رسائل تسبق القمة الروسية الأمريكية

تصريحات بوتين يوم 09.06.2021 حول أوكرانيا والعلاقة مع الناتو والولايات المتحدة والاتحاد الأوربي، وذلك قبل لقاء القمة المنتظر في يوم 16.06.2021 ليست من باب الصدفة، بل هي رسالة من جملة رسائل تصدر من كل الأطراف. القمة 

نعم ومنذ اللحظة التي وصف فيها الرئيس الأمريكي بوتين بالقاتل، بدأت التصريحات النارية تخرج من كل الأطراف، وبدأت بعدها لعبة عض الأصابع بين الكبار ولعبة الكراسي الموسيقية بين حلفائهم.

فقد وصل التصعيد إلى قمته بعد أن بدأت تحركات القوات العسكرية الأوكرانية والتصريحات النارية التي رافقتها من قبل الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلنسكي، وبعض الزعماء النازيين الجدد الداعين للحرب ضد إقليم الدونباس الأوكراني الذي رفض الانقلاب المسلح الذي حدث في 2014، ضد الرئيس الأوكراني وقتها، ينكوفيتش، لتظهر بعدها مظاهر العنصرية ضد المواطنين الأوكرانيين ذوي الأصول الروسية، والذين قاموا بالإعلان عن إقليمين مستقلين من طرف واحد في منطقة الدونباس (جمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوغانسك الشعبية)، وكل هذا التصعيد رافقه دعم سياسي ولوجستي من قبل الولايات المتحدة وحلفائها.

هذا ما أدى إلى حشد قوات عسكرية روسية بالقرب من الحدود الأوكرانية لم يسبق لها مثيل، وذلك حسب وزارة الدفاع الروسية كان ضمن خطة التدريبات المجدولة لديها من قبل، ومعروف تاريخ بدايتها ونهايتها حتى قبل أن يبدأ التصعيد المسعور من قبل الحكومة الأوكرانية التي تسعى للانضمام للناتو بأي ثمن، لكن الغرب وأوكرانيا بدءا بالصراخ والعويل بأن روسيا تريد الاعتداء على الأراضي الأوكرانية.

لقد أعطت روسيا، وذلك برأيي الشخصي، الغرب إشارة واضحة أن أوكرانيا هي خط أحمر بالنسبة لروسيا، وأنها عازمة للذهاب حتى النهاية ولن تسمح بإبادة جماعية لمواطنين روس على الأراضي الأوكرانية، الأمر الذي أدى إلى تراجع أمريكي وصفته (كييف) الرسمية وغير الرسمية بطعنة في الظهر، فقد اتصل بايدن ببوتين وطلب اللقاء وجهاً لوجه، لمناقشة مواضيع عديدة تم الإعلان عن بعضها، مثل مناقشة الاستقرار العالمي والمناخ والعلاقات الدولية ووباء كوفيد.

انتظرنا فترة من الزمن بعد أن كانت روسيا قد وصفت سياسة الغرب بأنها مصابة بمرض انفصام الشخصية (شيزفرونيا)، نتيجة فرض عقوبات أمريكية جديدة في اليوم التالي للاتصال، المهم وبعيداً عن التصريحات النارية من كل الأطراف، وافق الطرفان على إجراء القمة، وتم الإعلان عن مكانها وتاريخها في اليوم الذي تلا لقاء ضم، وبحسب بيان لمجلس الأمن الروسي، سكرتير مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، ومساعد الرئيس الأمريكي للأمن القومي، جاكوب سوليفان، وقد اتفقا على أن تطبيع العلاقات بين موسكو وواشنطن سوف يستجيب لمصالح البلدين ويعزز الاستقرار في العالم.

بعدها مباشرة تم الإعلان عن عدم إعاقة إتمام مشروع خط السيل الشمالي 2، بين روسيا وألمانيا، وذلك حسب قول بايدن (نعم أنا كنت ضد إتمام هذا المشروع، ولكن بينما وصلت إلى سدة الرئاسة أصبح المشروع أمراً واقعاً)، كما أن الرئيس الفرنسي، ماكرون، صرح أن العقوبات ضد روسيا لا جدوى منها، و اللافت للنظر أيضاً تصريح الأمين العام لحلف الناتو، أن روسيا منافس وليست عدوة، وذلك بعد أن كان الوصف الدائم لروسيا إنها عدوة، مع العلم أن ميثاق الولايات المتحدة يضع روسيا على قائمته بأنها عدوة، كل ما سبق جاء في الوقت الذي أعلنت روسيا عن قائمة ضمت الولايات المتحدة للدول التي اعتبرتها روسيا مناهضة للمصالح الروسية، بكل الأحوال رحبت روسيا بهذه الخطوات أو الرسائل التي تم فهمها على أنها إيجابية تسبق لقاء القمة.

وبالعودة إلى تصريحات بوتين يوم 09.06.2021، وباعتقادي الشخصي إنها أيضاً تعتبر رداً على القانون الأوكراني الذي يتم دراسة فرضه في أوكرانيا، والمتعلق بما يسمى المواطنين الأصليين، إذ أقتبس لكم جزءاً مما جاء على لسان بوتين حيث قال: “الحديث عن انضمام أوكرانيا لحلف الناتو “كلام فارغ”، مشيراً إلى أن ما لا يقل عن نصف سكان أوكرانيا يعارضون انضمامها لـلناتو، وتابع بالقول إنه لا يعرف ما الذي اتفقت عليه كييف والغرب بشأن انضمام أوكرانيا لـ”الناتو”، مؤكداً أن روسيا تأخذ ذلك بعين الاعتبار.

وقال بوتين: “أما ما يخص فكرة انضمام أو خطة انضمام أوكرانيا للناتو، فأنا على علم بها وأرى تعليقات مراقبينا وردود فعل وسائل الإعلام لدينا وسياسيينا، الجميع يضحكون على الرئيس الأوكراني زيلينسكي، ويقولون إن كل ذلك كلام فارغ، ولن يكون هناك أي شيء وإلى آخره، ولكن عندي رأي مختلف”، وأكد أنه لا توجد هناك أي ضمانات لعدم انضمام أوكرانيا للناتو، مشيراً إلى أن اقتراب البنية التحتية للناتو من الحدود الروسية “أمر بالغ الأهمية بالنسبة لأمن الروس وروسيا”.

وأضاف إذا انضمت أوكرانيا إلى “الناتو”، فإن الوقت اللازم لوصول الصواريخ من مناطقها إلى موسكو سيتقلص إلى ما بين 7 و10 دقائق. وتساءل: “هل يعتبر ذلك خطاً أحمر بالنسبة لنا؟”، وأوضح أن عدم اعتبار الروس أحد الشعوب الأصلية في أوكرانيا أمر “غير صحيح وسخيف”، وأن ذلك يوجه ضربة قوية إلى الشعب الروسي بأسره، ولا يمكننا التغاضي عن ذلك، وشبه محاولات تصنيف الشعوب بين أصلية وغير أصلية في أوكرانيا بسياسات ألمانيا النازية (انتهى الاقتباس).

بعد كل ما سبق، أستطيع القول إن الرهان على هذه القمة عالٍ جداً، وأنه في حال فشلها قد تبدأ حروب إقليمية بالوكالة هنا وهناك، قد لا يستطيع أحد إبقاءها ضمن الإطار المرغوب به، ولكن لدي تفاؤل حذر بنجاح هذه القمة والتي سيليها، الإعلان عن تشكيل لجان مشتركة وقمم أخرى لمناقشة ملفات عالقة على خارطة الكرة الأرضية، ففي حال النجاح والتفاهم سيكون الكل رابحين، وفي حال الفشل سيخسر الجميع. القمة 

بسام البني

ليفانت – بسام البني ليفانت