روسيا وخطوطها الحمراء

روسيا وخطوطها الحمراء

نشرت صحيفة “زافترا” مقالة بعنوان “روسيا وخطوطها الحمراء” للكاتب والمحلل السياسي رامي الشاعر. ورد ضمن المقال: “بعد أزمة كادت تفضي إلى حرب نووية عام 1962، توصل الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق بتفكيك الصواريخ السوفيتية، مقابل عدم التدخل في كوبا، ورفع الحصار عنها”.

في حديثه لوسائل الإعلام، أعلن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بأنه لا يعتبر الحديث عن انضمام أوكرانيا لحلف الناتو “كلاماً فارغاً”، بل يتعامل معه على محمل الجد. وأشار بوتين إلى أن أكثر من نصف الشعب الأوكراني، أكثر حكمة، ولا يرغبون في أن يصبحوا ضحايا لصراع بين قوتين عظميين، بسبب اقتراب البنى التحتية للناتو من الحدود الروسية، وهو على حد تعبير بوتين “أمر بالغ الأهمية بالنسبة لأمن الشعب الروسي وروسيا”.

لقد حدثت مشكلة الصواريخ الكوبية، والتي اعتبرتها الولايات المتحدة الأمريكية، في ستينيات القرن الماضي، خطاً أحمر بالنسبة لها، بسبب قدرة الصواريخ السوفيتية على الوصول إلى عمق الأراضي الأمريكية خلال 15 دقيقة. لذلك يطرح التساؤل نفسه: لماذا لا يكون من حق روسيا أن تقلق، حينما يكون وصول صواريخ الناتو من مناطق إطلاقها وحتى موسكو ما بين 7 و10 دقائق؟

لماذا لا يريد الغرب استيعاب أن ذلك تحديداً هو خط أحمر للأمن القومي الروسي، ولا يمكن التنازل عنه.

في سياق آخر، دانت وزارة الخارجية الأمريكية حكماً أصدره القضاء الروسي، بتصنيف المنظمات المرتبطة بالمعارض الروسي، أليكسي نافالني، كتنظيمات متطرفة، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، نيد برايس، في بيان له، إن بلاده تدين قرار تصنيف القضاء الروسي 3 منظمات مرتبطة بنافالني متطرفة.

هل يمكن للخارجية الروسية أن تتدخل بالتعليق، سلباً أو إيجاباً، على أحكام القضاء الأمريكي؟ ألا يعدّ ذلك شأناً داخلياً من شؤون سيادة الدولة على أراضيها؟

لماذا يسمح الغرب لنفسه بالتدخل في بيلاروس، بالأموال والتنسيق وتكنولوجيا الثورات الملونة، بعد أن تسبب في انقلاب أوكرانيا عام 2014، وما تلاه من انقسام في البلاد، ولماذا يسمح لنفسه بتجنيد معارضة تعمل لحسابه جهاراً نهاراً، ويعلّق على أحكام القضاء بشأنها، ويتمدد شرقاً كيفما يشاء، ثم بعد ذلك يندهش لدفاع روسيا عن مصالحها وأراضيها وسيادتها؟ ما الغريب هنا؟

منذ أيام، صرّح الرئيس، بايدن، أثناء حديثه إلى القوات الأمريكية، في قاعدة ميلدنهال، الواقعة في مقاطعة سوفولك الإنجليزية، بعدم وجود دولة تستطيع بمفردها حل المشكلات الدولية الراهنة.

“عين العقل” هو ما جال بخاطري لحظتها!

قال بايدن كلاماً يتّسم بالحكمة والرجاحة ورصانة العقل، فقد قال إن “العالم يتغير”، وإن الوضع الحالي “يختلف جوهرياً حتى عمّا كان عليه قبل 10 سنوات”، مشيراً إلى أنه “يجب أن نبني المستقبل المشترك الذي نسعى إليه”.

لسان الحال يقول: “ومن منّا يريد غير ذلك؟”.

أكّد بايدن كذلك على أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تحاول فرض إرادتها على دول أخرى لتحقيق مثل هذا المستقبل، لافتاً إلى أنه “مستقبل تكون فيه الدول خالية من الإكراه أو السيطرة من قبل الدول الأكثر قوة”، وأن مثل هذا المستقبل يفترض مسبقاً أن الفضاء البحري والجوي والخارجي الدولي سيظلّ “حراً ومتاحاً لمنفعة الجميع”.

ونوّه الرئيس الأمريكي إلى أنّ التعاون الدولي يتطلب “إجراءات منسّقة متعددة الأطراف” من أجل التغلّب على الوباء الحالي وتحييد “التهديدات البيولوجية” المستقبلية، وعلى الجميع الالتزام باتخاذ إجراءات مناخية طموحة.

ما الخلاف إذن بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بعد تلك التصريحات “الرائعة”. إن خطاب الرئيس بايدن يتطابق بنسبة 100% مع ما تسعى إليه القيادة الروسية، وما يقوله نظيره الروسي، الرئيس، فلاديمير بوتين، على مدار العقود السابقة.

ربما تفتقد هذه الكلمات فحسب إلى تفاصيل جد بسيطة، تتمثّل في الإعلان عن إجراءات محددة لاستعادة دور هيئة الأمم المتحدة، الذي دأبت الإدارات الأمريكية السابقة على تهميشه، مقابل الهيمنة الأمريكية، وكذلك التوقف عن التهديدات العسكرية وعلى رأسها الرؤوس النووية الموجّهة ضد روسيا.

الخارجية الروسية

ولكي تتطابق الأقوال مع الأفعال، ولنصدّق الرئيس الأمريكي، حتى لا يخدعنا كما فعل الاتحاد الأوروبي والناتو، ووعدونا بعدم التمدد شرقاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، على الرئيس بايدن إصدار أوامره فوراً إلى البنتاغون بتفكيك الـ120 صاروخاً ذات القابلية لتحميل رؤوس نووية، وقواعدها الموجودة في أوروبا، والتي تشكّل تهديداً مباشراً للأراضي الروسية، وتحتاج فقط إلى 15 دقيقة للوصول إلى العاصمة الروسية موسكو. فهل يقدر بايدن على ذلك؟

وهل لنا أيضاً أن نطالب الحكومة الأمريكية بعدم التعليق، سلباً أو إيجاباً، على شؤوننا الداخلية في روسيا، وألا تتدخل المؤسسات الأمريكية الناعمة أو الخشنة في صلب مجتمعنا، لتنقل صورة زائفة وكاذبة عن “الحلم الأمريكي”، وعن “الحرية والديمقراطية على الطريقة الأمريكية”، خاصة وأن الأمثلة أمام الشعب الروسي لا تحتاج إلى تعليق، سواء في أوكرانيا، أو جورجيا أو مولدافيا وغيرها من دول أوروبا “الشرقية سابقاً”، بعدما أغلقت دول أوروبا “الغربية سابقاً” أمامها الحدود والمصارف في ظل جائحة كورونا، ووقفت تلك الدول وحدها أمام الجائحة، بين مطرقة الاتحاد الأوروبي التي تمنعها من الوصول إلى روسيا، أو استيراد اللقاح الروسي، وسندان الحدود المغلقة التي لا تساعدها من جهة الغرب.

مع بدء العد التنازلي للقمة الروسية الأمريكية، تتصاعد التكهنات، وتكتسب الكلمات وحتى طريقة الإلقاء معانٍ ذات تأويلات مختلفة. لكن الخطوط الحمراء بالنسبة لروسيا واضحة وضوح الشمس، ولا أعتقد أن هناك أي نيّة حتى لإضفاء بعض التعديلات عليها. وروسيا الدولة العظمى من القوة بحيث إنها قادرة على الدفاع عن نفسها، والرد بشكل مناسب على أي اعتداء على أراضيها أو سيادتها، بصرف النظر عن مدى فداحة هذا الرد بالنسبة لمدن وعواصم المعتدي، وبصرف النظر عن الدولة التي قد ينطلق منها العدوان.

ليفانتروسيا اليوم