رائحة الحرب تفوح من ليبيا

داليا زيادة
داليا زيادة

كان انتخاب حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، في يناير، تحت إشراف الأمم المتحدة، ورضاء جميع الفصائل السياسية المتنازعة في البلاد، سبباً في ارتفاع الآمال بشأن احتمالية نجاح الحل السياسي لأزمة ليبيا المزمنة. الحرب 

فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتفق فيها الليبيون على شيء، بعد ست سنوات من حروب أهلية طاحنة (٢٠١٤-٢٠٢١) أودت بحياة الآلاف، وخلقت فوضى قبلية مكّنت الإرهاب وسمحت بالتدخلات الخارجية. لكن مع الأسف، بعد بضعة أشهر من هذا الاتحاد الظاهري، يبدو أنّ ليبيا على شفا حرب أهلية جديدة، وأن الحل السياسي مهدد بالسقوط.

إنّ حكومة الوحدة الوطنية هي حكومة مؤقتة، جاءت إلى السلطة لتحقيق هدفين كلاهما صعب ومعقد. الهدف الأول هو توحيد ليبيا، شرقاً وغرباً. أما الهدف الثاني فهو إجراء انتخابات عامة في ٢٤ ديسمبر بحيث ينتج عنها منظومة حكم مستقرة تستطيع قيادة البلاد في المرحلة المقبلة. تبذل حكومة الوحدة الوطنية، بمساعدة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وجيرانها الإقليمين، جهوداً جبارة لتحقيق المهمة الثانية المتمثلة في إجراء الانتخابات في موعدها المقرر دون تأخير، لكن في المقابل القليل جداً يتم بذله من أجل تحقيق الهدف الأول والأكثر أهمية المتمثل في جمع الليبيين على قلب رجل واحد. الحرب 

يقضي قادة حكومة الوفاق معظم وقتهم في السفر إلى الخارج وتوقيع اتفاقيات وبروتوكولات تعاون مع الدول المهمة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. هذه تحركات مهمة لا شك، على الرغم من حقيقة أن حكومة الوحدة الوطنية هي حكومة مؤقتة، وبالتالي فإن جميع الاتفاقيات الدولية وبروتوكولات التعاون التي توقعها هي أيضًا مؤقتة. لكن على الجانب الآخر، تبذل حكومة الوحدة الوطنية مجهودات ضئيلة للغاية، على المستوى المحلي، من أجل خلق آلية مناسبة للتعايش بين الجماعات السياسية الليبية المتنازعة في شرق وغرب البلاد.

في الأسبوع الماضي، تحديداً يوم ٢٠ يونيو، أغلق الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، المعبر الحدودي بين ليبيا والجزائر وأعلنها منطقة عسكرية. ردت حكومة الوحدة الوطنية على الفور ببيان رسمي يحظر تحركات القوات العسكرية، أياً كانت طبيعتها أو انتماءاتها، دون تعليمات مباشرة من القيادة العسكرية المركزية في طرابلس. الحرب 

الجيش المركزي في طرابلس تديره حكومة الوحدة ويتلقى التدريب والعتاد من تركيا؛ بينما يتلقى الجيش الوطني الليبي، الذي يتخذ من بنغازي مقرّاً له، الدعم من روسيا وفرنسا.

جاء التحرّك الأحادي الجانب للجيش الوطني الليبي في نفس الساعة التي أعلن فيها رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عن إعادة فتح الطريق الساحلي، كإشارة على نجاح حكومته في توحيد ليبيا، لكن خيّب حفتر ظنه. طالما عارض الجيش الوطني الليبي فتح الطريق الساحلي لأنه يعني تسليم حفتر للجيش في طرابلس، وعمل الجيش الوطني الليبي تحت إمرة حكومة الوحدة الوطنية، والأهم من ذلك طرد المرتزقة التابعين لروسيا من بنغازي. لكن مع الأسف، اضطرت حكومة الوحدة الوطنية في اليوم التالي إلى إغلاق الطريق الساحلي مرة أخرى لتجنب الاصطدام مع قوات حفتر. الحرب 

بعد يومين، في ٢٣ يونيو، في ختام قمة برلين الثانية حول ليبيا، ذكرت وزيرة الخارجية الليبية أنّ القوات الأجنبية والمرتزقة، سواء التابعين لروسيا أو تركيا، سوف يغادرون البلاد بشكل تدريجي في الأيام التالية. لكن حتى الآن، وقد مر أسبوع على هذه التصريحات، لم يغادر أحد ولم تعلن أي من روسيا أو تركيا خطة سحب قواتها أو حتى المرتزقة التابعين لها. على العكس من ذلك، فإن الوضع الأمني يزداد سوءاً. في وقت سابق من هذا الأسبوع، يوم ٢٦ يونيو، اندلعت اشتباكات بين قبيلتين في بنغازي، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل. أعادت عناصر الميليشيات والأسلحة المستخدمة في هذه الاشتباكات إلى الأذهان معركة بنغازي سيئة السمعة، التي اندلعت عام ٢٠١٤، واستمرت طيلة السنوات الثلاث الأولى من الحرب الأهلية.

من هذا المنطلق، تحتاج حكومة الوحدة الوطنية إلى إعادة تقييم إنجازاتها وأولوياتها بالعودة إلى المهام الموكلة إليها والأهداف التي يتوجب عليها تحقيقها. يجب أن يتم توحيد غرب وشرق ليبيا قبل مواصلة التحضير للانتخابات العامة في ديسمبر. بشكل خاص، إن استمرار انقسام الجيش إلى قوتين متنافرتين شرقاً وغرباً يشكل تهديداً كبيراً للعملية السياسية برمتها، وهو الذي يبرر استمرار وجود القوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة ويزيد من تعقيد عملية تفكيك الميليشيات المحلية. العجيب أن المجتمع الدولي يطالب برحيل القوات الأجنبية والمرتزقة طوال الوقت، ولكنه يتجاهل الانقسام العسكري الليبي، الذي هو أصل المشكلة.

إن توقع نشوب حرب أهلية جديدة في ليبيا وانهيار العملية السياسية ليس تشاؤماً، ولكنه الواقع والاستنتاج المنطقي للمشهد المشتت الذي نراه الآن في ليبيا. تحتاج الانتخابات إلى بيئة آمنة لتحقيق نتائج دائمة يمكن أن تنقذ ليبيا بشكل حقيقي. الطريقة الوحيدة لخلق هذه البيئة الآمنة هي من خلال توحيد القوات العسكرية الشرقية والغربية، قبل فوات الأوان. الحرب 

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة  ليفانت 

كان انتخاب حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، في يناير، تحت إشراف الأمم المتحدة، ورضاء جميع الفصائل السياسية المتنازعة في البلاد، سبباً في ارتفاع الآمال بشأن احتمالية نجاح الحل السياسي لأزمة ليبيا المزمنة. الحرب 

فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتفق فيها الليبيون على شيء، بعد ست سنوات من حروب أهلية طاحنة (٢٠١٤-٢٠٢١) أودت بحياة الآلاف، وخلقت فوضى قبلية مكّنت الإرهاب وسمحت بالتدخلات الخارجية. لكن مع الأسف، بعد بضعة أشهر من هذا الاتحاد الظاهري، يبدو أنّ ليبيا على شفا حرب أهلية جديدة، وأن الحل السياسي مهدد بالسقوط.

إنّ حكومة الوحدة الوطنية هي حكومة مؤقتة، جاءت إلى السلطة لتحقيق هدفين كلاهما صعب ومعقد. الهدف الأول هو توحيد ليبيا، شرقاً وغرباً. أما الهدف الثاني فهو إجراء انتخابات عامة في ٢٤ ديسمبر بحيث ينتج عنها منظومة حكم مستقرة تستطيع قيادة البلاد في المرحلة المقبلة. تبذل حكومة الوحدة الوطنية، بمساعدة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وجيرانها الإقليمين، جهوداً جبارة لتحقيق المهمة الثانية المتمثلة في إجراء الانتخابات في موعدها المقرر دون تأخير، لكن في المقابل القليل جداً يتم بذله من أجل تحقيق الهدف الأول والأكثر أهمية المتمثل في جمع الليبيين على قلب رجل واحد. الحرب 

يقضي قادة حكومة الوفاق معظم وقتهم في السفر إلى الخارج وتوقيع اتفاقيات وبروتوكولات تعاون مع الدول المهمة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. هذه تحركات مهمة لا شك، على الرغم من حقيقة أن حكومة الوحدة الوطنية هي حكومة مؤقتة، وبالتالي فإن جميع الاتفاقيات الدولية وبروتوكولات التعاون التي توقعها هي أيضًا مؤقتة. لكن على الجانب الآخر، تبذل حكومة الوحدة الوطنية مجهودات ضئيلة للغاية، على المستوى المحلي، من أجل خلق آلية مناسبة للتعايش بين الجماعات السياسية الليبية المتنازعة في شرق وغرب البلاد.

في الأسبوع الماضي، تحديداً يوم ٢٠ يونيو، أغلق الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، المعبر الحدودي بين ليبيا والجزائر وأعلنها منطقة عسكرية. ردت حكومة الوحدة الوطنية على الفور ببيان رسمي يحظر تحركات القوات العسكرية، أياً كانت طبيعتها أو انتماءاتها، دون تعليمات مباشرة من القيادة العسكرية المركزية في طرابلس. الحرب 

الجيش المركزي في طرابلس تديره حكومة الوحدة ويتلقى التدريب والعتاد من تركيا؛ بينما يتلقى الجيش الوطني الليبي، الذي يتخذ من بنغازي مقرّاً له، الدعم من روسيا وفرنسا.

جاء التحرّك الأحادي الجانب للجيش الوطني الليبي في نفس الساعة التي أعلن فيها رئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية عن إعادة فتح الطريق الساحلي، كإشارة على نجاح حكومته في توحيد ليبيا، لكن خيّب حفتر ظنه. طالما عارض الجيش الوطني الليبي فتح الطريق الساحلي لأنه يعني تسليم حفتر للجيش في طرابلس، وعمل الجيش الوطني الليبي تحت إمرة حكومة الوحدة الوطنية، والأهم من ذلك طرد المرتزقة التابعين لروسيا من بنغازي. لكن مع الأسف، اضطرت حكومة الوحدة الوطنية في اليوم التالي إلى إغلاق الطريق الساحلي مرة أخرى لتجنب الاصطدام مع قوات حفتر. الحرب 

بعد يومين، في ٢٣ يونيو، في ختام قمة برلين الثانية حول ليبيا، ذكرت وزيرة الخارجية الليبية أنّ القوات الأجنبية والمرتزقة، سواء التابعين لروسيا أو تركيا، سوف يغادرون البلاد بشكل تدريجي في الأيام التالية. لكن حتى الآن، وقد مر أسبوع على هذه التصريحات، لم يغادر أحد ولم تعلن أي من روسيا أو تركيا خطة سحب قواتها أو حتى المرتزقة التابعين لها. على العكس من ذلك، فإن الوضع الأمني يزداد سوءاً. في وقت سابق من هذا الأسبوع، يوم ٢٦ يونيو، اندلعت اشتباكات بين قبيلتين في بنغازي، مما أسفر عن مقتل خمسة أشخاص على الأقل. أعادت عناصر الميليشيات والأسلحة المستخدمة في هذه الاشتباكات إلى الأذهان معركة بنغازي سيئة السمعة، التي اندلعت عام ٢٠١٤، واستمرت طيلة السنوات الثلاث الأولى من الحرب الأهلية.

من هذا المنطلق، تحتاج حكومة الوحدة الوطنية إلى إعادة تقييم إنجازاتها وأولوياتها بالعودة إلى المهام الموكلة إليها والأهداف التي يتوجب عليها تحقيقها. يجب أن يتم توحيد غرب وشرق ليبيا قبل مواصلة التحضير للانتخابات العامة في ديسمبر. بشكل خاص، إن استمرار انقسام الجيش إلى قوتين متنافرتين شرقاً وغرباً يشكل تهديداً كبيراً للعملية السياسية برمتها، وهو الذي يبرر استمرار وجود القوات العسكرية الأجنبية والمرتزقة ويزيد من تعقيد عملية تفكيك الميليشيات المحلية. العجيب أن المجتمع الدولي يطالب برحيل القوات الأجنبية والمرتزقة طوال الوقت، ولكنه يتجاهل الانقسام العسكري الليبي، الذي هو أصل المشكلة.

إن توقع نشوب حرب أهلية جديدة في ليبيا وانهيار العملية السياسية ليس تشاؤماً، ولكنه الواقع والاستنتاج المنطقي للمشهد المشتت الذي نراه الآن في ليبيا. تحتاج الانتخابات إلى بيئة آمنة لتحقيق نتائج دائمة يمكن أن تنقذ ليبيا بشكل حقيقي. الطريقة الوحيدة لخلق هذه البيئة الآمنة هي من خلال توحيد القوات العسكرية الشرقية والغربية، قبل فوات الأوان. الحرب 

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit