الأزمة السياسية في ليبيا.. تعدّد الفاعلين وتناقض المصالح

رامي شفيق
رامي شفيق

ثمة مسار ينبغي التدقيق في كافة تفاصيله وعدم تجاهل أي من جوانبه الظاهرة والمستترة في الملف الليبي، وهو تضافر عدد كبير من الفاعلين على خطى المسار السياسي، رغم تنافر وتناقض أهدافهم ومصالحهم الاستراتيجية، ما يبدو جلياً في تعثر كافة خطوات دفع الأزمة قدماً نحو لحظة الاستقرار. الأزمة السياسية

ورغم مرور عدة أشهر على تسلّم حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مقاليد السلطة في ليبيا، عبر نيلها ثقة مجلس النواب والعمل على توحيد المؤسسات والوزارات، بيد أن الانقسام السياسي لا يمكن  تجاهل كافة تفاصيله، لا سيما ما يتعلق بحسم تسمية المناصب السيادية؛ إذ يظل العنوان الأبرز للفجوة الواسعة بين ممثلي مؤسسات الحكم في ليبيا، وتباين التوازنات الديموغرافية والقبلية.

ينظر عدد غير قليل من السياسيين والمتابعين للشأن الليبي أن نقطة تمركز حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، حيث الحضور المكثّف للميلشيات والمرتزقة يعكس جانباً مهماً من الأزمة السياسية التي تتأصّل في الجسد الليبي؛ ويتم توظيفها والعمل على الاستفادة من تداعياتها نحو كافة تطورات المسار الليبي، خاصة فيما يتصل بتوحيد المؤسسة العسكرية، وهو الأمر الذي بدا في غياب رئيس الحكومة العرض العسكري الذي أقامه الجيش الليبي، بينما علق عليه النائب طلال الميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي الليبي، في تصريحات صحفية لوكالة سبوتنيك الروسية قائلاً إن “حضور اللافي والدبيبة الاحتفال الذي أقيم مؤخراً بمناسبة تخريج الدفعة (51) من كلية الدفاع الجوي مصراتة، على الرغم من عدم حضورهما العرض العسكري الذي نظمته القوات المسلحة منذ أيام رسائل تشير إلى جرّ البلاد لمزيد من الحرب والدمار”. فضلاً عن تحميله رئيس الحكومة وعضو المجلس الرئاسي، عبد اللافي، مسؤولية تأخر توحيد المؤسسة العسكرية.

في المقابل، يذهب التيار الآخر، المتمثل في “المجلس الأعلى للدولة”، في هيئة السلطة الليبية، عادل كرموس، عضو المجلس الأعلى للدولة، إلى أن ثمة تبايناً واضحاً بين الاستعراض العسكري الذي نظمته القيادة العامة للقوات المسلحة، ودعا له القائد العام للقوات المسلحة، المشير خليفة حفتر، وبين الاحتفال الذي أقيم  بمناسبة تخريج الدفعة 51 من كلية الدفاع الجوي مصراتة. الأزمة السياسية

كرموس، عضو المجلس الأعلى للدولة، وفي تصريحات للوكالة الروسية ذاتها، أشار إلى أن “استعراض القوات المسلحة انطلق من إرادته الشخصية دون مراعاة التراتبية ودون أخذ الإذن من القائد الأعلى المتمثل في المجلس الرئاسي، أما في مصراتة فإن الاستعراض أجري بعد الحصول على قرار القائد الأعلى وترتب عليه حضور رئيس الحكومة”. كما رأى كرموس أن “المؤسسة العسكرية لن تتوحد أبداً والأزمة كبيرة على عكس تصوّر البعض”.

وتزامن ذلك مع حضور كل من المستشار، عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب الليبي، وخالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، والمحسوب على تيار الإخوان المسلمين بالمغرب، مؤخراً، وذلك في مسعى نحو توحيد الرؤى فيما بين الجانبين بغية الوصول إلى تسمية المناصب السيادية والاستراتيجية.

يتمثل الخلاف بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة حول طرق وآليات ومعايير اختيار شاغلي هذه المناصب السيادية؛ إذ يزعم المجلس الأعلى للدولة البرلمان أنه يقوم بالتصرّف بطريقه فردية، وذلك بعد تشكيله لجنة لإعداد القوائم النهائية للمرشحين معتبراً أنّ ذلك يتعارض مع ما تم الاتفاق عليه في اجتماعات بوزنيقة المغربية، وكذا مع المادة 15 من الاتفاق السياسي التي تنصّ على أنّ اختيار شاغلي المناصب السيادية تكون بالشراكة بينهما.

قراءة الموقف جيداً تشير إلى أنّ هذا الملف الشائك بدا دخانه واضحاً بخروج تصريحات رئيس مجلس النواب ورئيس المجلس الأعلى للدولة منفردة، وعقد وزير الخارجية المغربي، ناصر بريطة، لقاءين منفصلين مع المسؤولين الليبيين في الرباط في محاولة لتقريب وجهات نظرهما، والسعي نحو الوصول لحسم سريع للمناصب السيادية.

غير أنه في واقع الحال يبصر الجميع أن تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح على خلفية تصريحات المستشار عقيلة صالح، الذي أشار فيها إلى كون مسألة المناصب السيادية في حيز المجلس الأعلى للدولة، حين قال إن “مجلس النواب أعد الملفات اللازمة بشأن المناصب السيادية وأرسلها للمجلس الأعلى وينتظر الرد بشأن تسمية رؤساء المناصب، مثل محافظ مصرف ليبيا ورئيس ديوان المحاسبة وغيرها”.

يمثل ملف المناصب السيادية أهم عقبة أمام تجاوز الانقسام السياسي في ليبيا، ومن ثم نقطة البدء نحو توحيد مؤسسات البلاد، فضلاً عن كونه الشرط  الرئيس لإجراء الاستحقاق الانتخابي، الأمر الذي يجعل من تعطيل حسمه تهديداً حقيقياً لنسف خارطة الطريق الأممية في ليبيا، والتي ينبغي أن تصل إلى الاستحقاق الانتخابي بإجراء الانتخابات في نهاية العام الحالي.

ربما من الأهمية إدراك أن الموقف الدولي في تلك اللحظة أكثر ميلاً وتوافقاً مع الوصول لاستقرار المشهد الليبي وتوافق أطرافه الداخلية. غير أنّ تعدّد الأطراف التي تتفاعل مع الأزمة في ليبيا وحضور الميلشيات والمرتزقة يدفع نحو تعطيل مشهد الاستقرار عن عمد، حتى يتم التئام المسار بحسب مصالح وأهداف كل طرف. وبالتالي يمكننا تلخيص الموقف بأن الهدف الحقيقي والنهائي هو الوصول يقيناً للاستقرار لكن بأي طريقة ونحو أي صيغة، هو الأمر الذي يتصارع حوله الجميع في الداخل والخارج، إقليمياً ودولياً.

وعبر ذلك يمكن تدبر بيان الولايات المتحدة الأمريكية التي تدين فيه بشدة الهجوم الذي جرى مطلع الشهر الحالي في مدينة سبها، ويشير دون تسمية أن ثمة  قوى مصممة على “تقويض الاستقرار والوحدة” في ليبيا. وشدد على “الوقوف مع أولئك الملتزمين ببناء مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً لليبيا، من خلال إجراء الانتخابات في ديسمبر، وتوحيد مؤسسات البلاد، ومكافحة الإرهاب، والعمل على التنفيذ الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار”. الأزمة السياسية

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق ليفانت