في انتظار غودو مرة أخرى

أسامة هنيدي

“سنصير شعباً
حين يؤذن للمغني أن يرتل آية من سورة الرحمن
في حفل الزواج المختلط
سنصير شعباً حين نحترم الصواب
وحين نحترم الغلط”
                                                                                                                             محمود درويش

ربما ونحن نقرأ نصّ محمود درويش هذا من عنوانه القائل “سنصير شعباً” لشاعر رحل قبل أن يرى نصّه منشوراً في مجموعته التي طبعت بعد وفاته “لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي”، أقول ربما نستشعر ما كان يكابده الشاعر من مآسٍ ما تزال جاثمة فوق صدورنا، والتي تتمحور حول واقعنا الإشكالي من جهة، وأمنياتنا من جهة ثانية، وربما أراد من وراء الصورة الأولى الإفصاح عن رغباته المقموعة في تحرير النص من أسر مستخدميه والذهاب مباشرة نحو الحرية، وفي صورته الثانية حول رغبة ثانية في احترام الاختلاف ومآلاته. انتظار 

وربما تصب كل تلك الكلمات في الحديث الذي يدور هذه الأيام عن “الوطنية السورية”، وقد تعمدت وضعها بين قوسين لسببين أساسيين:

أولهما: إنّ مفهوم الوطنية السورية هو مفهوم غير موجود إلا وفق سياق رغبات الكثيرين من ذوي النوايا الطيبة، لكن كتعيين تاريخي وسياسي واجتماعي أزعم أن هذا المفهوم لم يتشكل بعد في سياق دولة وطنية، فلا تشكلت دولة وطنية بموجب خطط سايكس بيكو ولا حدث هذا الأمر بعدها، وإن حدثت مقدماته في بلد، كسوريا مثلاً، فقد كان ذلك جزءاً من مرحلة التشكل وليس الاكتمال، أما بعدها من سيطرة الحزب الواحد على مفاصل الدولة والمجتمع بقوة القهر، فلا يمكن أن يرقى بحال من الأحوال لمفهوم الدولة الوطنية، بل هو ضرب لها في الصميم لحظة تحوّل الدولة إلى دولة الأمن بدل انشغالها بتوفير عنصر الأمن لمواطنيها بقوة العنف المشروع، على حدّ تعبير ماكس فيبر، كواحد من مقومات شرعيتها.

ثانيهما: هو اختلاف رؤية كل طرف من الأطراف المتعينة في الشأن السوري لمآلات الوضعية السورية، وإذا شئت أن أسمي تلك الأطراف وتصوراتها التي تودّ إملاءها على السوريين بموضوع يفترض أن يكون شأنهم الخاص ولكن وللأسف ثمة جمهور يقف خلف المصالح المتضاربة في الشأن السوري ويتبنى مفاهيم هؤلاء حول شاكلة وطنيتهم الافتراضية.

فمن ناحية، لدينا فئة تشابه الخطاب السياسي الرسمي والمضمر الروسي لناحية رؤيتها لشكل الوطنية السورية التي ترفع شعار الإبقاء على وحدة الأراضي السورية والدفاع عن الدولة وليس النظام، فبات هذا الشعار رائجاً لدى الكثير من السوريين، بما فيه من وظيفتين ولجهتين.

أما عن الوظيفتين، فهما المعلنة والمضمرة، فالمعلنة منها ترفع هذه الشعارات وتجند لها من المحللين السياسيين المحسوبين عليها والتي تؤطر الدور الروسي في الحفاظ على وحدة “الدولة السورية” وعدم تفككها. انتظار 

أما المضمرة منها، فتلامس طموح المافيا الروسية الحاكمة بالحضور في المتوسط واستنزاف التنوع الموجود في سوريا وثرواتها غير المكتشفة اقتصادياً ومحاولة لعب دور محوري في العلاقات الدولية في العهد البوتيني المستجد والاستبدادي.

أما الجهتين فهما التوجه للداخل السوري من جهة بوصف الروس مسيحاً مخلصاً لسوريا من سيطرة الإرهاب على جزء كبير من مساحتها، ممثلاً بداعش وأخواتها، وهنا يجب أن نتوقف عند شرعنة التدخل الروسي من بوابة مجلس الأمن لأول مرة من خلال البند رقم ثمانية في قرار مجلس الأمن الدولي 2254، كما نوّه الدكتور جمال الشوفي لناحية الجدة في قراءة الأداء السياسي الروسي في الشأن السوري.

أما الجهة الثانية موجهة لـ“المجتمع الدولي” بدلالة حضور روسيا التعطيلي في مجلس الأمن وخطابها المراوغ دولياً حول شرعية تدخلها بطلب من الحكومة السورية، والتي لم يتوانَ فيها المندوب الروسي عن التلويح بيده لنقض كل مشاريع القرارات التي طالت الشأن السوري.

وبالنظر إلى الجانب الإسلاموي في القضية السورية يبدو خطاب الإخوان المسلمين السوريين شديد الانسجام مع مرجعياتهم الماضوية حتى ولو كانوا براغماتيين في حضورهم في الكيانات السورية المعارضة، وبالتالي يغدو موضوع وطنيتهم مرتبطاً ارتباطاً صميمياً بقيم الإسلام، كما يرونه، وليس وفق حياة كل مسلم ووعيه وتوجهاته ونمط حياته، ويمكن أن تلاحظ تلك البراغماتية في تحالف الإخوان مع نائب الرئيس المنشق عبد الحليم خدام بما عرف حينها بجبهة الخلاص الوطني والتي انسحب منها الإخوان لاحقاً.

ثم إنّ المتابع لمنشورات الإخوان السوريين، وعلى موقعهم الرسمي، لن يجد إلا “الوطنيّة” المزينة بالتعازي على أعضاء الجماعة والمنتسبين إليها، ومقالات تنتمي بلغتها إلى قرون خلت، وكثير من الشعارات حول مدنية الدولة التي لا ينسجمون في أدائهم ورؤيتهم وتوجهاتهم مع مدنيتها الافتراضية، فكيف الحال مع تحققها؟

أما رفات القوميين فلا بد أن يكون خطابهم منسجماً مع أيديولوجيتهم التي جربت على مدى عقود فاستحال مفهومهم للوطنية إلى هذر في الوحدة في ظلّ التجزئة على مستوى البلد الواحد، وليس على مستوى مفهوم الوطن العربي، في أدبيات البعث مثلاً، ورسملة متزايدة بدل الاشتراكية وقمع ممنهج للحريات العامة بحجة العداء للمشروع الصهيوني والذي يغازلونه بين الحين والآخر. انتظار 

وبين هذا وذاك، تئنّ الفئة الليبرالية في مجتمعنا السوري ويعاودها ذلك الشعور الدائم بالاغتراب وبالعجز المستديم عن القيام بدورها وفق تصوراتها المستوردة، والتي لم تتوطن بحكم الانتماءات ما قبل الوطنية المكرّسة وغير القابلة للتزحزح في المدى المنظور، ولذلك يفقد خطابها حامله الاجتماعي القادر على تكريسه على مستوى الحضور في الهيئات السياسية الممثلة للطرف المعارض في ظل طغيان مصالح الكبار في اللعبة والذين يرون أن ممثلي تلك الفئة لا يشكلون عنصراً يساندهم في بناء تصوراتهم عن الحل.

ويبقى المجتمع المدني السوري ومنظماته التي تصطدم بعراقيل كثيرة تجعلها غير قادرة على الحديث عن الوطنية بسبب كل ذلك، مضافاً اليها حالة الارتجال في تلك المنظمات والضبابية في فهم أعضائها لدور المجتمع المدني، عدا عن جدة المفهوم، أي المجتمع المدني عند أشخاص لهم انتماءاتهم ما قبل الوطنية والتي لم يستطيعوا التخلص منها لانعدام الأرضية الفكرية والاجتماعية، لذلك من جهة، وبسبب الحاجة الاقتصادية التي ألهت معظمهم عن أداء دوره الأساسي فحولتهم إلى مترزقة بشعارات براقة.

ويمكن القول بناء على كل ذلك، إن تناول فكرة الوطنية في مجتمع متعدد الجماعات والمصالح، مثل سوريا، تبدو مهمة غاية في الصعوبة، وقد لا نجد في المدى المنظور تجسيداً حقيقياً لمفهوم الوطنية السورية إلا بمرور زمن طويل يعقب نهاية حقبة الاستبداد السياسي، والتي تعطل أي توجه نحو هذا المفهوم.

وفي انتظار ذلك الحلم الذي يظهر فيه المؤذن مرتلاً سورة الرحمن في حفل يحضره الإنسان بقيمته المقدسة هو نفسه الحلم الذي لا يغتالنا فيه أحد، لاختلافنا معه بالرأي، بل يحاورنا ويفتح معنا حواراً ديموقراطياً قابلاً لتعديل وجهتي نظر كلينا حول مصيرنا ومستقبلنا ليس لنا إلا العمل لتحقيق ذلك الحلم وبتأنّ شديد وصبر جميل. انتظار 

أسامة هنيدي

ليفانت – أسامة هنيدي ليفانت