حرب البادية السورية.. عسكرية أم سياسية؟

عمار زيدان

عملية عسكرية جديدة سميت بـ”واسعة النطاق” كما مثيلاتها خلال السنوات الماضية من الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي على امتداد البادية السورية، وذلك عبر القوات النظامية الحكومية والمجموعات التابعة لها، إلى جانب القوات الإيرانية مدعومة بغطاء جوي روسي مكثّف في محاولة متجددة للقضاء على خلايا “داعش” المنتشرة في تلك المناطق، أو الحدّ من هجماته شبه اليومية على الأقل، ولكن تلك العمليات العسكرية، كما هو واضح، لم تُثمر عن نتائج تذكر حتى هذه اللحظة. البادية السورية

معارك محدودة

الهجمات العسكرية للقوات الحكومية والإيرانية ضد “داعش” لم تتغير على الصعيدين، العملياتي والاستراتيجي، فقد اقتصرت على عمليات توغل لقوات برية بأسلحة خفيفة ومتوسطة، وتحت غطاء جوي من المقاتلات الحربية الروسية، والتي تعمل بدورها على القصف والتمهيد المكثّف، بالإضافة إلى طائرات مروحية مرافقة بشكل دائم للقوات المتقدمة برياً تحسباً لهجمات التنظيم الدفاعية.

ولهذا يمكن القول إن كافة العمليات العسكرية التي انطلقت خلال الفترة الماضية والمصنفة بالعشرات لم تحقق أي نتيجة تذكر، حيث ما زالت تراوح مكانها واستمرارها على هذا الشكل، يجعل روسيا ومن ورائها القوات الحكومية والإيرانية تحتاج لفترة زمنية كبيرة لتمشيط المساحات الصحراوية الواسعة، في دير الزور والرقة وحمص وحماة وشرقي محافظة السويداء التي ينشط فيها تنظيم داعش الإرهابي.

ولعل غياب النتائج الملموسة للعمليات العسكرية يعود لعدة أسباب، منها ما يتعلق بعقلية القوات المهاجمة، وأخرى تعود إلى تعامل “داعش” مع تلك الهجمات، حيث يُصر معسكر الحكومة السورية وحلفائها على خوض حرب جزئية في البادية.. الهدف منها فقط تأمين طرق الإمداد العابرة، وبخاصة طريق دمشق – ديرالزور، وطريق الرصافة – أثريا.

ويعتبر تركيز القوات الحكومية على خوض معارك محدودة الجغرافية في المناطق المحيطة بطرق الإمداد، طوق النجاة لتنظيم داعش، حيث يترك للأخير آلاف الكيلو مترات في المساحات الجغرافية البعيدة عن تلك الطرق، للانكفاء إليها وتفادي المواجهة مع قوات الحكومة السورية والقوات الإيرانية، وبخاصة مع وجود سلاح الجو الروسي الذي قد يفتك بمقاتليه في البوادي المفتوحة. البادية السورية

حرب التأمين الجزئية التي تخوضها القوات الحكومية والإيرانية، تتبع فيها أسلوب عسكري تقليدي يعرف بـ”الوثبات”، يقوم هذا التكتيك على انتقال القوات المهاجمة من نقطة إلى أخرى في خط عرض أو طول لمسافات معينة، حيث اعتمدت قوات الحكومة خلال العمليات العسكرية الماضية ضد التنظيم على وثبات وصلت إلى 20 كم، وهذه وثبة طويلة جداً في المعيار العسكري.

أسلوب الوثبات أدخل القوات المعادية للتنظيم في إشكاليات كبيرة، أول تلك الإشكالات هو توقف “الوثبة”، نتيجة العوارض الطبيعية، مثل الجبال والوديان، والتي تحتاج لعمليات تمشيط دقيقة للتأمين قبل الانتقال للخطوة الثانية، وهذا يتطلب فترات زمنية طويلة تؤخر سير العمليات العسكرية، وهو ما يفسر المدة الزمنية الطويلة التي استهلكتها قوات الحكومة في العملية الماضية جنوب دير الزور، والتي زادت عن شهر لتمشيط مسافة 60 كم طول بـ170 كم عرض.

الصراع البارد

وبالانتقال إلى جانب آخر بالغ الأهمية في الحرب ضد “داعش” بالبادية السورية، يتمثل في افتقاد روسيا إلى الظهير البرّي القادر على الوفاء بمتطلباته القتالية، بعد سنوات الحرب الماضية، والتي أسفرت عن خسارة القوات الحكومية لعشرات الآلاف من عناصرها، وبالتالي احتياج موسكو المتكرر للتعاون مع الفصائل العسكرية المحسوبة على إيران، الأمر الذي يؤكد صعوبة إنهاء معادلات الشراكة بين الطرفين في الساحة السورية، ففي كل مرة، تفقد فيها إيران الغطاء الجوي الروسي، تتعرّض للانتكاس، وفي كل مرة، تفقد فيها روسيا الظهير البري الإيراني تتعرّض هي الأخرى للخسارة.

ولكي نفهم ما يحدث في البادية السورية بشكل أفضل، علينا أن نعود إلى الوراء قليلاً فمنذ أواخر آب/ أغسطس عام 2020، أطلقت روسيا ما أسمته “عملية الصحراء البيضاء”، بهدف مُعلن مفاده ملاحقة تنظيم داعش الإرهابي الناشط في البادية، لكن تلك العملية كانت بطيئة وبتصعيد محدود، خلال الأشهر الـ4 الأخيرة من العام 2020، وصولاً حتى نهاية شهر كانون الثاني/ يناير 2021، وهي الفترة التي شهدت ازدياداً كبيراً في نشاط خلايا التنظيم وهجماته التي طالت قوافل عسكرية وشاحنات نفط، ظهرت خلالها القوات الإيرانية بمظهر العاجز عن الحد من تفاقم ذلك النشاط.. الأمر الذي مهّد لتحولات في موازين القوى بين الروس والإيرانيين بالبادية السورية.

ما سبق، يؤشر إلى أنّ عمليات روسيا العسكرية ضد “داعش” في البادية السورية، كانت غطاءً للصراع البارد الروسي – الإيراني على تلك المنطقة الغنية بالقيمة الاقتصادية والجيوسياسية، على حدٍ سواء، فالبادية التي تمتد على مساحة تُقدّر بنصف مساحة سوريا، تحتوي ثروات باطنية، تشمل معظم ثروة البلاد المُكتشفة من الغاز والفوسفات، والتي تتركز في بادية حمص الشرقية، حيث حصدت روسيا عقود استثمار نوعية مع الحكومة السورية، على مدى السنوات الـ3 الأخيرة، ناهيك عن احتياطيات محتملة من الفوسفات، وفق كشوفات التنقيب الروسية، التي ذهبت إلى وجود احتياطي من الفوسفات بضعف الكميات المعلن عنها متركزة في بادية دير الزور الجنوبية. البادية السورية

خيارات مُرّة

ويرى مراقبون، أنّ روسيا تسعى لتحقيق مكاسب جديدة في البادية السورية، تتمثل في بدء القوات الحكومية والمجموعات الموالية لإيران، مؤخراً، بحملة تمشيط واسعة في منطقة البادية، حيث تتجلى خيارات مرّة أمام الروس، أكثرها مرارةً، ونجاعةً في الاستعانة مجدداً بالظهير البرّي الإيراني، فالغطاء الجوي الروسي، برفقة مقاتلي إيران على الأرض، كانا دوماً طرفي معادلة ناجحة في تحقيق إنجازات ميدانية نوعية، وهذا الخيار يبدو الأنسب أمام الروس في مواجهة حرب العصابات التي ينتهجها “داعش”، والتي تهدد استثمارات نفطية وغازية وفوسفاتية روسية على أطراف منطقة نشاط التنظيم، لكن هذا الحل الناجع، سيضطر روسيا مجدداً لتجرع كأس مرّة من الشراكة التي لا انفكاك منها مع إيران في سوريا، تلك الشراكة التي تعيق تسوية نهائية مع الغرب، وتمنع تحويل الساحة السورية إلى ساحة استثمار وإعمار، وتجرّ روسيا إلى الخيار الإيراني في سوريا، والذي يقوم على إبقائها ساحةً لأغراض أمنية وسياسية، لا أكثر.

وعلى ذلك، فإنّ الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي في البادية السورية لا تأخذ طابع الحسم العسكري أكثر من كونها توافقات ومصالح متبادلة بين كافة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة على الأرض السورية، وبالتالي فإنّ القضاء على “داعش” مرتبطاً وبشكل وثيق بإنهاء حالة الانقسام الحاصلة بين الأطراف السورية والتوصل إلى حل سياسي دائم، والذي لن يحصل إلا بتوافق أمريكي وروسي إلى جانب الدول الغربية وتركيا وإيران. البادية السورية

عمار زيدان

ليفانت – عمار زيدان ليفانت