مَن خَسر النيل الفراعنة أم قاتلو السلام؟

إبراهيم جلال فضلون

“حينما وقعنا الاتفاق كنا ضُعفاء، والآن نحن لسنا كذلك”، ولكن كيف أعاودك وهذا أثر فأسك؟ فقط بعفوية المواقف أو الوقائع التي عايشها الناس، ببساطة عيشهم، وتعبيراتهم التي تعمقت في المعاني وسهولة كلماتها، حتى حاكت كل العقول على اختلاف أنماطهم وثقافاتهم، لتنتقل بميزاتها للجيل الحالي وحداثتهِ، مُعبرين عنها كبار الأدب والشعر وغيرهم في الأمثال والحكايات، وضربوه مثلاً لناكري المعروف، وناكثي العهد، كالنابغة الذبياني، قد قال: أبي لي قبر لا يزال مقابلي وضربة فأس فوق رأسي فاقرة.

وكأن المثل حديثاً للخلطة الشيطانية التي تتجاور فيها الأكاذيب المفضوحة لإثيوبيا ومارقها “أبي أحمد” الذي أبكى السلام لحصوله جائزتها، ومع أنصاف الحقائق، التي تحاول إثيوبيا أن تلعب دور الضحية في مفاوضاتها مع “أُم الدنيا” مصر حول سد النهضة، لكن إذا بلغ الشيطان عقل راكبهِ، وامتطاهُ بترانيم الكذب وإمدادات الشر، سيجعله نادماً كونه ليس على حق، لأنه إذا هبط ورعى بأرض النيل وحده، فلا النيل جابر خواطره، ولا الأرض ستُعطيهُ خيرها، “فما بُني على باطل فهو باطل” ولتلدغنهُ الحية، لغدره بعد أن حلف وأعطى المواثيق أن لا يضرها، ومهما عمد إلى فأسه (ركن قوته المستمدة من الخارج)، لضرب مصر أو السودان كأخ واحد، فخطؤه لا محالة واقع، لأنه يعلم مدى الرُعب والطوفان واللعنة الفرعونية إذا حلت بهم، فكيف أعاودك وهذا أثر فأسك، وهو فاجر لا يُبالي العهد ولا السلام الذي أبكاهُ، في كذب وقح أن دولتي المصب “لا تريدان نجاح الاتحاد الأفريقي في إنهاء المفاوضات حول سد النهضة”، وأن الاتفاقيات التاريخية لمياه النيل لا يمكن قبولها وغير معقولة. 

أولاً: إثيوبيا ليست طرفاً في اتفاقيات 1929 أو 1959، ولم يطلب أحد منها الاعتراف بها. بل هي طرف في اتفاقية 1902 التي تلزمها بعدم إقامة منشآت على النيل الأزرق، وهذه الاتفاقية حدودية، بمعنى أنّها نافذه وإلا على إثيوبيا إخلاء إقليم “بنى شنقول” الذي يوجد عليه السد.

ثانياً: وجهت اتهامات لنظيرتها الأمريكية بأنّها تتخذ «مواقف دنيئة» لأنّها فقط طلبت التمسك باتفاقية إعلان المبادئ التى وقعتها مصر وإثيوبيا في مارس 2015، بألا تبدأ تملأ السد قبل التوصّل لاتفاق نهائي مع مصر والسودان، وهو ما تراجعت عنه إثيوبيا التى أعلنت عن نيتها في ملئه بعد 4 أشهر، وأنّه لا توجد قوة على الأرض ستمنعها من ذلك.

ثالثاً: التصور الأثيوبي بملكية الأنهار التي تتبع من الهضبة الإثيوبية، وسعيها لاستخدام ذلك كأداة اقتصادية واستراتيجية لتركيع وإفقار كل المنطقة المحيطة بهم بمنع المياه عنها، إذ إنّها لا تحتاج إلى حصة من المياه أصلاً، ولا يوجد استخدام لها حول النيل الأزرق بسبب الطبيعة الطبوغرافية، وإنما تريد بيعها ونقلها إلى خارج الحوض كإسرائيل مثلاً.

رابعاً: تقاسم المياه الذى تتحدّث عنه إثيوبيا، لا علاقة له بمفاوضات السد، ولم تطرحه إلا في العام الماضي حين انتقل التفاوض لرعاية الاتحاد الأفريقي، وهو موضوع خارج نطاق إعلان المبادئ أساساً، بل ويؤدي إلى نقضه وفسخه بالكامل، لأنه ينسف البند رقم 3 من إعلان المبادئ. كما أنّ المادة الثانية لاتفاق 1902 تتعهد إثيوبيا بعدم تشييد أي أعمال أو سدود على النيل الأزرق، وبحيرة تانا ونهر السوباط، يكون من شأنه منع جريان النيل إلا باتفاق مع مصر والسودان، ففي عام ١٩٩٣ حينما زار “زيناوي” القاهرة، وقع اتفاقاً إطارياً بالتعهد الوارد فى اتفاقية ١٩٠٢. يومها أيضا لم تكن إثيوبيا محتلة، بل كانت قد قضت على نظام “منجستنو هيلي ماريام”، وتولت الحكم «الجبهة الديمقراطية الثورة الشعبية الإثيوبية» حتى الآن. وبعدما استقر الحكم تكررت الزيارة ووقع هذا الاتفاق، ثم فوجئت القاهرة بقيام إثيوبيا بإلغائه عام ١٩٩٥، وقال “زيناوي” يومها لمسؤول مصري التقاه: “حينما وقعنا الاتفاق كنا ضعفاء، والآن نحن لسنا كذلك”.

خامساً: إنّ إثيوبيا الحالية نفسها دولة استعمارية تمددت بطريقة الاستعمار الغربي على حساب جيرانها مرتكبة فظائع وبشاعات يشيب من هولها الولدان، كالتوسع فى أراضي السودان وغيرها من الدول المحيطة بها، وإعادة احتلال إريتريا، خاصة (مدينة عصب الإريترية)، أو الصومال، للنفاذ إلى البحر والتحول إلى الدولة المحورية التي لا تكتفى بالتحكم في الأنهار، بل وفي ملتقى البحار ومدخل البحر الأحمر، ونلاحظ مثلا تصريحات “زيناوي”، في 2012، بأنّه لن ينقص كوب ماء واحد، والآن يتحدّثون عن تقاسم وبيع ونقل المياه خارج الحوض.. ووعود الأفاق “أبي أحمد”، حتى تصاعدت كل هذه الأوضاع إلى درجة غير مسبوقة بتلميحات رئيس الأركان الإثيوبي بأن بلاده ستقصف السد العالي وأهدافاً استراتيجية أخرى في مصر في حال قصف سد النهضة، في حين بدأت صحف إثيوبية في حملة هجوم ضارٍ على مصر بأن بيتها من زجاج، في حين طالبنا وزير الموارد المائية الإثيوبي بأن نكفّ عن التصرّف على أننا دولة نهرية، وأن نعي أننا يجب أن نكون دولة صحراوية، فإذا أرادت إثيوبيا التنصل من الاتفاقية فيما يخص المياه، فعليها أن تتنازل عما اكتسبته من أراضٍ طبقاً لهذه الاتفاقية.

سادساً: إنّ إثيوبيا ترتكب خطايا لا تُريد الاعتراف بها، وتُكررها مراراً عندما تسنح لها الفرصة، لأنّ حكامها يريدون «عدواً خارجياً» إن لم يجدوه لاخترعوه، يوحدون به العرقيات المتناقضة والمتحاربة فى بلادهم لمواجهته، متناسين أنّ المُتغيرات في هذه المنطقة سريعة الدوران، كما أنّ تماسك إثيوبيا نفسها أصبح سؤالاً مطروحاً بقوة في العديد من الكتابات الغربية.. حيث يتردد السؤال: هل تتجه إثيوبيا إلى المصير اليوغوسلافي؟.

إذاً مربط الفرس ليس وجود اتفاقيات موقعة في عهود استعمارية أو عهود تحرر واستقلال، أو أزمنة القرن 21، فالقصة باختصار هي أنّ إثيوبيا لا تؤمن إلا بمبدأ القوة، والفتوة، لذا ليعلموا أنّ هناك من الفراعنة 100 مليون فتوة، يمكنهم إيقاف الملء الثاني إن لم يكن اتفاقاً، كان إكراهاً.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون