهاءً بجلب كل شذاذ الآفاق الذين لا يرون من سوريا سوى الأضرحة والمقامات وإراقة الدماء من خلال اللطم ونشر المذهبية، وبالتالي عسكرة المجتمع وتطيفيه. فيما بعد وجد السوريون أنفسهم أمام آلة عسكرية طائشة تقتل يمنة ويسرة، بلا رادع وطني أو أخلاقي.

قابل مذهبة المجتمع السوري، حالة مدعومة من أطراف إقليمية، تحتم عليها مصالحها الأيديولوجية الذهاب بعيداً في حرف مطالب الشعب السوري والانفكاك عن سلطة الاستبداد والقمع ومصادرة حريتهم والتعبير عن آرائهم وممارسة حياتهم الطبيعية، وفق إجماعٍ وطني، آخذاً بعين الاعتبار مصالح كل طبقات المجتمع السوري.

وهنا علينا الاعتراف، أنّ الديمقراطيين فوتوا على أنفسهم فرصة لقيادة الحركة المدنية الثورية التي انطلقت منتصف آذار 2011، وذلك عبر تسليمهم بأن التنظيمات السياسية الأيديولوجية، يمكن أن تحمل في ذهنيتها، الوطنية السورية. وما زال كثيرون من الحراك الديمقراطي الوطني يثقون بالمعسول من الكلام الناعم لبعض الشخوص والتيارات المذهبية التي تخفي وراءها مشاريع متعددة، منها الوصول للسلطة عبر بوابة نحن نمثل الأكثرية الديمغرافية، وهذا ما يذهب بالوطنية السورية إلى مهب الريح.  

وبالتالي، جرّ النظام، المجتمع المناهض لحكمه إلى ملعب العنف والسلاح المذهبي، الذي أوجد لنفسه منصة خلاص الأسد، والمساهمة في إنقاذه من الغرق وبقائه على ركام القرى والمدن المدمرة، مجسداً مقاربة عقائدية أيديولوجية، مسلحة -إرهابية، أقنعت العالم بأنّ إرهابه العابر للحدود حلّ بدلاً عن الخيار الديمقراطي للاستبداد.

وفي ضوء ذلك، بات المشروع الأسدي الخيار الأفضل دولياً، بالرغم من قتل الأسد لشعبه، وتصديره للإرهاب دون تمييز، كما فعل في فرنسا وألمانيا وتركيا وأمريكا… إلخ. لذا، فإنّ الرئيس الإرهابي الذي يقتل شعبه أفضل للعالم من الإرهابيين الذين لديهم مشروع عابر للحدود، يقتل شعوب العالم، حسب وجهة نظر قوى اليمين في الدول الغربية.

وبناءً عليه: لا ينبغي أن تسقط ثورة الحرية مع انتهاء مرحلة عسكرة الثورة وتطييفها وتقويض طابعها السلمي ومعارضة مشروع “الحرية للشعب السوري” الذي أطلقته طبقات كبيرة، من الشعب السوري، واستبداله بمشروع طائفي عنيف ومعادٍ للثورة وتطلعاتها، وبالتالي، تماهي العديد من المواقف المعادية للحركة الديمقراطية وأهدافها.

– سنوات الصراع المسلّح، اتّسمت بالاصطفاف خلف دول إقليمية مصالحها تتجاوز مشروع الثورة والتغيير الديمقراطي. كان ذلك واضحاً من خلال تدخل الحرس الثوري الإيراني منذ الساعات الأولى لصيحات أنصار الحرية ووحدة الشعب السوري.

– مرور عقد من الزمن على انطلاق الثورة التي امتلأت بالصراعات الدولية والإقليمية والعربية والمحلية، حولت الحالة الوطنية السورية من تمرد مجتمعي واسع يحمل تأويلاً ثورياً شاملاً إلى ساحة احتلتها القوى الخارجية، بمصالح وسياسات متناقضة، خارجيةً في مقدمتها، خاضعة لروايات متضاربة ميّزت خلافاتهم الإقليمية والدولية، حلحلتها بدماء السوريين، إذ وضعت تلك الدول والقوى الخارجية، مصالحها الكونية فوق مصالح الثورة ومطلب الحرية والديمقراطية، وهذا ما أدى لحجب مشروع الثورة بإخضاعه لنضالات تحدّت قدرتهم على مواجهتها والسيطرة عليها. وجعلتهم ورقة مليئة بالتناقضات والحروب التي جلبت الكوارث على رؤوس السوريين من القريب والبعيد، مستخدمين شبان سوريا في صراعات خارجية لا تمت للمصلحة الوطنية السورية بصلة.

– مواجهة المشاريع العابرة للحدود تبدأ من خلال تعاضد قوى الحرية والديمقراطية، ونبذ المشاريع الخارجية التي تعبر عن مصالحها ولا تتسق مع برامج الثورة وشعارتها الأولية: في الحرية والدولة العصرية الديمقراطية، دولة المواطنة التي لا تميز بين مختلف المكونات السورية التي تحمل المشروع ذاته، لأن أي مشروع طائفي/مذهبي هو بالضرورة أسدي، ولا يساهم في وحدة المصير السوري.  

– تذكير المجتمع الدولي بأنّ من وقف بوجه الإرهاب، هم السوريون الذين أخرجوا التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب من مدنهم وقراهم ونبذوا كل من يؤمن بمشاريعهم اللاوطنية. ومن هنا يجب على الأسرة الدولية المساهمة الفعالة في تجفيف منابع الإرهاب والتمذهب المسلح، والوقوف إلى جانب الوطنية السورية المنادية بالحرية، كقيمة قدم مقابلها ما يقارب المليون شهيد ونصف مليون معتقل وتهجير نصف الشعب السوري.

-استعادة الثورة وطهرانيتها، هو استعادة لسورية الوطن وعودة لوحدة الجغرافية والشعب. وذلك من خلال فك القيود الخارجية التي قيدت القوى المسلحة والتنظيمات السياسية بقيد التمذهب والاصطفاف مع المشاريع الخارجية، التي تصنفهم كمستفيدين مؤقتين، بينما الحالة الوطنية تستدعي وضع شروط ومبادئ ثورية، لا يمكن التنازل عنها على حساب الثورة والديمقراطية، والأهم حالياً مشروع الإنقاذ الوطني.

– انتظار الحل السياسي، قد يطول بسبب تعارض المشاريع الخارجية، لذا، السوريون مطالبون بوحدة واستقلال قرارهم، وعدم إخضاعه للوصاية الإقليمية والدولية. كما حصل مع مؤسسات المعارضة الرسمية التي وضعت حمل الثورة التي ادّعت تمثيلها، في مكاتب مخابرات الدول الطامعة، دون الوصول لقرار حاسم بإسقاط الأسد وأركان حكمه. وبالتالي حكمت المعارضة الرسمية على فشلها بإجهاض كل فرص النجاح الممكنة. عندما لم يقدموا مشروعاً ديمقراطياً، يشير إلى نموذج بديل عن الأسدية. وهذا ما ترسّخ عند معظم السوريين الذين شاهدوا بأم أعينهم تبادل الكراسي بين قادة المؤسسات الرسمية للمعارضة. ومن النزاهة بمكان، في هذا السياق، الاعتراف بتراجع نشاط ومكانة الثورة الخارجية خلال الأعوام الخمسة الماضية، ولاسيما بعد سقوط حلب بقرارٍ خارجي، وبما كان له من انعكاسات سلبية على علاقات الدول الفاعلة بالائتلاف كمؤسسة معترف دوليا بتمثيلها السياسي للسوريين.

-المجتمع الدولي تنكّر لدوره في حماية الشعوب من الطغاة والمستبدين، كذلك ينطبق الأمر على الأشقاء العرب، عندما تركوا السوريين لقمة سائغة للمشاريع الإقليمية والدولية، دون التزام منهم بميثاق الدفاع العربي المشترك والشعب السوري يقاوم أعتى قوة إقليمية عقائدية وثاني قوة عسكرية سلاحاً وتسليحاً (إيران-روسيا)، بل وقفت بعض الأنظمة العربية إلى جانب النظام (العراق، الجزائر، لبنان). والبعض منهم التزم الاستراتيجية الأمريكية، تاركين السوريين في مواجهة مصيرهم.

وحتى لا نكون قساة على الأنظمة العربية، ساهمت بعض التيارات السياسية المؤدلجة، من خلال تماهيها مع دول إقليمية، بنأي أهم الدول الخليجية ومصر بحكوماتها عن نصرة الثورة السورية.

إن مشروع الإسلام السياسي، وتهاوي حملة المشروع الديمقراطي أمام حالة الأدلجة المذهبية، سبب أساسي في وضع الملف السوري على رفوف مكاتب الدبلوماسية والمنظمات الدولية. كما أنّ التقصير السياسي من جانب المعارضة، يحمل جانبين، أحدهما، ذاتي والآخر موضوعي. فالذاتي منهم؛ لم يتم تقديم خطاب وطني جامع يؤدي إلى وحدة الشعب والجغرافية السورية ورفض التدخلات الخارجية بكل ما تحمل من مشاريع مصلحية، في معظمها لا تتقاطع مع مشروع الثورة الوطني، الذي ينادي بالحرية والديمقراطية، وإنهاء حقبة الاستبداد السلطوي في سوريا. وكي نكون منصفين، لا يمكن في ظلّ الوضع القائم بوجود جيوش لخمس دول مختلفة الروئ والمصالح، أن تنتصر الثورة، دون دعم الخارج.

سيكون هذا صعباً بالنسبة إلى القضايا التي تتقاطع فيها سياساتنا ومصالحنا مع السياسات والمصالح الخارجية، والتي لها اليوم هيمنة ساحقة، لأننا سنواجه صعوبة بفصلها عن بعضها، بسبب ظروفنا المتداعية، على الرغم من الحاجة إلى فصل تدريجي يضمن استقلالية قرارنا الوطني، ويلبي حاجاتنا للحرية والديمقراطية، التي باتت تماثل حاجتنا للطعام والشراب.

 

درويش خليفة

ليفانت – درويش خليفة 

 

الحراك الحراك الحراك الحراك الحرك