ألاعيب النهضة في تونس وليبيا.. رئيس تونس بين مناورات وألغام الإخوان

رامي شفيق
رامي شفيق

ثمة حقيقة لا ينبغي تجاوزها عند تدبر كافة تطورات المشهد السياسي التونسي الذي يتفاعل مرة تلو الأخرى عبر تحركات تتقاطع حتماً مع حركة النهضة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، والتي تعدّ شريكاً وعنصراً فاعلاً في كافة الأحداث، إذ تعددت الحوادث التي تكشف عن تلك التقاطعات والمسارات، المتمثلة في أزمة التعديل الوزاري، وكذا المحكمة الدستورية ثم إقالة السيد عماد بوخريص، رئيس هيئة مكافحة الفساد. فضلاً عن مخالفات حقوقية جمة بخصوص بعض المواطنين، ما حدا بالرئيس التونسي، قيس سعيد، أن يستدعي رئيس الحكومة والمشرف على وزارة الداخلية، ووزيرة العدل، للتعليق على هذه الأمور، ومن ثم، توجيه تحذير رئاسي بأنه لن يسمح بتنظيمات وتشكيلات تهدّد وحدة واستقرار البلاد، أو تمعن في ظنها بالقدرة على تجاوز منصب الرئيس وصلاحياته.

منذ أيام احتفلت حركة النهضة بالذكرى الأربعين لتأسيسها في الوقت الذي يعاني فيه المواطن التونسي من عثرات، معيشية واجتماعية وصحية واقتصادية، عنيفة، لم يصادف مثلها. وفي عمق تلك اللحظة البائسة خرج زعيم الحركة الإسلامية، راشد الغنوشي، ليتحدّث عن رفع أسعار بعض السلع الأساسية والخدمات استجابة لخطط الإصلاح الاقتصادي المستندة لاستشارات خبراء صندوق النقد الدولي، الأمر الذي دفع الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن يحذر مما وصفه بانفجارات اجتماعية كبرى قد تحدث نتيجة الأوضاع الصعبة التي يعاني منها المواطن التونسي.

على خلفية ذلك كله، اندلعت احتجاجات عنيفة بين المواطنين ورجال الشرطة في عدد من المناطق، من أبرزها شارع الحبيب بورقيية، وسط تونس. والملفت في تلك المواجهات هو التعامل الخشن من قبل رجال الأمن مع المتظاهرين إلى الحد الذي دفع النائب في البرلمان التونسي، حاتم المليكي، نحو التصريح في لقاء تليفزيوني، بأن ثمّة  توجيهات للأمن بتصعيد العنف واستخدام القسوة.

لا تستطيع قراءة هذا المشهد الأخير المحتدم بكافة تفاصيله التي تنخرط فيها النهضة، بشكل رئيسي، مرة عبر البرلمان الذي يهيمن عليه راشد الغنوشي، ومرة أخرى عبر الحكومة ورئيسها هشام المشيشي، الذي يتحرّك وفق بوصلة النهضة ومصالحها، سوى من خلال التضييق الإقليمي الذي جرى لحركات الإسلام السياسي في دول الشرق الأوسط، وإنغلاق مصادر الدعم المالي واللوجيستي الذي كان يتدفق بانتظام وفاعلية، خلال الفترات الماضية، عبر تركيا التي تغذي الجماعات والتنظيمات الإسلاموية في الشرق الأوسط بغية التأثير على مفاعيل القرار في تلك الدول لتحقيق مصالحها، لا سيما في ليبيا وتونس.

وتبعاً لتغير الوضع الإقليمي والدولي، خاصة بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن، مطلع العام، للبيت الأبيض، جرت تبدلات لافتة في سياسات المنطقة، وقد ذهب جزء منها باتجاه تجميد تبني ورعاية أنقرة، بشكل فعال، لمصالح الإخوان، ما حدا بحركة النهضة إلى أن تسعى نحو ضبط الأوضاع في الداخل التونسي للدرجة التي تسمح لها بالتحرك في عمق القرار، والتمكن من أدوات التأثير ومراكز صنع القرار، بكافة الوسائل والأدوات، الأمر الذي يمكنها من القدرة على التفاوض حين تتعقد آليات الحل، ويضطر الجميع للجلوس عبر مائدة الحوار، حتى يضحى بمقدورها تحقيق الحد الأقصى لمصالحها في إطار التمكين والهيمنة على الإطارات السياسية. النهضة 

من النماذج الواضحة لتلك الأزمات التي تعكس مساهمة النهضة في بلوغ تونس مرحلة الانسداد السياسي، هو العمل على تعميق واقع الصراع بين البرلمان ومؤسسة الرئاسة، من خلال أزمة قانون المحكمة الدستورية. إذ تتحرك النهضة التي تحوز أغلبية برلمانية نحو بلوغ السيطرة على المحكمة الدستورية، وذلك عبر بعض التعديلات التي حظت بمصادقة البرلمان من خلال قدرة الأخيرة على انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية بأغلبية ثلاثة أخماس، أي ما يعادل مائة وواحد وثلاثين  صوتاً، ما يمكن مجلس النواب حينها من صلاحيات أكبر وأوسع. لكن الرئيس التونسي تصدّى لذلك ورفض أي تشكيل للمحكمة الدستورية ينتخبه مجلس النواب.

وإلى ذلك، تتضح لنا محاولات محمومة من قبل النهضة لإظهار الرئيس التونسي في صورة المعزول عن الأحداث، وفك الارتباط بينه وبين الجماهير، ما يظهر أن الحل السياسي في تونس بعيداً عن مؤسسة الرئاسة. وقد عقّب الرئيس التونسي على الأزمة الأخيرة، والتي تبدو متكررة وتقليدية، بأن “ما حصل ينذر بخطر شديد على الدولة التونسية التي لن أتركها تسقط”،  وأضاف: “أعرف من يحرك الشارع والأزمات ويفتعلها بل يفتعل الأزمة تلو الأخرى للبقاء في الحكم وليعلم أن تونس ليست بضاعة وأن القوانين يجب أن تطبق على الجميع على قدم المساواة”.

وأردف خلال لقائه مع رئيس الحكومة: “لن أسمح لأي كان أن يتطاول على التونسيين أو أن يمسّ أعراضهم أو ذواتهم البشرية وما حصل وما يحصل اليوم غير مقبول على أي مقياس من المقاييس وليتحمل كل واحد مسؤوليته”.

كما يمكن تتبع الخلاف في حادث آخر لافت، لا يمكن غض النظر عن تداعياته وملابساته، ويتصل بالزيارة غير المعلنة للسلطات الليبية عندما وصل وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إلى مطار معيتيقة في ليبيا، وقد كشفت سلطات المطار أنها لم تكن على علم برحلة الوزير التركي الذي جاء عبر رحلة مجهولة قادماً من صقلية.

وعلى خلفية ذلك، وقع جدال عنيف وسط جلسة مجلس النواب الليبي التي كانت تناقش إقرار مشروع الميزانية بسبب تلك الزيارة ومطالبة النائب مصباح دومة ضرورة مساءلة المجلس الرئاسي حول تلك الواقعة، وكذا مدى خرقها للسيادة الليبية لصالح التأثير التركي الذي يتحرك قبل مؤتمر برلين الذي سينعقد، في الثاني والعشرين من شهر حزيران (يونيو) الجاري، بهدف التأكيد على أن الحضور العسكري التركي في ليبيا لا يمثل قوات أجنبية معتبراً أنّ حضورها بناء على دعوة رسمية من طرابلس الأمر الذي يفرض نمطاً روتينياً للحضور، يسمح لها بالتفاوض على هذا الحضور إقليمياً واستغلاله وتوظيف تواجده دولياً، في ظلّ الصراع فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بسبب مناطق الفراغ التي تحركت فيها موسكو خلال الآونة الأخيرة. النهضة 

رامي شفيق
ليفانت – رامي شفيق ليفانت 

ثمة حقيقة لا ينبغي تجاوزها عند تدبر كافة تطورات المشهد السياسي التونسي الذي يتفاعل مرة تلو الأخرى عبر تحركات تتقاطع حتماً مع حركة النهضة (الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين)، والتي تعدّ شريكاً وعنصراً فاعلاً في كافة الأحداث، إذ تعددت الحوادث التي تكشف عن تلك التقاطعات والمسارات، المتمثلة في أزمة التعديل الوزاري، وكذا المحكمة الدستورية ثم إقالة السيد عماد بوخريص، رئيس هيئة مكافحة الفساد. فضلاً عن مخالفات حقوقية جمة بخصوص بعض المواطنين، ما حدا بالرئيس التونسي، قيس سعيد، أن يستدعي رئيس الحكومة والمشرف على وزارة الداخلية، ووزيرة العدل، للتعليق على هذه الأمور، ومن ثم، توجيه تحذير رئاسي بأنه لن يسمح بتنظيمات وتشكيلات تهدّد وحدة واستقرار البلاد، أو تمعن في ظنها بالقدرة على تجاوز منصب الرئيس وصلاحياته.

منذ أيام احتفلت حركة النهضة بالذكرى الأربعين لتأسيسها في الوقت الذي يعاني فيه المواطن التونسي من عثرات، معيشية واجتماعية وصحية واقتصادية، عنيفة، لم يصادف مثلها. وفي عمق تلك اللحظة البائسة خرج زعيم الحركة الإسلامية، راشد الغنوشي، ليتحدّث عن رفع أسعار بعض السلع الأساسية والخدمات استجابة لخطط الإصلاح الاقتصادي المستندة لاستشارات خبراء صندوق النقد الدولي، الأمر الذي دفع الاتحاد العام التونسي للشغل إلى أن يحذر مما وصفه بانفجارات اجتماعية كبرى قد تحدث نتيجة الأوضاع الصعبة التي يعاني منها المواطن التونسي.

على خلفية ذلك كله، اندلعت احتجاجات عنيفة بين المواطنين ورجال الشرطة في عدد من المناطق، من أبرزها شارع الحبيب بورقيية، وسط تونس. والملفت في تلك المواجهات هو التعامل الخشن من قبل رجال الأمن مع المتظاهرين إلى الحد الذي دفع النائب في البرلمان التونسي، حاتم المليكي، نحو التصريح في لقاء تليفزيوني، بأن ثمّة  توجيهات للأمن بتصعيد العنف واستخدام القسوة.

لا تستطيع قراءة هذا المشهد الأخير المحتدم بكافة تفاصيله التي تنخرط فيها النهضة، بشكل رئيسي، مرة عبر البرلمان الذي يهيمن عليه راشد الغنوشي، ومرة أخرى عبر الحكومة ورئيسها هشام المشيشي، الذي يتحرّك وفق بوصلة النهضة ومصالحها، سوى من خلال التضييق الإقليمي الذي جرى لحركات الإسلام السياسي في دول الشرق الأوسط، وإنغلاق مصادر الدعم المالي واللوجيستي الذي كان يتدفق بانتظام وفاعلية، خلال الفترات الماضية، عبر تركيا التي تغذي الجماعات والتنظيمات الإسلاموية في الشرق الأوسط بغية التأثير على مفاعيل القرار في تلك الدول لتحقيق مصالحها، لا سيما في ليبيا وتونس.

وتبعاً لتغير الوضع الإقليمي والدولي، خاصة بعد وصول الرئيس الأمريكي جو بايدن، مطلع العام، للبيت الأبيض، جرت تبدلات لافتة في سياسات المنطقة، وقد ذهب جزء منها باتجاه تجميد تبني ورعاية أنقرة، بشكل فعال، لمصالح الإخوان، ما حدا بحركة النهضة إلى أن تسعى نحو ضبط الأوضاع في الداخل التونسي للدرجة التي تسمح لها بالتحرك في عمق القرار، والتمكن من أدوات التأثير ومراكز صنع القرار، بكافة الوسائل والأدوات، الأمر الذي يمكنها من القدرة على التفاوض حين تتعقد آليات الحل، ويضطر الجميع للجلوس عبر مائدة الحوار، حتى يضحى بمقدورها تحقيق الحد الأقصى لمصالحها في إطار التمكين والهيمنة على الإطارات السياسية. النهضة 

من النماذج الواضحة لتلك الأزمات التي تعكس مساهمة النهضة في بلوغ تونس مرحلة الانسداد السياسي، هو العمل على تعميق واقع الصراع بين البرلمان ومؤسسة الرئاسة، من خلال أزمة قانون المحكمة الدستورية. إذ تتحرك النهضة التي تحوز أغلبية برلمانية نحو بلوغ السيطرة على المحكمة الدستورية، وذلك عبر بعض التعديلات التي حظت بمصادقة البرلمان من خلال قدرة الأخيرة على انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية بأغلبية ثلاثة أخماس، أي ما يعادل مائة وواحد وثلاثين  صوتاً، ما يمكن مجلس النواب حينها من صلاحيات أكبر وأوسع. لكن الرئيس التونسي تصدّى لذلك ورفض أي تشكيل للمحكمة الدستورية ينتخبه مجلس النواب.

وإلى ذلك، تتضح لنا محاولات محمومة من قبل النهضة لإظهار الرئيس التونسي في صورة المعزول عن الأحداث، وفك الارتباط بينه وبين الجماهير، ما يظهر أن الحل السياسي في تونس بعيداً عن مؤسسة الرئاسة. وقد عقّب الرئيس التونسي على الأزمة الأخيرة، والتي تبدو متكررة وتقليدية، بأن “ما حصل ينذر بخطر شديد على الدولة التونسية التي لن أتركها تسقط”،  وأضاف: “أعرف من يحرك الشارع والأزمات ويفتعلها بل يفتعل الأزمة تلو الأخرى للبقاء في الحكم وليعلم أن تونس ليست بضاعة وأن القوانين يجب أن تطبق على الجميع على قدم المساواة”.

وأردف خلال لقائه مع رئيس الحكومة: “لن أسمح لأي كان أن يتطاول على التونسيين أو أن يمسّ أعراضهم أو ذواتهم البشرية وما حصل وما يحصل اليوم غير مقبول على أي مقياس من المقاييس وليتحمل كل واحد مسؤوليته”.

كما يمكن تتبع الخلاف في حادث آخر لافت، لا يمكن غض النظر عن تداعياته وملابساته، ويتصل بالزيارة غير المعلنة للسلطات الليبية عندما وصل وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، إلى مطار معيتيقة في ليبيا، وقد كشفت سلطات المطار أنها لم تكن على علم برحلة الوزير التركي الذي جاء عبر رحلة مجهولة قادماً من صقلية.

وعلى خلفية ذلك، وقع جدال عنيف وسط جلسة مجلس النواب الليبي التي كانت تناقش إقرار مشروع الميزانية بسبب تلك الزيارة ومطالبة النائب مصباح دومة ضرورة مساءلة المجلس الرئاسي حول تلك الواقعة، وكذا مدى خرقها للسيادة الليبية لصالح التأثير التركي الذي يتحرك قبل مؤتمر برلين الذي سينعقد، في الثاني والعشرين من شهر حزيران (يونيو) الجاري، بهدف التأكيد على أن الحضور العسكري التركي في ليبيا لا يمثل قوات أجنبية معتبراً أنّ حضورها بناء على دعوة رسمية من طرابلس الأمر الذي يفرض نمطاً روتينياً للحضور، يسمح لها بالتفاوض على هذا الحضور إقليمياً واستغلاله وتوظيف تواجده دولياً، في ظلّ الصراع فيما بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا بسبب مناطق الفراغ التي تحركت فيها موسكو خلال الآونة الأخيرة. النهضة 

رامي شفيق
ليفانت – رامي شفيق ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit