المشهد السياسي الآن.. الأزمة في بدء الحوار

منال محمود

بين الأمس والحاضر، صفحات من هويّة الإنسان السّوري انطوت، احترقت أو ربما أُتلفت. نقصد بالأمس عام 2011 الذي انتهى بنا في هذا الحاضر بكلّ ما فيه من تغيبرات وصراعات جعلت من السوري مادّةً للقتل، للاغتيال المعنوي المستمر، ولتقييم درجة الوطنيّة. الأزمة 

ربما الأسوأ والأشدّ قسوة في هذا السّياق، هو أنّ ما يخضع له هذا السّوري يأتي من السّوري الآخر، أي من الشريك في الوطن. لذلك نجدنا اليوم نتراشق الاتهامات، وتتراشقنا المزاودات، وكأننا بتنا جميعاً متّهمين في سوريتنا، وكأنّما الوطن يئس من وطنيّتنا كما يئسنا من حقبقة انتمائنا، أو لكـأنّها لعنة التخاذل تلاحق شعباً. 

لعلّ من أقوى العوامل التي تساهم في خلق إشكالية التعايش بين أفراد شعب وطن واحد هو الشعور بالتخلّي، وكذلك الشعور باختلاف الأولويّات. ذلك أن القاسم المشترك السائد في الحياة الاجتماعيّة الاعتيادية (المستقرّة) هو التشارك في الأساسي والتوحّد في اختيار الحلول للخروج من الأزمات. هذا العرف الاجتماعي تهاوى في الحالة السوريّة مع بداية مرحلة اللااستقرار. الأزمة 

إشكاليّة البناء الاجتماعي

إن خوضنا في هذه الإشكالية يأتي في سياق سعينا لفهم الواقع الاجتماعي الفعليّ للحالة السوريّة من أجل وضع ملامح استراتيجية يمكن أن تساعد في العثور عن عناصر وأسس لبدء عملية البناء في واقع يفتقد إلى الأمن والأمان الاجتماعي والنفسي والفردي والجماعي. إضافة إلى أنّ الاقتصاد يترنّح والمشكلات التي تقابل المواطن في حياته اليوميّة فاقت جميع الحدود، ودون شك فالقوى المستفيدة من هذا ما تزال تتربّص بالوطن.

في واقع كهذا لابدّ من البدء من إعلان بدء الحوار بين جميع السوريين، الشركاء في الوطن، ومن أجل بدء هذا الحوار على الجميع أن يتخلّى عن كل المصالح، باستثناء مصلحة الوطن، وعلى اعتبار أنّنا نفتقد جميعنا حاليّاً لهذا الوطن فيمكن لهذه النقطة أن تكون من بين النقاط القليلة جدّاً التي يمكن أن تجمعنا وأن تستدعي الاصطفاف من أجل هذا الوطن.

حين نتحدّث هنا عن الشركاء في الوطن، فإنّنا نقصد بحتميّة الحوار بين جميع الأطياف السياسية، طبعاً نتحدّث هنا عن الشركاء الوطنيّين الحقيقيّين ممن هم في طرف النظام الحاكم أو في الطرف الآخر. هذا الحوار يمكن أن يكون الخطوة المبدئية في عمليّة البناء الاجتماعي.

وإذا آثر بعض من يقرأ هذا المقال الذهاب إلى فكرة التخوين، باعتبار أنّ الأطراف السوريّة التي أتحدّث عنها لا يمكن أن تلتقي، فإنّني سأذهب أبعد منه وأعتبر أنّ كل من يرفض فكرة الحوار هو من يجب أن يخضع نفسه لميزان التقييم الوطني، لأنّنا وكما أسلفت في مقال سابق في مرحلة اغتيال الوطن السوري والاعتبار الأوّل لكلّ منا هو إنقاذ هذا الوطن.

أياً كان الجانب الذي نقف فيه من الطيف السياسي لا بدّ لنا من الاعتراف أنّ الطريق الوحيد حاليّاً إلى الاستقرار يبدأ من التوافق، ومن أجل تحقيق ذلك فإنّنا نحتاج إلى حوار ملزم وحقيقي. الهدف المرحلي من هذا الحوار هو الاتفاق على برنامج عمل من أجل إنشاء لجان تعمل على الملفّات الملحّة، شرط  تكون آليات العمل واضحة ومعلنة بشفاقية أمام الشعب.

وعلى جميع من يتّفق مع هذه الأفكار، خاصّة ممّن يملك مفاتيح الحوار وإمكانيّة البدء به، أن يشرعوا في وضع استراتيجيّة فعليّة تمكّن من الشروع في تشكيل آليّة لبدء العمل وفتح قنوات بين جميع الأطراف الفاعلة والجدّيّة في هذا الشأن، دون إغفال أنّ هذه هي المرحلة الأعقد في عمليّة البناء لأنّها في الوقت ذاته العمليّة الأشد تأثيراً وفاعليّة ويمكن أن تمكّن من تفعيل الشراكة في الحكم من خلال قيام حكومة ائتلافية.

وهذا ما يقودنا إلى النقطة التي ناقشناها في المقال السابق كي لا نَقتل الوطن (2)، بأنّه إذا كان هنالك إرادة سياسيّة حقيقيّة لدى جميع الأطراف المتصارعة حاليّاً لبدء مرحلةٍ سياسيّةٍ على أسس متطوّرة ومتناسبة مع مستويات المرحلة المجتمعيّة، فلا بدّ من البدء في فتح قنوات الحوار، الأمر الذي بدوره سيدعم بالضرورة العمليّة السياسيّة.

وأزعم هنا أنّ الحوار بين جميع الأطياف والرموز السياسية، وفي هذه المرحلة، هو المخرج الوحيد الذي يتوقّف نجاحه على صدق النوايا، كما لا بد، وأسلفنا، من الشفافية، وإلى مصارحة الشعب في سبيل إقامة دولة ديمقراطية مدنية حديثة. الأزمة 

منال محمود

ليفانت – منال محمود  ليفانت