قمّة “لاغرانج” وأوهام مركزيّة سوريا في المعادلات الدولية

طارق عزيزة
طارق عزيزة

منذ الإعلان عن موعد القمّة الثنائية في جنيف، للرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، حاز الموضوع احتفاء إعلامياً كبيراً، فالعلاقات بين موسكو وواشنطن تمرّ في مرحلة وُصِفَت بأنها الأسوأ منذ نهاية “الحرب الباردة. ونظراً لاتّساع الفجوة بينهما، كون الملفّات العالقة هي من التعقيد والتراكب والتنوّع أكبر من أن يحيط بها جميعاً لقاء قمّة، فضلاً عن التوصّل إلى حلول أو تفاهمات جدّية بشأنها في اللقاء، رأى بعضهم أنّ عقد اللقاء يشكّل بحدّ ذاته إنجازاً. لاغرانج

مع ذلك، تكاثرت التحليلات التي سبقت الموعد المرتقب في وسائل الإعلام حول مختلف المسائل، ومنها سوريا التي لم تُعلن إدارة الرئيس بايدن بعد سياسة واضحة في شأنها. وكما هو متوقّع، انتهت المحادثات التي احتضنها قصر “لا غرانج” إلى مواقف عامّة، من قبيل رغبة الجانبين في إيجاد سبل لتقريب المواقف، واالتفاق على بدء مشاورات بين وزارتي الخارجية الروسية والأمريكية في كل اتجاهات التعاون، وفق ما أعلن الرئيس الروسي في مؤتمر صحفي عقده عقب انتهاء القمة.

في زحمة الملفّات والعناوين الإشكالية التي جرى التطرّق لها، ومن ضمنها الاستقرار الاستراتيجي/ النووي، والأمن الرقمي، والموقف في أوكرانيا، وحتى تطوّرات الوضع في القطب الشمالي، كان واضحاً غياب ملفّات منطقة الشرق الأوسط وقضاياها المزمنة، كالملف السوري والقضيّة الفلسطينية عن القمّة. فالمنطقة لم تعد بذات الأهمّية التي كانت عليها خلال القرن الماضي، رغم استمرار الوهم في أذهان كثيرين من سكّانها، بأنّ محورية منطقتهم ومركزيتها في السياسة الدولية، من ثوابت التاريخ وطبيعة الأشياء.

خلال العقد الذي تلا نهاية الحرب العالمية الثانية وشهد انطلاقة “الحرب الباردة”، بين غربٍ تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وشرقٍ بزعامة الاتحاد السوفييتي السابق، برزت على خارطة التنافس العالمي بقوّة أهمية بلدان الشرق الأوسط آنذاك. كان من ملامح تلك المرحلة صراع القوى الكبرى لبسط نفوذها على هذه المنطقة عموماً، وعلى سوريا التي تقع في القلب منها على نحوٍ خاص، حتى غدت حينها مرآةً تعكس طبيعة التوازنات والمصالح الدولية في هذه البقعة من العالم، وباتت الدولة الصغيرة عنواناً رئيساً في نشرات الأخبار، وعلى أجندات صُنّاع السياسة في عواصم القرار العالمي.

لكنّ العالم تغيّر مراراً منذ ذلك الحين، وتغيّرت معه المحدّدات الاستراتيجية في رسم السياسات الدولية ومرتكزاتها إلى حدّ كبير. من ذلك، مثلاً، أنّ مسائل، كالطاقة وطرق الإمداد والموقع الجغرافي والانتشار العسكري التقليدي المباشر على الأرض، لم تعد على الدرجة نفسها من الأهمية التي كانت تحوزها في القرن الماضي، وهي كانت من العناصر الأساسيّة التي أكسبت الشرق الأوسط أهمّيته السابقة، وبالتالي مع التراجع الملحوظ لأهمية تلك العناصر ونهوض أخرى غيرها في غير مكان من العالم، لم يعد للمنطقة الوزن السابق نفسه في حسابات القوى العالمية. لاغرانج

إنّ إغفال هذه الحقيقة (وحقائق كثيرة غيرها)، كان من العوامل الهامّة التي أوقعت المعارضة السورية في حسابات ورهانات خاطئة، منذ الأشهر الأولى للثوة السورية. فهي بدلاً من تركيز جهودها على العامل الثوري، أي حراك الداخل السوري، سارعت إلى تعليق الآمال والأوهام على تدخّل خارجيّ مُتوَهّم يُسقِط النظام وينقذ سوريا منه، سواء كان تدخّلاً أمريكياً وفق النموذج العراقي، أو أطلسياً يحاكي السيناريو الليبي الذي جرى في بدايات “الربيع العربي”. لقد أثبتت الأيام خطأ هذا الرهان، وبيّنت أنّ “الغرب” لم يعد مكترثاً لما يجري في المنطقة، ولم تعد سوريا محط اهتمامه كالسابق، مما أتاح للروس التمدّد والعربدة فيها بحرّية.

يتحمّل نظام الأسد، المسؤولية الأكبر في الأثر السلبي للتدخّلات الإقليمية والدولية في الصراع السوري بلا شك، فهو الذي فتح البلاد على مصراعيها لداعميه الإيرانيين ثمّ الروس، وقدّمها لهم ولمرتزقتهم وميليشياتهم ثمناً لحمايته من السقوط، ومكافأةً لهم على دورهم في القضاء على الثورة. وهو بتعنّته وإجرامه وسبل مواجهته للمظاهرات السلمية منذ أيامها الأولى، يشكّل العلّة الأساس التي تقف وراء الكوارث والويلات التي لحقت بسوريا. لكنّ هذا لا يعني بأيّ حال إلقاء اللوم على القوى الإقليمية والدولية، وتحميلها وحدها مسؤولية المآل السوري الكارثي، لأنّ ذلك ينطوي على ضربٍ من تبرير فشل هيئات المعارضة، ومساعدتها على التهرّب من المسؤولية التي تتحمّل قسطاً غير يسير منها، نظراً إلى أنّ القضية قضيتها أولاً (كما يُفترض)، وثانياً لأنها لم تفلح في توظيف تناقضات الدول وتباين مصالحها، بحيث تكون نقطة قوة في صالح الثورة السورية.

إنّ تداخل العامل الدولي والإقليمي مع القضايا الوطنية للدول ليس شرّاً بذاته، ولا يكون سلبيّ التأثير بشكل أوتوماتيكي، في سوريا أو في غيرها. غير أنّ مقتل المعارضة السورية، بهيئاتها السياسية والعسكرية، كان في ارتهانها لهذه الجهة الدولية أو الإقليمية وتلك، والعمل بدلالة مصالح الداعمين والرعاة لا مصلحة الثورة. وليس من المبالغة القول، إنّ ذلك ما كان ليحدث بهذه السهولة لو أنّ من تصدّروا المشهد المعارض امتلكوا قدراً من الاستقلالية والنزاهة وحسّ المسؤولية الوطنية. لاغرانج
طارق عزيزة
ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

منذ الإعلان عن موعد القمّة الثنائية في جنيف، للرئيسين الأمريكي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين، حاز الموضوع احتفاء إعلامياً كبيراً، فالعلاقات بين موسكو وواشنطن تمرّ في مرحلة وُصِفَت بأنها الأسوأ منذ نهاية “الحرب الباردة. ونظراً لاتّساع الفجوة بينهما، كون الملفّات العالقة هي من التعقيد والتراكب والتنوّع أكبر من أن يحيط بها جميعاً لقاء قمّة، فضلاً عن التوصّل إلى حلول أو تفاهمات جدّية بشأنها في اللقاء، رأى بعضهم أنّ عقد اللقاء يشكّل بحدّ ذاته إنجازاً. لاغرانج

مع ذلك، تكاثرت التحليلات التي سبقت الموعد المرتقب في وسائل الإعلام حول مختلف المسائل، ومنها سوريا التي لم تُعلن إدارة الرئيس بايدن بعد سياسة واضحة في شأنها. وكما هو متوقّع، انتهت المحادثات التي احتضنها قصر “لا غرانج” إلى مواقف عامّة، من قبيل رغبة الجانبين في إيجاد سبل لتقريب المواقف، واالتفاق على بدء مشاورات بين وزارتي الخارجية الروسية والأمريكية في كل اتجاهات التعاون، وفق ما أعلن الرئيس الروسي في مؤتمر صحفي عقده عقب انتهاء القمة.

في زحمة الملفّات والعناوين الإشكالية التي جرى التطرّق لها، ومن ضمنها الاستقرار الاستراتيجي/ النووي، والأمن الرقمي، والموقف في أوكرانيا، وحتى تطوّرات الوضع في القطب الشمالي، كان واضحاً غياب ملفّات منطقة الشرق الأوسط وقضاياها المزمنة، كالملف السوري والقضيّة الفلسطينية عن القمّة. فالمنطقة لم تعد بذات الأهمّية التي كانت عليها خلال القرن الماضي، رغم استمرار الوهم في أذهان كثيرين من سكّانها، بأنّ محورية منطقتهم ومركزيتها في السياسة الدولية، من ثوابت التاريخ وطبيعة الأشياء.

خلال العقد الذي تلا نهاية الحرب العالمية الثانية وشهد انطلاقة “الحرب الباردة”، بين غربٍ تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وشرقٍ بزعامة الاتحاد السوفييتي السابق، برزت على خارطة التنافس العالمي بقوّة أهمية بلدان الشرق الأوسط آنذاك. كان من ملامح تلك المرحلة صراع القوى الكبرى لبسط نفوذها على هذه المنطقة عموماً، وعلى سوريا التي تقع في القلب منها على نحوٍ خاص، حتى غدت حينها مرآةً تعكس طبيعة التوازنات والمصالح الدولية في هذه البقعة من العالم، وباتت الدولة الصغيرة عنواناً رئيساً في نشرات الأخبار، وعلى أجندات صُنّاع السياسة في عواصم القرار العالمي.

لكنّ العالم تغيّر مراراً منذ ذلك الحين، وتغيّرت معه المحدّدات الاستراتيجية في رسم السياسات الدولية ومرتكزاتها إلى حدّ كبير. من ذلك، مثلاً، أنّ مسائل، كالطاقة وطرق الإمداد والموقع الجغرافي والانتشار العسكري التقليدي المباشر على الأرض، لم تعد على الدرجة نفسها من الأهمية التي كانت تحوزها في القرن الماضي، وهي كانت من العناصر الأساسيّة التي أكسبت الشرق الأوسط أهمّيته السابقة، وبالتالي مع التراجع الملحوظ لأهمية تلك العناصر ونهوض أخرى غيرها في غير مكان من العالم، لم يعد للمنطقة الوزن السابق نفسه في حسابات القوى العالمية. لاغرانج

إنّ إغفال هذه الحقيقة (وحقائق كثيرة غيرها)، كان من العوامل الهامّة التي أوقعت المعارضة السورية في حسابات ورهانات خاطئة، منذ الأشهر الأولى للثوة السورية. فهي بدلاً من تركيز جهودها على العامل الثوري، أي حراك الداخل السوري، سارعت إلى تعليق الآمال والأوهام على تدخّل خارجيّ مُتوَهّم يُسقِط النظام وينقذ سوريا منه، سواء كان تدخّلاً أمريكياً وفق النموذج العراقي، أو أطلسياً يحاكي السيناريو الليبي الذي جرى في بدايات “الربيع العربي”. لقد أثبتت الأيام خطأ هذا الرهان، وبيّنت أنّ “الغرب” لم يعد مكترثاً لما يجري في المنطقة، ولم تعد سوريا محط اهتمامه كالسابق، مما أتاح للروس التمدّد والعربدة فيها بحرّية.

يتحمّل نظام الأسد، المسؤولية الأكبر في الأثر السلبي للتدخّلات الإقليمية والدولية في الصراع السوري بلا شك، فهو الذي فتح البلاد على مصراعيها لداعميه الإيرانيين ثمّ الروس، وقدّمها لهم ولمرتزقتهم وميليشياتهم ثمناً لحمايته من السقوط، ومكافأةً لهم على دورهم في القضاء على الثورة. وهو بتعنّته وإجرامه وسبل مواجهته للمظاهرات السلمية منذ أيامها الأولى، يشكّل العلّة الأساس التي تقف وراء الكوارث والويلات التي لحقت بسوريا. لكنّ هذا لا يعني بأيّ حال إلقاء اللوم على القوى الإقليمية والدولية، وتحميلها وحدها مسؤولية المآل السوري الكارثي، لأنّ ذلك ينطوي على ضربٍ من تبرير فشل هيئات المعارضة، ومساعدتها على التهرّب من المسؤولية التي تتحمّل قسطاً غير يسير منها، نظراً إلى أنّ القضية قضيتها أولاً (كما يُفترض)، وثانياً لأنها لم تفلح في توظيف تناقضات الدول وتباين مصالحها، بحيث تكون نقطة قوة في صالح الثورة السورية.

إنّ تداخل العامل الدولي والإقليمي مع القضايا الوطنية للدول ليس شرّاً بذاته، ولا يكون سلبيّ التأثير بشكل أوتوماتيكي، في سوريا أو في غيرها. غير أنّ مقتل المعارضة السورية، بهيئاتها السياسية والعسكرية، كان في ارتهانها لهذه الجهة الدولية أو الإقليمية وتلك، والعمل بدلالة مصالح الداعمين والرعاة لا مصلحة الثورة. وليس من المبالغة القول، إنّ ذلك ما كان ليحدث بهذه السهولة لو أنّ من تصدّروا المشهد المعارض امتلكوا قدراً من الاستقلالية والنزاهة وحسّ المسؤولية الوطنية. لاغرانج
طارق عزيزة
ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit