معاناة الناجيات الإيزيديات وتشرد أطفالهن.. بين رفض المجتمع والقوانين العراقية

معاناة الناجيات الإيزيديات وتشرد أطفالهن.. بين رفض المجتمع والقوانين العراقية

مشهد مؤلم لإيزيديات وأطفالهن، بل لأمومة ناقصة، فهي التي أنجبت ولكن لا تستطيع الرعاية لأسباب قاهرة، طفل مسكين مشرد أعطي لدور الأيتام أو لعائلات المقاتلين، فما ذنبه وما ذنب أمه لتعاني الأمرين؟ فتقف المخطوفة الإيزيدية التي حررت قبل فترة أمام قرار رفض المجتمع الإيزيدي لأطفالها وقوانين الدولة العراقية، أين حق الطفل والأم وما مآلت أوضاعهم؟

وصفت العديد من النساء اللواتي اختطفهن مقاتلو داعش واللواتي أنجبن عن قهرهن، كان مؤلماً بالنسبة لهن إعطاء أطفالهن لدور الأيتام أو لعائلات المقاتلين لكي يكون في استطاعتهن العودة إلى مجتمعهن، وذلك بحسب  منظمة “هيومن رايتس ووتش”.

وتعتبر الإيزيدية أقلية دينية بالعراق وسوريا، ويسكنون منطقة سنجار في العراق، وفي عام 2014 تعرضت القرى الإيزيدية في العراق لهجوم  داعش، حيث ارتكبت بحقهم مجازر وإبادة جماعية.

انعزال المخطوفات الإيزيديات وتعرضهن لعمليات غسل الدماغ

ويقول الناشط الإيزيدي، علي خانصوري، لـ”ليفانت نيوز” بما يخص مشكلة النساء الإيزيديات المخطوفات وأطفالهن: “إنها مشكلة كبيرة فهي تزوجت قسراً بعد اختطافها أو اغتصبت من الدواعش، ومنهن من تزوجن وأصبحت بينهم رابطة عاطفية، وبقين هناك عدة سنوات وأصبح لهن أطفال، ومن الصعب تخليهن عن أطفالهن وأزواجهن، فضلاً خوفهن من المجتمع الإيزيدي بعدم تقبلهن وتقبل أطفالهن، وهم منقطعون عن العالم الخارجي، كما تعرضن لعمليات غسل دماغ”.

البارزاني يلتقي بمحررات إيزيديات من قبضة تنظيم داعش

وعن معاناتهن، يقول الباحث المتخصص بالشأن الإيزيدي “خالد تعلو”: “الإيزيديات لم يتزوجن من داعش بل تم سبيهن بالإكراه وبيعهن في أسواق النخاسة والرق، وإجبارهن على الزواج بعدما تم اغتصابهن بالقوة، وهي بحد ذاتها جريمة لا أخلاقية وضد مبدأ حقوق الإنسان والمرأة.. وهؤلاء الأطفال ولدوا نتيجة جريمة اغتصاب، ولا تتحمل الإيزيدية عبء هذه الجريمة الشنيعة”.

وأشار خالد تعلو، وهو كاتب وباحث متخصص بالشأن الإيزيدي، إلى تلقي هؤلاء الأطفال لتعاليم داعش وزرع الأفكار الإجرامية المتطرفة في عقولهم، وإجبار الأطفال الإيزيديين دون سنّ الرشد الانخراط ضمن مفهوم أشبال الخلافة الإسلامية، مما يشكل خطراً على طفولتهم.

الطفل بحاجة لقوانين تنقذه من التشرد، فالمجتمع الإيزيدي لا يتقبله ولا القوانين بجانبه

ومن جهته، عبر الناشط الإيزيدي “علي الخانصوري” عن استيائه لقرار رفض المجتمع الإيزيدي الأطفال من غير الإزيديين- أي من أب داعشي- مندداً: “أهالي الإيزيديات يرفضون تربية الأطفال وأنا ضد ذلك، فما ذنب ذلك الطفل الملاك”. ويتابع: “كوننا عشائريين يرفض المجتمع الإيزيدي العشائري تقبل طفل مسلم، وبرأيي هذا تخلف وبالتالي الأم تصبح على دين ابنها لكي تربيه”.

أيضاً هناك مشكلة أخرى وهي القوانين، وبحسب القوانين يسجل الطفل على ديانة الأب حتى ولو كان مجهول النسب ولا يسجل باسم الأم. والمشكلة عندما يكون الطفل من نسب مجهول يصبح مسلماً وبهذه الطريقة الأم أيضاً تسجل مسلمة، فتسجيل الطفل على اسم الأب المسلم داخل الدين الإيزيدي غير مقبول والأغلبية يرفضون هذا.

وفيما وضح الكاتب والباحث في الشأن الإيزيدي، خالد تعلو، نظرة المجتمع فيقول: “من الجانب الاجتماعي حيث لا يمكن قبول هؤلاء الأطفال ضمن المجتمع الإيزيدي، لأنّ آباء هؤلاء الأطفال مجهولون ومجرمون وإرهابيون، والديانة الإيزيدية غير تبشيرية، ولا يمكن قبول الأطفال من جهة الأم فقط، وإن تم قبولهم فإنهم يبقون في نظر الإيزيديين على أنهم من ذرية الإرهابيين، ولا تقبل أي أسرة أن تعطيهم بناتهم لكي يتزوجوا إن كانوا ذكوراً، ولا أي أسرة تقبل أن يتزوج أبناؤهم منهم إن كانوا إناثاً.

وخالد تعلو، كشخص إيزيدي، يفسر سبب عدم قبول هؤلاء الأطفال فيقول: “من الجانب الأخلاقي، كيف لنا أن نقبل بهؤلاء الأطفال بيننا في حين أن آباءهم قتلوا أزواج وأباء وأبناء هؤلاء النسوة”.

تجاهل منظمات حقوق الإنسان لتلك الجرائم وأمومة ناقصة وقوانين ناقصة.. فما الحل؟

ويجد النشطاء من الناحية الإنسانية هذا الأمر انتهاكاً لحق الأم والطفل وأمومة غير مكتملة، ويندّد الباحث الإيزيدي “خالد تعلو” بالجرائم المرتكبة إزاء الإيزيديات، ويقول: “وفي الوقت نفسه تتجاهل منظمات حقوق الإنسان والمرأة تلك الجرائم التي ارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية ضد الإيزيديين من القتل والخطف والسبي والتهجير وتدمير البنية التحية لمناطق الإيزيديين”.

وتابع: “وأقولها بمرارة القلب، المنظمات الإنسانية والإعلام الدولي رويداً يتجاهل القضية الإيزيدية ويتجاهل حجم الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون والعشرات من المقابر المنفردة والجماعية وأكثر من ألفي طفل إيزيدي يتيم الأب أو الأم أو الاثنين معاً، أضف إلى ذلك هناك ما يزال أكثر من ثلاثة آلاف إيزيدي مختطف من قبل تنظيم داعش الإرهابي”.

يجد الباحث المتخصص في الشأن الإيزيدي المشكلة في الدستور والقوانين ويقول: “من الجانب القانوني، هنا تكمن المشكلة الحقيقية، حيث قانون الأحوال الشخصية في العراق، ووفق الدستور العراقي وقوانينه النافذة، فإنّه يستند في تشريعاته على الشريعة الإسلامية، وعند قبول هؤلاء الأطفال، فحسب القانون سوف يتم تسجيلهم مسلمين، أي ديانة هؤلاء الأطفال هي الديانة الإسلامية، لأن الأم مجهولة المصير، وفي الوقت نفسه، إن كان لهؤلاء الناجيات أطفال دون سن الرشد، ومن آباء إيزيديين، فإنّهم أيضاً يسجلون مسلمين لحين بلوغ سن الرشد”.

ورغم القانون الجديد الذي أصدره البرلمان العراقي مؤخراً قانون “الناجيات الإيزيديات” الذي يعترف بالجرائم الخطيرة التي ارتكبها مقاتلو تنظيم “داعش” الإرهابي بحق النساء الإيزيديات، ويصنفها بالجرائم ضد الإنسانية، تلك النسوة الإيزيديات وأطفالهن شكلوا جدلاً أخلاقياً وقانونياً الذي يوجب آلية للتدخل الإنساني. فيؤكد الكاتب خالد تعلو على ضرورة مساعدة الأطفال وأمهاتهم قائلاً: “ومن جهة أخرى لو تكون هناك منظمات يستقبلون بناتنا الإيزيديات وأطفالهن من تنظيم داعش في أمريكا ودول أخرى”.

وعن إشكالية تسجيل الطفل والقوانين المتعلقة به في الدولة العراقية، وفيما يتعلق بقانون تسجيل الطفل على اسم أبيه فقط، وحتى ولو كان مجهول النسب، يطالب الباحث المتخصص في الشأن الإيزيدي الجهات القانونية بقرار خاص يكتب الطفل على اسم أمه أو خاله الإيزيدي أو عمه لو كان إيزيدياً، لكن رفض القرار.

ليفانت _ ديرسم عثمان