سوريا بعد شهر من التجديد للأسد..ماذا تغير في المشهد الاقتصادي؟

ليفانت- نور مارتيني

لم تمض أيام على ما أطلق عليه نظام الأسد اسم “انتخابات”، حتى سحب النظام السوري الغطاء عن كلّ المزايا التي طرحها لتحسين وضع الليرة السورية، بل إنه سحب بعض الامتيازات من الصناعيين والتجار قبيل ما سمّي بـ”الانتخابات”، بعد أن ألزمهم بتكاليف الترويج والإعلانات؛ حيث أنّ هؤلاء التجار والصناعيين منحوا لفترة وجيزة امتيازات تخوّلهم استخدام القطع الأجنبي في معاملاتهم المالية، ليتم التحذير من تبعات هذه الخطوة على “الاقتصاد السوري”، الذي عاد بعدها ليترنّح مستعيداً لياقته في القفزات إلى الوراء، ومسجّلاً تراجعاً قياسياً جديداً في سعر صرف الليرة السورية عالمياً.

ما حصل لاحقاً أن النظام السوري بات أكثر خضوعاً لرغبات تجّاره ورجال أعماله، الذين أثبتوا على مدى السنوات العشر الماضية أنّهم الدّعامة الحقيقية لقيام هذا النظام؛ فـ”الجيش السوري” لم يعد له وجود تقريباً، حيث انقسم ولاؤه بين إيراني وروسي، يستقطبان الشبان والرجال، والقاصرين في بعض الأحيان، في ميليشيات تدفع أموالاً لا قدرة للنظام على دفعها، وتمنح بطاقات أمنية تجعلهم في منأى عن انتقامه!

بعد قرابة الشهر باتت ملامح الأزمة الاقتصادية أشدّ جلاءً ووضوحاً، وبات النظام السوري غير معنيّ بإيجاد حلّ لها، فالأموال التي طرحها بشكل مؤقت لرفع قيمة الليرة السورية، أعيدت إلى خزائنها، ويمكنه الاحتفاظ بها لمدّة أربعة أعوام لاحقة حتى 2028.

في جديد خضوعه لأجندات الصناعيين والتجار، يصدر النظام السوري قرارات من شأنها أن تضع المزيد من الثروات في جيوبهم، على حساب المدنيين والعامة الذين جفّت الدماء في عروقهم، خوفاً وجوعاً وقهراً، وباتت سطوة الأسعار لا تقلّ جبروتاً عن رشاش الدبابة أو برميل المروحية؛ فالجوع نال مناله من أكثر من 90% من السوريين بحسب إحصاءات الأمم المتحدة، والتشبيح الاقتصادي بات أسوأ من مثيله العسكري، فالإتاوات تفرض على كل نواحي الحياة، وآخرها ضريبة البيوع غير المكتملة، أو الترخيص لما سمي أشباه ألبان وأشباه أجبان، وإن تمّ سحبه لاحقاً ولكنه منح شرعية للمصنّعين، حيث يرى البعض أنّه كان الأجدى بالنظام أن يقوم بمصادرة هذه المنتجات ومقاضاة مصنّعيها بتهمة “الغش والتلاعب بالمواد الغذائية” بدلاً من قوننتها ومنحها تسميات تنقذهم من المحاكم الاقتصادية، بذريعة كونها “صديقة لجيوب الفقراء”.

أزمة الخبز.. ومحصول القمح في خبر كان

لم تكد تنقضي فترة العسل والاحتفالات بعد الانتخابات المزعومة، التي أبدى المجتمع الدولي استنكاره لها مراراً، دون أن يعبأ الأسد بهذا الامتعاض كالعادة؛ لم تنقضِ هذه المدّة حتى عادت الطوابير إلى سابق وضعها، وأسعار الصرف قفزت مجدّداً، وهو ما قالت وسائل إعلامية روسية أنّه كان أحد تحضيرات نظام الأسد للانتخابات المزعومة.

حيث قدّر مسؤولون وخبراء في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) ومقرها روما، أن هناك حاجة إلى 1.5 مليون طن على الأقل من واردات القمح في سوريا، مؤكّدين أن استهداف النظام شراء 1.2 مليون طن محلياً يبدو حالياً غير واقعي إلى حد كبير.

زمان: تركيا تحقّق في قضايا فساد مرتبطة باستيراد أطنان من القمح السوري

كما قالت روسيا، وهي من أكبر الدول المصدرة للقمح في العالم وحليفة الأسد، إنها ستبيع مليون طن من الحبوب لسوريا على مدار العام لمساعدتها على الوفاء بالطلب المحلي السنوي، الذي يبلغ أربعة ملايين طن.

 

وذكر برنامج الأغذية العالمي في مارس الماضي، أن عدداً قياسياً من السوريين بلغ 12.4 مليون نسمة أي أكثر من 60 بالمئة من السكان، يعاني من انعدام الأمن الغذائي والجوع، وهو ضعف الرقم المسجل في 2018.

كذلك أفاد البنك الدولي بأن اعتماد السوريين على الخبز المدعوم يتزايد، إذ دفع التضخم الهائل أسعار الغذاء للارتفاع بأكثر من 200 % العام الماضي.

ومن غير المرجح أن تحصل دمشق على أي إمدادات من المزارعين في المناطق الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية” التي يقودها الأكراد في الشمال الشرقي حيث ينمو أكثر من 60% من قمح البلاد.

ضريبة “البيوع غير المكتملة”.. تغوّل رجال الأعمال في السلطة

يبدو أن النظام السوري بات أكثر حاجة للخضوع لرجال الأعمال، ولهذا باتت قراراته عبارة عن محاباة لهؤلاء التجار والمتنفذين، بالإضافة إلى خضوعه للجهات الخارجية في كثير من القضايا.

حيث أنّ انتقادات حادة أثارها تعميم لوزارة المالية السورية إلى مديرياتها، تطلب فيه فرض ضريبة على عملية بيع العقار حتى لو لم تتم.

تهريب الخضار والفواكه من سوريا إلى العراق.. عبء اقتصادي إضافي

وقام عدد من المحامين والاقتصاديين وصفوا القرار بعبارات “الحكم القراقوشي” أو “التشليح الضريبي”، لوصف تلك “الفتوى” التي جاءت رداً على تساؤلات حول عملية إلغاء البيع (النكول)، في معرض تطبيق قانون البيوع العقارية الذي أصدره رئيس النظام السوري بشار الأسد نهاية مارس الماضي، ونص على فرض ضرائب بنحو 1% من القيمة الفعلية للعقار، (وصارت تقدر بعشرات ملايين الليرات) عند عملية البيع.

كما ردّت وزارة المالية على التساؤلات، بكتاب طلبت فيه من مديرياتها: “اعتبار عملية النكول عن البيع بمثابة عملية بيع واجبة التكليف بضريبة البيوع العقارية وفق القانون بتاريخ التصريح بالنكول”.

أشارت إلى أن ذلك يتعارض مع نص القانون ذاته، كما ذكر بعض المحامين، إذ أن الفقرة (د) من المادة 13 من قانون البيوع العقارية تنص على أنه “في حال الحكم برد الدعوى أو شطبها، تقضي المحكمة برد المبالغ المسددة وفق أحكام البند رقم /١/ من هذه الفقرة إلى الشخص الذي قام بالتسديد”.

ونقلت وسائل إعلامية عن المحامي فواز الخوجة قوله إن ذلك التعميم هو “قضاء على عجلة البيع والشراء، ووقف العملية الاقتصادية”، وتساءل: “أين مطرح الضريبة هنا؟ وأين استحقاق الضريبة؟ وأضاف: “ألا يوصف هذا بأنه تعسف في الضريبة، أم اعتداء على حقوق الناس أو تجاوز وقتل للعدالة الضريبية؟”.

أشباه ألبان وأشباه أجبان.. قرارات متضاربة

قامت وزارة التجارة الداخلية لدى النظام السوري، بإصدار قرار بتجميد قرار أصدرته قبل أيام متعلق بـ”أشباه الأجبان والألبان”، وذلك بعد جدل وانتقادات واسعة في البلاد.

اللافت في الموضوع أن القرار هو عبارة عن “تجميد”، وليس تراجعاً أو عدولاً عن القرار السابق؛ وهو مؤشر على أن الوزارة لم تعدل عن الفكرة كلياً.

وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك لدى النظام السوري، قد أصدرت قرارها في وقت سابق، وسط ارتفاع في أسعار الحليب ومشتقاته، جاء تزامنا مع جدل أثاره إنتاج “أصغر عبوة زيت” فرضها واقع ارتفاع أسعار الزيت.

اقرأ المزيد: عسكرة الاقتصاد واقتصاد الحرب.. الميليشيات تحلّ محل الدولة في سوريا

حيث أنّه بموجب القرار، يسمح لمعامل الألبان والأجبان تصنيع منتجات “أشباه الألبان والأجبان”، ويعرفها بأنها “منتجات غذائية يدخل في تركيبها الأساسي الحليب ومشتقاته ويضاف إليه حسب الرغبة الزيوت النباتية غير المهدرجة، النشاء المعدل، أملاح استحلاب، منكهات غذائية مسموحة.

كما اشترطت الوزارة على المعامل “عدم خلط” خطوط إنتاجها من منتجات الألبان، بمنتجات “أشباه الألبان” وعدم تسمية تلك المنتجات بأسماء منتجات الحليب كاللبن واللبنة، واستبدالها بمصطلحات تتناسب مع طبيعة المادة مثل: “كريم مالح، حامض قابل للدهن، تركيبة، قوالب تغطية .. الخ”.

فيما يرى البعض أن القرار هو نوع من “شرعنة الغش” إذ أن اللبن المغشوش موجود في الأسواق وبكثرة، وثمة إقبال عليه نتيجة عدم القدرة على شراء الأفضل.

لم يعد لدى السوريين أمل في غد أفضل، بل بات أقصى حلمهم أن يتمكّنوا من إتمام يومهم دون المزيد من الخسائر، في وقتٍ لم يعد النظام نفسه هو من يصدر القرارات، فالاقتصاد يقول كلمته في مواقع معيّنة، سيما وأنّ رجال الأعمال الذين صنّعهم باتت رقابهم جميعاً تحت نصل العقوبات الأمريكية والأوروبية، فيما يستميت رئيسه للحصول على منصب الرئاسة، ليقتصر دوره على مراسم التشريفات لاستقبال الوفود الإيرانية والروسية، التي تملي عليه لائحة التعليمات، التي لا يملك إلى أن ينصاع لها صاغراً.