أنا خاسرٌ.. قد يصنع الانتصار من لا شيء

ريدي مشو

بتّ أدرك معنى أن يكون المرء متعباً حدّ الإعياء، فيكاد يغرق ولو كان واقفاً على أرض صلبة! هذا ما أدركته الليلة الماضية. كان اختباراً طارئاً وفجائياً لي على مستوى قدرة التحمّل، تلك القدرة التي تباهيت بها منذ أن أدار الجحيم وجهه صوب سوريا.

عندما تتأخر الانتصارات، يبتدع الخاسر معاركاً من سراب، أو يتعارك مع ظلّه علّ أحدهما يظفر ويخيب الآخر.. والسّوريون خاسرون جميعاً، من بقوا على الأرض قد خسروا، ومن هاجروا خسارة أبداً. لم يظفر أحد في أيّ مكان.

ماذا حدث معي في ليلة البارحة؟

لم يقع الحادث معي شخصياً، بل وقع في مكان آخر.. لكن مهلاً، الخاسر يتصرّف بطريقة مختلفة، يشعر بالانتماء إلى كل انتصار، ولا يهم أين وقع ومن فاز! فإن أنقذ طائر فراخه من ثعبان؛ هو الفائز. وإن فاز أفريقي جائع في حلبة البرّية واصطاد غزالاً؛ يظفر الخاسر بدوره. وإن شتمت امرأة عجوز عنصراً مسلحاً ولكمته على صدره؛ لكأن الخاسر شتم ولكم. وجذع شجرة صامدة في وجه الفأس تشعر الخاسر بالتجذّر، وانتصار ما.

في مقطع الفيديو المنشور، ظننت مثل غيري أن الصيدلاني الذي واجه الرجل المسلح فاز بشجاعة. بعض الناس رأوا العنصر المسلح ونذالته المعممة على أقرانه الأنذال وصولاً إلى الباب العالي، أمّا أنا فانبهرت بالصيدلاني وأشرت إلى هذا التفصيل لغيري من المشاهدين، فاتفق بعضهم معي بسرعة وانقلبت مشاعرهم، فأخذوا يراقبون الضحية وهي تنتصر في كلّ ثانية من عمر مقطع الفيديو. لكن، لم يمضِ الكثير على نشوة الانتصار هذه، إذ انتشر فيديو تمثيلي (مضحك) يحقق فيه عنصر ملثّم مع الجاني والمعتدي على الصيدلاني. انقلب المشهد تماماً، إذ وجد الناس (المشاهدون الخاسرون) أنّ مقارعة الصيدلاني والمعتدي كانت تمثيلاً أيضاً، فغيّروا قناع وجوههم وقفزوا بعصا الزّانة من هذا الطرف إلى ذاك، محققين وثبة قياسية (ومنذ سنوات والسّوريون عموماً يحطّمون الأرقام القياسية، ما يجعل أبطال القفز بالزّانة يخجلون من أرقامهم، فالخاسرون يمكنهم القفز بين الكواكب والمجرّات، وإلى حيث يشاؤون أو يشاء الفيبسوك).

انقلبت المشاعر دون حرج، تحوّل الغضب والحنق والوجع والألم إلى سخرية وضحك مستمر على الممثلين الفاشلين، والثورة الفاشلة، والوطن الفاشل. وبشكل ما تقبّل الخاسرون الضحك والسّخرية كانتصار، واحتفلوا بدهائهم وخبراتهم في تتبع حركات الممثلين والتفريق بين الصدق والزّيف.

لم يضحك أحد من نفسه ومشاعره التي غدت رخيصة ومتقلّبة مع كلّ صورة، وعبارة. ولم يبكوا، لأنهم فقدوا الثقة في وقوع مشهد مماثل على أرض عفرين أو سري كانيه أو تل أبيض وجبل الزّاوية.. طبعاً، لن يشعروا كذلك، فالخاسرون لا يشعرون، لا يلتفتون إلا إلى الانتصار، وتغيب عنهم بقيّة المشاعر ومداراتها.

أمّا أنا فضحكت من نفسي التي صمدت طويلاً في وجه المجازر والمعارك بانتصاراتها وخساراتها، ضحكت بما يكفي لتتأثر كتاباتي اللاحقة. ضحكت، لأنني وعلى مدار سنوات تصرّفت كمثقف حرّيف يتقفّى الأحداث ويحاول تبيان الخفيّ والمستور منها، ظننت أن مهمتي ودوري هو انتشال التفاصيل المهملة ونسجها بعضها ببعض كي تكتمل الصورة. كنت متوهماً، فأنا خاسر بدوري، وتنطبق عليّ مواصفات الخاسرين وتقلّباتهم.

 لقد تغير حالي منذ تفاعلت مع ذلك المشهد التمثيلي المفبرك في الصيدلية (التي لا أعرف في أي بقعة من أرض عفرين تقع، ولا أعرف اسم الممثلين، ناهيك عن ملامح الصيدلاني التي بقيت غائبة طوال مدّة الفيديو. ربما لو شاهدت وجهه لما تماديت في التخيّل!).

حاولت بعد أن تكشّفت لي الحقيقة (ربما هناك المزيد، لا أعرف) أن أنقذ نفسي، وأعيد لعقلي وقلبي كرامتهما التي (تبهدلت في لحظة طيش وانفعال). تساءلت مع نفسي، كيف كنت سأستجيب لو لم يكن المشهد في عفرين؟

بالغت في إنسانيتي وجاوبت: كنت لأتصرف بالمثل، ولو كان المشهد في دمشق أو موسكو أو طهران، لا يهم المكان، فكل ما يهم هو أن مدنيّاً وقف في وجه عسكري.

بالرغم من أنني أراهن على معتقداتي الإنسانية عموماً، لكن في هذه اللحظة أنا كاذب و(أحمق)، ما كان ليستوي المشهد لديّ لو وقع في مكان آخر، ولو أنني هو بذاتي من بكى وتوجّع مراراً على أحوال سكان الأرض؛ بشريّها، وحيوانيّها، ونباتيّها جرّاء الحروب والأعاصير والكوارث.

لا يستوي الأمر، إن تعلّق الأمر بالبشرية أكتفي بالبكاء وضحكة متكززة، لكن عندما اجتاح الأوغاد مدن قلبي وكبدي، بكيت وباشرت بكتابة روايتي الثالثة علّي أحقق انتصاراً ما على الصفحات، وظننت أن الحياة ستدّب في شخصيات روايتي فيبعثون كذلك في الواقع، ويحدثون أعاصير وزوابع تقتلع الدّبابات من الأرض وتحوّل الطائرات إلى خرق بالية. لكن اكتشفت في الفصل الأخير أن بطل روايتي، بينما يحقق الانتصار تلو الآخر، كان مغمى عليه طوال الوقت.

مهلاً- يقول شخص- ماذا عن الانتصارات التي حققناها في وجه بقيّة الأشرار؟

لا أتردد، فأجيبه: حسناً، لا أرى أبعد من عدد الضحايا والشهداء، أعدّ اثنتي عشر ألف شهيد تجري أرواحهم في نهر الفرات ودجله وخابور وجق جق، أعدّ آلاف الجرحى، وعدداً لا يحصى من الضحايا والمنفيين والمنبوذين، أعد المدن، البلدات والقرى المحتلّة والمهدّمة. لا أرى الانتصار كما تراه أنت يا صاحبي، يبدو لي أن نفسيتك تماثل نفسيّة قائد عسكري يرى النصر والخسارة مجرّدين. أمّا أنا فأخاف الدم وأرتعب حين رؤيته، أشعر أنه دمي، دم كلّ انسان دمي.

أريد انتصاراً لا دم فيه،

انتصاراً لا يعلو فيه سوى الغبار هاهنا وهاهنا.

أنا كردي خاسر

أنا سوري خاسر

أنا خاسر قد يصنع انتصاراً من لا شيء

ليفانت – ريدي مشو ليفانت 

بتّ أدرك معنى أن يكون المرء متعباً حدّ الإعياء، فيكاد يغرق ولو كان واقفاً على أرض صلبة! هذا ما أدركته الليلة الماضية. كان اختباراً طارئاً وفجائياً لي على مستوى قدرة التحمّل، تلك القدرة التي تباهيت بها منذ أن أدار الجحيم وجهه صوب سوريا.

عندما تتأخر الانتصارات، يبتدع الخاسر معاركاً من سراب، أو يتعارك مع ظلّه علّ أحدهما يظفر ويخيب الآخر.. والسّوريون خاسرون جميعاً، من بقوا على الأرض قد خسروا، ومن هاجروا خسارة أبداً. لم يظفر أحد في أيّ مكان.

ماذا حدث معي في ليلة البارحة؟

لم يقع الحادث معي شخصياً، بل وقع في مكان آخر.. لكن مهلاً، الخاسر يتصرّف بطريقة مختلفة، يشعر بالانتماء إلى كل انتصار، ولا يهم أين وقع ومن فاز! فإن أنقذ طائر فراخه من ثعبان؛ هو الفائز. وإن فاز أفريقي جائع في حلبة البرّية واصطاد غزالاً؛ يظفر الخاسر بدوره. وإن شتمت امرأة عجوز عنصراً مسلحاً ولكمته على صدره؛ لكأن الخاسر شتم ولكم. وجذع شجرة صامدة في وجه الفأس تشعر الخاسر بالتجذّر، وانتصار ما.

في مقطع الفيديو المنشور، ظننت مثل غيري أن الصيدلاني الذي واجه الرجل المسلح فاز بشجاعة. بعض الناس رأوا العنصر المسلح ونذالته المعممة على أقرانه الأنذال وصولاً إلى الباب العالي، أمّا أنا فانبهرت بالصيدلاني وأشرت إلى هذا التفصيل لغيري من المشاهدين، فاتفق بعضهم معي بسرعة وانقلبت مشاعرهم، فأخذوا يراقبون الضحية وهي تنتصر في كلّ ثانية من عمر مقطع الفيديو. لكن، لم يمضِ الكثير على نشوة الانتصار هذه، إذ انتشر فيديو تمثيلي (مضحك) يحقق فيه عنصر ملثّم مع الجاني والمعتدي على الصيدلاني. انقلب المشهد تماماً، إذ وجد الناس (المشاهدون الخاسرون) أنّ مقارعة الصيدلاني والمعتدي كانت تمثيلاً أيضاً، فغيّروا قناع وجوههم وقفزوا بعصا الزّانة من هذا الطرف إلى ذاك، محققين وثبة قياسية (ومنذ سنوات والسّوريون عموماً يحطّمون الأرقام القياسية، ما يجعل أبطال القفز بالزّانة يخجلون من أرقامهم، فالخاسرون يمكنهم القفز بين الكواكب والمجرّات، وإلى حيث يشاؤون أو يشاء الفيبسوك).

انقلبت المشاعر دون حرج، تحوّل الغضب والحنق والوجع والألم إلى سخرية وضحك مستمر على الممثلين الفاشلين، والثورة الفاشلة، والوطن الفاشل. وبشكل ما تقبّل الخاسرون الضحك والسّخرية كانتصار، واحتفلوا بدهائهم وخبراتهم في تتبع حركات الممثلين والتفريق بين الصدق والزّيف.

لم يضحك أحد من نفسه ومشاعره التي غدت رخيصة ومتقلّبة مع كلّ صورة، وعبارة. ولم يبكوا، لأنهم فقدوا الثقة في وقوع مشهد مماثل على أرض عفرين أو سري كانيه أو تل أبيض وجبل الزّاوية.. طبعاً، لن يشعروا كذلك، فالخاسرون لا يشعرون، لا يلتفتون إلا إلى الانتصار، وتغيب عنهم بقيّة المشاعر ومداراتها.

أمّا أنا فضحكت من نفسي التي صمدت طويلاً في وجه المجازر والمعارك بانتصاراتها وخساراتها، ضحكت بما يكفي لتتأثر كتاباتي اللاحقة. ضحكت، لأنني وعلى مدار سنوات تصرّفت كمثقف حرّيف يتقفّى الأحداث ويحاول تبيان الخفيّ والمستور منها، ظننت أن مهمتي ودوري هو انتشال التفاصيل المهملة ونسجها بعضها ببعض كي تكتمل الصورة. كنت متوهماً، فأنا خاسر بدوري، وتنطبق عليّ مواصفات الخاسرين وتقلّباتهم.

 لقد تغير حالي منذ تفاعلت مع ذلك المشهد التمثيلي المفبرك في الصيدلية (التي لا أعرف في أي بقعة من أرض عفرين تقع، ولا أعرف اسم الممثلين، ناهيك عن ملامح الصيدلاني التي بقيت غائبة طوال مدّة الفيديو. ربما لو شاهدت وجهه لما تماديت في التخيّل!).

حاولت بعد أن تكشّفت لي الحقيقة (ربما هناك المزيد، لا أعرف) أن أنقذ نفسي، وأعيد لعقلي وقلبي كرامتهما التي (تبهدلت في لحظة طيش وانفعال). تساءلت مع نفسي، كيف كنت سأستجيب لو لم يكن المشهد في عفرين؟

بالغت في إنسانيتي وجاوبت: كنت لأتصرف بالمثل، ولو كان المشهد في دمشق أو موسكو أو طهران، لا يهم المكان، فكل ما يهم هو أن مدنيّاً وقف في وجه عسكري.

بالرغم من أنني أراهن على معتقداتي الإنسانية عموماً، لكن في هذه اللحظة أنا كاذب و(أحمق)، ما كان ليستوي المشهد لديّ لو وقع في مكان آخر، ولو أنني هو بذاتي من بكى وتوجّع مراراً على أحوال سكان الأرض؛ بشريّها، وحيوانيّها، ونباتيّها جرّاء الحروب والأعاصير والكوارث.

لا يستوي الأمر، إن تعلّق الأمر بالبشرية أكتفي بالبكاء وضحكة متكززة، لكن عندما اجتاح الأوغاد مدن قلبي وكبدي، بكيت وباشرت بكتابة روايتي الثالثة علّي أحقق انتصاراً ما على الصفحات، وظننت أن الحياة ستدّب في شخصيات روايتي فيبعثون كذلك في الواقع، ويحدثون أعاصير وزوابع تقتلع الدّبابات من الأرض وتحوّل الطائرات إلى خرق بالية. لكن اكتشفت في الفصل الأخير أن بطل روايتي، بينما يحقق الانتصار تلو الآخر، كان مغمى عليه طوال الوقت.

مهلاً- يقول شخص- ماذا عن الانتصارات التي حققناها في وجه بقيّة الأشرار؟

لا أتردد، فأجيبه: حسناً، لا أرى أبعد من عدد الضحايا والشهداء، أعدّ اثنتي عشر ألف شهيد تجري أرواحهم في نهر الفرات ودجله وخابور وجق جق، أعدّ آلاف الجرحى، وعدداً لا يحصى من الضحايا والمنفيين والمنبوذين، أعد المدن، البلدات والقرى المحتلّة والمهدّمة. لا أرى الانتصار كما تراه أنت يا صاحبي، يبدو لي أن نفسيتك تماثل نفسيّة قائد عسكري يرى النصر والخسارة مجرّدين. أمّا أنا فأخاف الدم وأرتعب حين رؤيته، أشعر أنه دمي، دم كلّ انسان دمي.

أريد انتصاراً لا دم فيه،

انتصاراً لا يعلو فيه سوى الغبار هاهنا وهاهنا.

أنا كردي خاسر

أنا سوري خاسر

أنا خاسر قد يصنع انتصاراً من لا شيء

ليفانت – ريدي مشو ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit