أنقرة وداعش.. مُحاولات لتبييض الصورة تدحضها التقارير والمنطق

تركيا وداعش

لربما من الطبيعي أن تُصرّح واشنطن أو حتى موسكو، بأنّها قاتلت تنظيمات إرهابية في سوريا، وجهاً لوجه، على اعتبار أنّها كانت حليفة لقوى سورية قاتلت الإرهاب المتمثل في تنظيمات عدة، أبرزها داعش والنصرة وأخواتها، والتنظيمات التي انتقل إليها ما تبقى من داعش والقصد هنا مليشيات ما يعرف بـ”الجيش الوطني السوري”، بجانب مقتل أبو بكر البغدادي في إدلب، الخاضعة عملياً للمخابرات التركية تحت عباءة النصرة، وما كشفه سادات بكر، رجل المافيا التركية من تعاون أمني ولوجستي بين النصرة والجانب التركي.

اقرأ أيضاً: غزة بين إنقاذها مصرياً.. والإتجار بها تركياً وإيرانياً

مناسبة الكلام، ما ذهب إليه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، في الرابع عشر من يونيو الجاري، عندما قال إنّ “تركيا هي الدولة الوحيدة داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي حاربت داعش وجهاً لوجه وقدمت شهداء وحيدت نحو 4 آلاف من عناصره الإرهابية”، وذلك خلال كلمة له في قمة “الناتو” التي انعقدت في العاصمة البلجيكية بروكسل.

العثمانية الجديدة

الإرهابيون والعثمانية

لكن السنوات المنصرمة، أثبتت، سواء أقرّت أنقرة بذلك أم لم تقرّ، بأنّ الإرهابيين كانوا أدواتها المثالية لتمرير مشروع العثمانية الجديدة، عبر نشر الفوضى والخراب في كل الإقليم، ليضحى بعدها الجيش التركي، المُخلص الوحيد من الإرهاب، خاصة أنّ الجهد الجهيد للإرهاب كان مُسلّطاً على استهداف الجيوش النظامية للدول العربية، إن في سوريا أو مصر أو ليبيا أو غيرها، لتصبح معها تلك الدول عاجزة عن حماية حدودها أو تأمين شعوبها.

وقد فصّل، في منتصف أبريل الماضي، الباحث في منتدى الشرق الأوسط، بوراك بكديل، المجموعات الجهادية المتنوعة التي اعتمدت تركيا عليها لتتدخل في شؤون الدول الإقليمية، لافتاً إلى أنّ غالبية تلك المجموعات تتخذ من إدلب مقرّاً لها، وتكاد أن تصبح القوة الوكيلة الدائمة للعثمانيين الجدد، مضيفاً أنّ إدلب أصبحت محافظة تركية بحكم الأمر الواقع، إذ يتم استخدام الليرة التركية فيها كعملة للتبادل التجاري، وتوفر الوكالات الحكومية التركية خدمات، كالتعليم والإسكان والأمن العام، ومنذ بداية 2020، يسيطر الجيش التركي على المنطقة بذريعة حماية نقاط المراقبة التركية من هجوم عسكري سوري وتأسيس منطقة آمنة للنازحين.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تشقّ ذات البَين الإيرانية.. بهجمات في عقر دارها

فيما قال تقريرٌ لصحيفة (Le Telegramme) الفرنسية، في نهاية أبريل الماضي، أنّ المخابرات التركية تمكّنت من السيطرة على عناصر تنظيم داعش السابقين في جيب إدلب، شمالي غربي سوريا، ووظّفتهم في خدمة أردوغان، وهي ذات الخطة التي اتّبعها الرئيس التركي في مدينة جرابلس ومحيطها، في مواجهة القوات الكردية.

وبناءً عليه، لم يتردد أردوغان، في استخدام عدة آلاف من الجهاديين في سوريا لإرسالهم على ثلاث جبهات، كان أولها خلال حروبه الدموية ضد الكُرد في مدينة عفرين، شمال غربي سوريا عام 2018، ثم في شهر تشرين الأول 2019 بمدينة رأس العين، بمجرد تخلّي ترامب عن حلفائه هناك، أما الوجهة الثالثة فكانت في إرسال أكثر من ألفين من هؤلاء الجهاديين، كثير منهم من سوريا، إلى أذربيجان من أجل استعادة جيب “ناغورني كاراباخ” الأرمني، في الخريف الماضي، وخلص التقرير إلى أنّ الجيش التركي استغلّ تنظيم داعش على أكمل وجه، إذ يبقى التنظيم وأمثاله، أكثر فائدة لأنقرة من هيئة الأركان التركية، لأنه من السهل استخدامها والتبرؤ منها عند اللزوم، كونها خارجة عن القوات المسلحة التركية.

مُعاقبة القوى المُواجهة لداعش

ولم يكتفِ الجانب التركي بالوقوف موقف المتفرج إبان تمدد تنظيم داعش على الجانب السوري من الحدود، بل عملت أنقرة على معاقبة من سعى لمواجهة تطرّف التنظيم في سوريا، ففي نهاية أبريل أيضاً، انطلقت في تركيا، محاكمة 108 من قادة حزب الشعوب الديمقراطية المؤيد للأكراد، وهو ثاني أكبر حزب معارض في البلاد، في القضية المعروفة بـاحتجاجات كوباني، المتعقلة بتظاهرات جرت عام 2014، احتجاجاً على حصار تنظيم داعش الإرهابي لمدينة كوباني، التي تقطنها أغلبية كردية في شمال سوريا، وموقف الحكومة التركية منه.

اقرأ أيضاً: أنقرة والقاهرة.. تقارب مُزيف وسلوك تُركي غير أصيل

لكن وكيف لا، فإلى الوقت الراهن، ما يزال تنظيم داعش يجد الأمان لدى أنقرة وميلشياتها السورية، حيث أشارت التقارير المحلية إلى تواجد عناصر وقيادات من تنظيم داعش الإرهابي ضمن صفوف المليشيات الموالية لأنقرة شمال سوريا، وهو ما أكده المرصد السوري لحقوق الإنسان، والذي أفاد في تقرير نشره، بتاريخ الثالث والعشرين من مايو، بأن عدداً ممن كانوا يعرفوا بـ”أمراء” وعناصر تابعين لتنظيم داعش الإرهابي باتوا متواجدين اليوم، في صفوف مليشيات ما يطلق عليها مسمى “الجيش الوطني السوري”.

رجل المافيا يفضح بعض المستور

ورغم أنّها ربما ليست إلا غيضاً من فيض، فقد جاء البرهان الثاني على علاقة أنقرة بالإرهابيين في سوريا على مختلف مسمياتهم (داعش، النصرة، الجيش الوطني السوري)، على لسان زعيم المافيا التركي، سيدات بيكر، ضمن المقطع الثامن المصور له، في الثلاثين من مايو، عندما فضح عمليات النقل غير المشروع للأسلحة إلى الجماعات الجهادية في سوريا، وأنظمة التجارة غير القانونية التي تسيطر عليها المخابرات التركية.

وقد قدم بيكر تفاصيل عن حادثة شاحنات المخابرات التركية، حيث تم القبض على جهاز المخابرات التركي وهو ينقل أسلحة إلى الجهاديين السوريين تحت ستار المساعدات الإنسانية للسكان التركمان في شمال غرب سوريا، وقال بيكر: “الطائرات بدون طيار، أجهزة الراديو تكفي لجميع المقاتلين هناك، سترات واقية من الرصاص، شاحنات ممتلئة”.

اقرأ أيضاً: إجماع أوروبي على مُواجهة خطرها.. عداء موسكو يوحد القارّة العجوز

معلومات أكدها أيضاً المتزعم السابق في مليشيا “أحفاد الرسول”، ويدعى “محمد درويش”، الذي قال لموقع الحل السوري، بتاريخ الواحد والثلاثين من مايو، بأنّ “هيئة “تحرير الشام”، على تواصلٍ مباشر مع الجيش التركي، وتجري اجتماعات دورية عبر مندوبها في تركيا”، كاشفاً أنّ شركة “صادات”، المتهمة من قبل منظمات حقوقية بنقل المقاتلين السوريين إلى ليبيا، وأذربيجان، هي ذاتها التي تتكفل بـ”إيصال هذه الشحنات”، علماً أن صحيفة “جمهورييت” التركية، كانت قد نشرت في العام 2015، صوراً وتسجيلات فيديو تؤكّد إرسال شحنات أسلحة تعود للاستخبارات التركية إلى المعارضة السورية.

داعشية تنقلت بين سوريا وتركيا مراراً

وفي الثاني عشر من يونيو الجاري، أفاد موقع جازيت كارينكا الإخباري، أنّ شاهدة قالت للمحكمة التركية المعنية بتفجير أنقرة عام 2015، أنها سافرت مع أحد المتهمين في الحادثة الإرهابية إلى سوريا، حيث وزعت مساعدات تركية في الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم داعش، وفي حديثها عبر فيديو مسجل، قالت ميرف دوندار إنها سافرت من ألمانيا إلى تركيا، قبل أن تنضم إلى تنظيم القاعدة ثم داعش في سوريا.

وأثناء وجودها في سوريا، قالت ميرف دوندار إنها وزعت مساعدات من مؤسسة الإغاثة الإنسانية (İHH)، وهي منظمة دينية خيرية مقرّها في إسطنبول، ورداً على سؤال حول ما إذا كان تنظيم داعش قد دفع أموالاً لها لتلقي العلاج الطبي في تركيا، قالت ميرف دوندار إنها سافرت مراراً إلى المستشفيات في مقاطعتي إيلازيغ وغازي عنتاب، في جنوب شرق البلاد، وأضافت: “لطالما ذهبت بهويتي الخاصة”.

اقرأ أيضاً: السدود والمياه.. حربٌ تتقنها تركيا في دول الإقليم

وعليه، لا يبدو منطقياً بالمطلق أن تتحدّث أنقرة عن قتال تنظيم داعش في سوريا، وهي التي أمدت داعش وإخواتها بالذخيرة والسلاح والمال والطبابة، وهو ما يفرضه العقل وتكشفه التقارير، وإلا كيف تمددت داعش ووصلت إليها الذخائر وقوافل الجهاديين الإرهابيين من أصقاع المعمورة، ليستقروا في المناطق المُحاذية للحدود التركية حصراً، دوناً عن الحدود اللبنانية والأردنية مع سوريا، في حين لا يلام العراق، الذي كان غارقاً بذات الفوضى، ومتعرضاً لذات المشروع التركي في سوريا.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة