الغرب وإعادة تدوير الإرهاب

دعم الغرب أسامة بن لادن فقط لأنه كان يعلن الجهاد ضد الاتحاد السوفيتي السابق في أفغانستان، فكانت القاعدة هي الذراع الأمريكي الذي يقوم بعمليات عسكرية ضد القوات السوفيتية هناك، مع العلم أن مفهوم الجهاد وأساليبه لم يتغير، كان وقتها الغرب يرحب بالحروب المقدسة الذي يعلنها متطرفو القاعدة ضد الشيوعية الكافرة الملحدة، حتى جاء الوقت الذي انقلب فيه السحر على الساحر وانقلبت القاعدة على داعميها، وكانت النتيجة تنفيذ العملية الإرهابية التي استهدفت برجي التجارة في الولايات المتحدة، بتاريخ 11 سبتمبر 2001.

اليوم نلاحظ كيف يتم وأمام أعيننا ودون خجل إعادة تبيض صفحة القاعدة عن طريق فتح الإعلام الغربي لزعيم جبهة النصرة (الذي أعلن ولاءه للقاعدة)، ومن بعدها وبمسرحية واضحة أعلن فك الارتباط عنها، وبناء عليه تم تغير اسم جبهة النصرة إلى اسم هيئة تحرير الشام، وتماماً كما كنا نشاهد ابن لادن على شاشات عالمية وعربية يتحدّث فيها عن أهدافه وعقيدته أثناء معاداته للروس، نجد اليوم “أبو محمد الجولاني” على نفس الشاشات يتحدث عن عدائه للروس وأنه لن يهاجم المصالح ولا الأهداف الغربية.

وحسب مصدر دبلوماسي كان قد صرّح لوكالة تاس، أنّ (ممثلاً عن MI6)، الاستخبارات السرية البريطانية، التقى الجولاني في إدلب السورية، وقدم له النصائح مع وعد برفع جبهته عن لوائح الإرهاب)، وذلك على مبدأ (نعم إنه ابن عاهرة، لكنه ابن عاهرتنا)، وطالما أنه يعادي روسيا فهو مرحب به، أما اللحية والعقيدة واللباس المتبدل والمتلون حسب الحاجة فهي تفاصيل.

وقد كان فحوى اللقاء يتمثل باقتراح الجانب البريطاني على زعيم هيئة تحرير الشام (النصرة) إعلان التخلي عن مواصلة عمليات التقويض ضد الدول الغربية وإقامة تعاون وثيق معها. وعرض على “أبو محمد الجولاني” نصيحة بإجراء مقابلة مع أحد الصحفيين الأمريكيين لتشكيل سمعة إيجابية للتحالف الإرهابي الذي يقوده، بهدف إعادة اعتباره لاحقا. (لاحظ أننا نتحدث عن إرهابيين دوليين حددهم مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة). ويُفترض أن يشارك عدد من حلفاء بريطانيا العظمى، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، في عملية تغيير صورة هيئة تحرير الشام. وهو ما نراه اليوم.

تم إجراء المقابلة مع الصحفي الأمريكي مارتن سميث، وتحدّث مع زعيم هيئة تحرير الشام، عن تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وهجوم 11 سبتمبر 2001 الإرهابي، وأبو بكر البغدادي وداعش. وجرى اللقاء في محافظة إدلب السورية.

سخافة الموقف تكمن بما يلي:

اجتماع ضابط MI6 مع الجولاني حدث، وشاهد الجميع المقابلة مع الصحفي الأمريكي، وبريطانيا ترفض التعليق على هذه الأحداث.

علينا أن نتعلم من أخطائنا، فلا يوجد إرهابيون جيدون. كل محاولات مغازلتهم وترويضهم تؤدي إلى نهاية مأساوية. يجب أن نتذكر ذلك دائماً من أجل تجنب وقوع الضحايا الأبرياء والمآسي في المستقبل.

كل محاولات الغرب لتبييض صفحة هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، المعترف بها كمنظمة إرهابية وأنشطتها محظورة في روسيا، لن تؤدي إلى أي شيء. ستحارب روسيا هذه المنظمة الإرهابية حتى يتم تدميرها بالكامل.

الجدير بالذكر هنا، ما أفادت به وسائل الإعلام الروسية في بيان، من أن جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، أعلن اعتقال اثنين من أنصار تنظيم هيئة تحرير الشام المتطرف، كانا يخططان لتنفيذ عملية إرهابية في شبه جزيرة القرم. وأكد جهاز الأمن الفيدرالي في بيان له أنّ المعتقلين (مواطنان روسيان من مواليد 1992 و1999) خططا لتنفيذ هجوم مسلح باستخدام عبوات ناسفة على مؤسسة تعليمية في سيمفيروبول، عاصمة جمهورية القرم.

وأشار مكتب الأمن الفيدرالي أيضاً إلى أنه بعد الهجوم الإرهابي، خطط المسلحون للذهاب عبر أوكرانيا إلى تركيا، ثم إلى سوريا للانضمام إلى صفوف المسلحين، وأن عناصر الأمن عثروا على مادة متفجرة ومكونات لصنع العبوات الناسفة في مكان إقامة المعتقلين، بالإضافة إلى تعليمات ورسائل مكتوبة ومسموعة تم تبادلها بين المعتقلين وممثلي الإرهابيين.

تدل التجربة على أنّ مغازلة الجماعات المتطرفة على الطريقة الغربية مهما كان نوعها، سواء أكان ذلك تطرفاً دينياً أو عرقياً تؤدي في النهاية إلى كوارث حقيقية تدفع شعوب العالم ثمنها.

وفي 16 يونيو 2021، من المقرر عقد اجتماع لزعماء روسيا والولايات المتحدة – بوتين وبايدن. بالطبع ، إذا لم يتم إلغاؤه لسبب ما، فأنا أعتقد أنّ أحد الموضوعات المطروحة للنقاش في الاجتماع سيكون موضوع التعاون المشترك في مكافحة الإرهاب الدولي.

لقد انتظرت روسيا أمريكا طويلاً حسب وعود للأخيرة بفصل المعارضة المعتدلة عن الإرهابيين من جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرهم، وكانت النتيجة صفر.

الآن الأمر متروك لتركيا، وذلك وفقاً لاتفاقيات أستانا، فهي تسيطر على المحيط الداخلي لمنطقة خفض التصعيد في إدلب. بالإضافة إلى ذلك، فهي على اتصال بهيئة تحرير الشام، وكانت قد تعهدت لروسيا وأخذت على عاتقها فصل هيئة تحرير الشام عن المعارضة المعتدلة.

في الختام، أستطيع أن أقول إنّ روسيا تواصل اتباع سياسة ضبط النفس القائمة على مبدأ احترام الاتفاقات الثنائية مع تركيا بشأن هذا الأمر، علماً بأن كل المواعيد قد انقضت وصبر روسيا ليس لا نهائي. لا تنسوا رغبة الغرب الواضحة في تبييض صورة هيئة تحرير الشام لاستبعادها من قوائم الإرهاب.

بالطبع لن تسمح روسيا بذلك، فهي لم تنسَ أفغانستان، حرب الشيشان، تفجيرات مترو الأنفاق، عمليات التفجير في موسكو وفي مدن روسية أخرى، واحتجاز رهائن في المستشفيات والمدارس والمسارح.

تعتبر روسيا أنّ القضاء على الإرهاب العالمي ومحاربتها له، في أي من مظاهره، وأيا كان وراءه، مهمتها الأساسية مهما كان الثمن.

بسام البني
ليفانت –  بسام البني