عن السلطة والتضييق على المؤسسات الإعلامية والإعلاميين

إيڤا عمر

في بدايات الحرب ضد تنظيم داعش، توجّهت أنظار العالم أجمع إلى المنطقة، وتحديداً سوريا والعراق، كبؤرة ومنبع لمقاتلي الرايات السود.

داعش، آنذاك، كان في نظر الغرب والعالم أسطورة لا تُقهر وسرطاناً يتفشى ويقترب منهم، حتى هُزمت الأسطورة على أيدي المقاتلين الكورد، سواء في سوريا أو العراق.

ليس وحدهم البيشمركة والمقاتلون الكورد هم من هزموا هذا الكابوس الأسود، ولكن الإعلام أيضاً كان له دور كبير في إيصال ما يحدث على الأرض إلى العالم أجمع.
 
خلال عملي في الإعلام الكوردستاني، شاهدت زملائي يتجهون نحو الموت، يقتربون من أوكار الداعشيين فقط لالتقاط صورة ونقل الواقع أو رصد حدث ما، بينما كانت معظم وسائل الإعلام الأخرى تتوخى كل الحذر وتبتعد قدر الإمكان عن الخطر الدامي هناك، في حين كان المصور والمراسل الكوردي يبحثان عنه.

هكذا وصلت رسالة الكورد، وهكذا تبلورت صورتهم في أعين الغرب، حتى أضحى المقاتل الكوردي رمزاً للبطولة والشجاعة وفي جعل المنطقة آمنة من الرايات السواء.
 
الإعلام الكوردستاني، ورغم حداثة عمره، استطاع أن يحدث توازناً لا نراه في الإعلام العربي، على سبيل المثال، لا شك أن ذلك يعود إلى مساحة الحرية والتعبير عن الرأي الموجودة على ساحته، ولا سيما كوردستان ٢٤ التي استطاعت أن تتبوأ مكانة بين القنوات المتمكنة مهنياً وتقنياً.
 
إن ذلك من المبادئ الأساسية في الإعلام يتمناها كل إعلامي، أن يعرض الحقيقة بكل موضوعية ويمتلك مساحة التعبير، ولكن ما يحدث اليوم يتنافى مع تلك المبادئ قلباً وقالباً.
 
خبر إغلاق مكاتب قناة كوردستان ٢٤ من قبل الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا لا تبرره أي حجة، فالإعلام هو ليس فقط بوابة للإشادة وإظهار الإيجابيات، بل من أهم مهامه هي التركيز على السلبيات بغية تداركها، وتسليط الضوء على الحقيقة كما هي.
 
“نشر خطاب الكراهية” هذا ما تضمنه بيان الإدارة الذاتية حول إلغاء تسجيل مكتب كوردستان ٢٤، ولو عدنا بالزمن إلى الوراء وإلى أرشيف القنوات الكوردستانية سنرى ما بذلته من جهد للاهتمام بالشأن الكوردي في الأجزاء الأربعة لكوردستان، بدءاً من الحرب ضد داعش وتغطية أحداث الاحتلال التركي لعفرين وسري كانيه وانتهاءاً بتفاصيل الحياة اليومية للمواطن الكوردي، مع الحرص على تغطية آراء مختلف الأطراف بكامل الحيادية والمهنية، لرأينا أنّ هناك خطاب حياة وواقع وسلام.

فهل فعلاً تستطيع الإدارة الذاتية أن تقدّم دليلاً واحداً على وجود خطاب الكراهية هذا في كل ما قدمته كوردستان ٢٤؟
 
حرية الإعلام والتعبير هي من العوامل الضرورية لقدرة هذه الوسائل على خدمة المجتمع وإيصال رسالتها الأساسية والتعبير عن توجهات الرأي العام وتكوين الوعي السياسي والاجتماعي، ضمن حدود أخلاقيات المهنة.
 
قبل ثلاث سنوات وفي رسالة لها، شددت المديرة العامة لليونيسكو، أودري أزولاي، “أنّ حرية الصحافة والديموقراطية لا يتجزءان، فحرية الصحافة هي من الركائز الأساسية للمجتمعات الديموقراطية، ولا بد من التبادل الحر للأفكار في زمن يزداد فيه الارتياب وسوء الظن ونزع الشرعية عن الصحافة”.
وانطلاقاً من ذلك، على أي سلطة تتدعي الديموقراطية أن تكون متعاونة مع الإعلام داعمة له، لتأسس بنية سليمة لهذة الديموقراطية ولتكون على تطور دائم لا متحاملة عليه وتضع العوائق في وجهه، وتعيد تاريخ الأنظمة الديكتاتورية التي أوصلت شعوبها إلى الحضيض.
 
 “تأجيج الفتنة بين الشعب الكوردي” لطالما كان أداة بيد أعداء الشعب الكوردي، وليس بيد الكوردي نفسه، الذي اليوم أصبح صاحب قضية مسموعة على مستوى العالم أجمع. الكوردي الذي عندما يذكر اسمه بين عامة الشعب في الغرب والذين كانوا جاهلين بوجود شعب كوردي من قبل، يبدون ما يبدون من الإعجاب والإشادة بهذا البطل الذي كان درعاً للعالم، رغم كل هذا اليوم نرى انتهاكاً وممارسة قمعية واضحة بحق قناة كردستان 24 من الإدارة التي ترفع شعار الحرية والديمقراطية في البلاد.

إيفا عمر

ليفانت – إيڤا عمر