قنابل موقوتة

عبدالعزيز مطر

إنّ من أشد نتائج الصراعات والثورات في وجه القوى المستبدة، والصراع بين الشعوب وبين هذه القوى، هي الأزمات الإنسانية والأمراض الاجتماعية التي تنتج عن هذه الأزمات. ومن أبرز مظاهر الأزمات الإنسانية التي شهدها القرن الحالي والقرن المنصرم، وخصوصاً في المنطقة العربية، مخيمات اللجوء الإنساني التي تنتشر في أكثر من دولة عربية.

إنّ ظروف الصراعات التي أجبرت السكان المدنيين للنزوح والتمركز في هذه المخيمات كانت قاسية جداً ومؤلمة، بالحدّ الذي جعل منها مجتمعات منغلقة تتفشى فيها الأمراض الاجتماعية، كالجهل والتخلف، وبصورة أخطر “التطرف”.

ومع العجز الدولي والنقص الحاد في الرعاية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، الذي يرافق محاولة إيجاد الحلول الحقيقية لهذه المشاكل الإنسانية الكبيرة، ينمو التطرّف بشكل متوازٍ مع أمراض أخرى، كالجهل  والجريمة… إلخ.

ولا تعد مشكلة النزوح الإنساني ومخيمات اللجوء السورية، التي كانت أبرز النتائج الكارثيّة للحرب الدموية التي شنّها النظام السوري على الشعب السوري، إلا امتداداً لكوارث النزوح السابقة، التي حدثت في العراق ولبنان وفلسطين، وإن كانت الكارثة السورية هي الأشد إيلاماً وفتكاً والأكبر على مستوى العصر الحديث. إن الواقع المأساوي لمخيمات النزوح في الداخل السوري، وفي دول الجوار، والظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يكابدها النازحون السوريون، وانعدام أو تردي الوضع التعليمي والاقتصادي والخوف المستمر من المستقبل والقلق الذي يساور هذه العائلات من القادم، في ظلّ التقصير الكبير لمنظومة المجتمع الدولي للاضطلاع بواجبها الإنساني اتجاه هذه الكارثة جعل من هذه التجمعات السكنية التي تعيش في ظروف صعبة تربة خصبة لأشد الأمراض خطراً، وأشد الأوبئة التي تعصف بهذا المجتمع، وهو التطرّف بكل أشكاله، الإثني أو العرقي. 

وهذا أمر طبيعي في ظلّ إجرام النظام السوري والميليشيات الشيعية بحق الشعب السوري، الأمر الذي يجعل من تغلغل تنظيمات التطرّف السوداء أمراً حتمياً، ويجعل من هذه المخيمات وما تحويه من فئات عمرية، من مراهقين وشبان فقدوا أحباءهم وعائلاتهم ودمرت منازلهم ومستقبلهم، خزان إمداد بشري لهذه التنظيمات، التي تعكف عبر الضخ الإعلامي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي على تجنيد هذه الفئات التي لم تتلق التعليم الكافي الذي يؤمن لها الوقاية من الانخراط في ذلك الظلام والطريق الأسود، فقد وجدت تنظيمات متطرفة، كالميليشيات الشيعية وحزب الله اللبناني، في هذه المخيمات، وخصوصاً الموجودة على الحدود اللبنانية، مرتعاً خصباً لتجنيد هذه الفئة من المسحوقين في صفوفها، وإعادة تأهيلهم عسكرياً وعقائدياً، لزجّهم في أتون الصراعات التي تفتعلها الأذرع الإيرانية، في سوريا والعراق ولبنان، وسوقها في أتون صراع طائفي يقضي على مستقبل هذا الشباب ويحوله لقنابل موقوته يزرعها الحرس الثوري الإيراني في كل مكان. 

ولايختلف المشهد في مخيمات النزوح الداخلية في سوريا، التي تحاول تنظيمات إرهابية، كجبهة النصرة وداعش، سعيها لضم مقاتلين في صفوفها بعد الشحن الطائفي البغيض لهذه الطبقة التي سحقها الاستبداد وهجرها باتجاه هذه المخيمات، لتكابد وتقاسي، وليكون الوهم والسراب الذي تصنعه هذه التنظيمات والميليشيات هو البئر المظلم والهاوية الحقيقية التي تدفن طموحات وآمال هذا الشباب في الحياة الكريمة والحرية والكرامة.  قنابل 

هذا بالإضافة لمحاولة هذه الجهات تجنيد اللاجئين القدامى في مخيمات النزوح الفلسطيني في سوريا، خدمة لمشاريع دولية وإقليمية، وإعادة زجّهم وفقاً لأهدافها في الصراع السوري، من خلال استغلال البؤس والشقاء في هذه المخيمات، وصناعة فصائل قتالية وإرهابية، كلواء القدس الفلسطيني وحركه الجهاد الإسلامي وحماس الإرهابية، خدمة للمشروع الإيراني الذي لم ينجُ منه ومن استغلاله هذه الفئة المسحوقة. 

إن تحمل المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لمسؤولياتها اتجاه مخيمات النزوح في سوريا ودول الجوار السوري، وزيادة الوعي السياسي والفكري لما يحدث، وتحسين الوضع المعاشي والإنساني، وإيجاد حل سياسي للمسألة السورية، يلبي طموحات الشعب السوري، هو الكفيل بإبعاد شبح هذا الخطر عن أبناء الشعب السوري في مخيمات النزوح، وهو الطريق الوحيد لإعادتهم إلى مناطقهم التي هجروا منها عنوة، وإيجاد المناخ الديمقراطي والاقتصادي والسياسي الملائم لهذه التجمعات، لعودتها للحياة الطبيعية على الأرض السورية، يتطلب تظافر الجهود الدولية والإقليمية والإنسانية في اتجاه تحقيق هذا الهدف.  قنابل 

عبدالعزيز مطر

ليفانت – عبد العزيز مطر ليفانت