مشرّعةٌ دروبُها على المجهول

عبير نصر
عبير نصر

بدت وكأنّها انتخاباتٌ حرّة ونزيهة ويمكن للسوريين أن يختاروا رسمياً، وبكلّ ديمقراطية، بين ثلاثة مرشحين عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع التي تحيطها لافتاتٌ للدعايةِ الانتخابيةِ الزائفة التي سيكون فيها، وبشكلٍ بديهي، رئيس سوريا الجديد هو نفسه الرئيس القديم! ومنذ انتخابات 2014، والتي فاز بها بشار الأسد بنسبة 88% من الأصوات، في اقتراعٍ أُجري على الرغم من احتدام القتال في جميع أنحاء البلاد، ورفض المعارضة المشاركة، تحوّل تيارُ الحرب بشكلٍ حاسم لصالح النظام السوري، ما وضع العصيّ في دواليب الحلّ السياسي للأزمة السورية، رغم الجولات المكوكية التي يقوم بها وزيرُ الخارجية الروسي لتحريك المسار السياسي، والتي ما تزال تشهد تبايناً في المواقف بين دولٍ عربية ترى أنّ أسبابَ تعليق العضوية ما تزال قائمة، بينما ترى دولٌ أخرى أنّ عودةَ سوريا إلى المنظومة العربية، يمكن أن يسهمَ في الدفع بالحلّ السياسي الذي ما يزال يواجه تحديات جوهرية. المجهول

واليوم ينقذ الأسدُ سلطته مجدداً بعد فوزه بنسبةِ تصويتٍ بلغت 95.1% ليحكمَ حقلاً من الخراب. وبين التشكيك والسخرية من جهة والاحتفاء والترحيب من جهة أخرى. يطلّ الأخير ليصف أنّ ما قام به مواطنوه خلال الانتخابات الرئاسية السورية بمثابة “ثورة بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى حقيقي لا مجازي، ثورة ضد الإرهاب والخيانة والانحطاط الأخلاقي”. ليضيف: “لقد عرّفتم الثورة وأعدتم إليها ألقها”. ومن المنطقي ليثبّتَ عرشه المقدّس جيداً في حقله الخَرِب أن يبدأ بشكلٍ إسعافي بمهمة إنقاذ الوضع الاقتصادي المتردي، جرّاء العقوبات الأمريكية وقيود قانون قيصر، وبسبب ما يمكن اعتباره حصاراً اقتصادياً إسرائيلياً من نوع آخر، عبر إعاقة إسرائيل وصول شحنات النفط الإيرانية إلى سوريا.

وعليه من البديهي أن تكتسبَ المعاناةُ الهائلة التي تسحق السوريين أولويةً قصوى لدى النظام، في ظلّ انتشار فيروس كورونا، والانهيار شبه الكامل للنظام الصحي والنقص الكبير في الغذاء والدواء، ومشتقات الطاقة المختلفة، ليضمن استمرارية شرعيته في الداخل السوري، على الأقل وسط حاضنته الشعبية. وعلى الرغم من أنّ حكم الأسد راسخٌ إلى حدّ ما بعد (21) عاماً في السلطة، فإنّه ليس من المستبعد أنه يشعر أيضاً بضغطٍ من الداخل والخارج. فمنذ سنين يشتدّ ثقلُ الأزمة الاقتصادية التي دفعت ملايين الأشخاص إلى ما دون خطّ الفقر. بينما تتصاعد صراعاتُ توزيع السلطة بين أنصار الأسد. في وقتٍ صارت السيطرةُ فيه لمليشياتٍ محلية حتّى في مناطق حكومية، التي تدعمُ رأسَ النظام رسمياً بينما تمتثل في إدارةِ شؤونها لأوامر أمراء الحرب.

ولا يخفى على أحد أنّ جميعَ الأطراف السورية قد خسرت الحرب، جميعها على حدّ سواء. وعندما رفض النظامُ السوري الحلَّ السلمي منذ البداية وفقدتِ الثورةُ وحدتها، قوّضها نفوذُ الإسلاميين المتشددين وأشعلوا ثورةً مضادة قادت البلاد إلى مصيرها الكارثي. وما يسترعي الانتباه أنّ درساً في نكرانِ المأساة السورية هو ما دفع الأسد لمواصلة هذه المهزلة الانتخابية. فالسوريون آخر همومه. والعالم من حولهم مراوغ ولا يعنيه البعد الأخلاقي لتثبيتِ الأسد في موقعه. ولا شكّ أنّ واقعيةَ العالم البراغماتي ستدفعه للاعتراف بالنظام السوري في دمشق، والتطبيع معه. حيث بدأت ملامح هذا التقرّب دبلوماسياً مع بعض الدول العربية، بعدما استسلم الروس في إيجاد بديلٍ عن الأسد الابن باعترافِ الجميع.

وبينما سلّطتِ الحملةُ الانتخابية الضوءَ على دور الأسد كرجلٍ انتصر في الحرب، ولديه أفكار هائلة لإعادة إعمار سورية، عدا عن كونه الوحيد القادر على إعادة الأمن والأمان بعد فوضى النزاع الذي استنزف مقدرات البلاد واقتصادها، الوقائع تؤكد أننا أمام استعصاء واستحالة، وهي حال سيواصل معها النظام انهياره، وإيران ستواصل نفوذها، وإسرائيل غاراتها، وروسيا رعايتها مشهد الخراب السوري. وفيما يدرك الأسد أنّ الحصول على أموال المجتمع الدولي لإعادة الإعمار لا يمكن أن يحصل خارج تسويةٍ سياسيةٍ تحت مظلّة الأمم المتحدة، يعمل ومن خلفه حلفائه على جذب “مانحين محتملين”، على رأسهم دول الخليج، وسط انهيارٍ اقتصادي غير مسبوق.

وتعمّد مسؤولون سوريون قبل الانتخابات تسريبَ معلوماتٍ عن “تغيير كبير” مرتقب في العلاقات مع الخليج، وعن قنواتِ اتصالٍ مفتوحة، خصوصاً مع السعودية، سيتمّ الإفصاح عن تفاصيلها بعد الانتخابات. حيث قالت المستشارةُ الخاصة في الرئاسة، بثينة شعبان: (إنّ هناك جهوداً تُبذل لعلاقاتٍ أفضل بين دمشق والرياض وقد نشهد في قادم الأيام نتائج بهذا الموضوع). وفي خطوة لم تكن لتحصل لولا هذا التقارب، شارك وزيرُ السياحة السوري بدعوةٍ من السعودية في اجتماعٍ للجنة منظمة السياحة العالمية للشرق الأوسط في الرياض. وبرز التفاؤلُ ذاته على لسان وزير الخارجية، فيصل المقداد، الذي اعتبر بدوره أن “الخطاب السياسي قد اختلف ولو قليلاً، وهذا سيمهّد الطريق من أجل تطوراتٍ جديدة في المنطقة”. المجهول

في سياقٍ متصل، رفض الاتحادُ الأوروبي الاعترافَ بنتائج الانتخابات الرئاسية السورية، وقال وزير خارجية الاتحاد، جوزيب بوريل، بعد مشاوراتٍ في لشبونة مع وزراء خارجية الدول الـ27 الأعضاء بالتكتل: (إنّ الانتخابات لن تؤدي إلى إنهاء النزاع في سوريا، وإنّ عملية الانتخاب لن تؤدي بأي حال من الأحوال إلى مبادراتٍ من أجل عودةِ العلاقات الدولية مع النظام السوري إلى طبيعته). في هذا الوقت مدّد الاتحاد الأوروبي عقوباته ضد حكومة الأسد وداعميها لمدة عام آخر، حتى أول يونيو/ حزيران 2022. ومن بين ما تشمله العقوبات تجميد أصولٍ لسبعين منظمة وشركة. كذلك منع (238) سورياً من دخول الاتحاد، إضافة إلى تحجيمٍ للاستثمارات، وتجميدٍ لأرصدةٍ تخصُّ البنك المركزي السوري. المجهول

بطبيعة الحال، سوريا كما نعرفها قد تغيرت، فالتدخل الروسي منح موسكو مزايا كثيرة: وجود موطئ قدم في البحر المتوسط، محطات رادار في تدمر، اختبار معدات عسكرية لبيعها في العالم. والروس واقعيون، يعرفون أنّ سورية غير قابلة للإصلاح مع الأسد، لكن من دونه ستحلّ الفوضى. في المقابل يعرف الأسد تماماً أنّ أفضلَ حامٍ له، هي إيران التي لن يتركها. وفي خضمّ هذه التجاذبات ما يهمُّ النظام حالياً هو السيطرة على “سوريا المفيدة” التي تمتد من دمشق إلى القلمون وحمص ودرعا وحماة، وصولاً إلى طرطوس واللاذقية وحتى الحدود التركية، والتي لا تزيد على 25 في المئة من المساحة الكلية، أما سوريا الأخرى، الأكثر غنى وإفادة، فتستحوذ على قرابة 70 في المئة من الثروة الوطنية، وأهمها منطقة الجزيرة الخاضعة للنفوذ الكردي، والتركي والأميركي، وما تبقّى من المعارضة المسلحة. المجهول

واليوم وبينما يسيطر النظامُ السوري على أقلّ من ثلثي مساحة البلاد، يبدو المشهدُ ليس براقاً بالنسبة له لدى معاينة خارطة السيادة على حدود البلاد. ما يجعل شعارَ (الأمل بالعمل) محض مهزلة سياسية أمام واقع وكلفةٍ بشريةٍ ثقيلة تسببت بها حرب العشر سنوات، من قتلٍ ونزوح وتشريد واعتقالات. ولم يميّز الدمارُ بين منزلٍ أو مرفق عام ومنشأة طبية أو تعليمية. فباتت البنى التحتية منهكة والاقتصاد مستنزف. عشرون مليون شخص تقريباً غيّرتِ الحربُ حياتهم داخل سوريا وخارجها، وما تزال التغريبةُ السورية بعد الانتخابات الرئاسية الرابعة فعلياً والثانية دستورياً مستمرةً إلى أمدٍ غير مسمى، ومشرّعةً دروبها على المجهول. المجهول

ليفانت: عبير نصر ليفانت