كوردستان والمحيط العربي

كفاح محمود كريم

أثار حديث الرئيس نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كوردستان، في قناة الشرقية نيوز، مؤخراً، ارتياحاً كبيراً في الأوساط العربية الرسمية والشعبية عامة، وفي الأوساط العراقية بشكل خاص، وبالذات في جزئه الذي تحدّث فيه عن العلاقات بين عرب العراق وبين شعب كوردستان وقياداته عبر التاريخ، وتطرّقه إلى أنّ الخلافات المتراكمة اليوم بين بغداد وأربيل هي خلافات عائلة واحدة، رغم ما تقترفه الجماعات الخارجة على القانون والميليشيات السائبة ومن يدعمها بالتعدّي على الإقليم وإشاعة الكراهية والأحقاد ضده.

وما يحصل اليوم ليس غريباً ولا جديداً، فمنذ تأسيس مملكة العراق، مطلع القرن الماضي، حاولت كل الأنظمة المتعاقبة على حكم بلاد ما بين النهرين، مملكة كانت أم جمهورية، تخريب العلاقة بين العرب والكورد، من خلال تلك الحروب التي كانت تشنّها على كوردستان لإخماد انتفاضاتها وثوراتها، لكنها ورغم كل المآسي لم تنجح في تخديش العلاقة بين الشعب الكوردستاني، وبين عرب العراق وبقية دول العالم العربي، حيث حافظت حركة التحرر الكوردية في جميع مراحلها على الأواصر المتينة بين الكورد وبقية الشعوب العربية، بل كانت من أولويات الخطاب السياسي للانتفاضات والثورات الكوردية على مرّ التاريخ، لِما يجمع القوميتان من ثوابت ومشتركات تاريخية وجغرافية في مختلف مناحي الحياة، وحتى أيام الثورات الكوردية كانت المناطق المحررة من كوردستان دائماً ملجأ للمعارضين والثوار العراقيين على مختلف انتماءاتهم السياسية، بل كانت ساحة لنضالهم ضد الديكتاتورية بدعم لوجستي واستراتيجي من قبل قيادة الحركة التحررية والكوردستانية.

وحينما تمتع الإقليم باستقلال ذاتي إثر انتفاضة آذار 1991، وإعلان الفيدرالية كأول قانون يصدره البرلمان الكوردستاني في أواسط 1992، تحوّل الإقليم إلى ساحة لنضال كل العراقيين من مختلف مشاربهم السياسية، حيث فتحوا فيه مقراتهم ومكاتبهم وكل ما يتعلّق بنشاطهم السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وقد تمتع إقليم كوردستان منذ ذلك الحين بعلاقات طيبة مع الدول المجاورة له، خاصة مع كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تميزت بعلاقات إيجابية وتعاون في كل المجلات، نتيجة لنجاح الدبلوماسية الكوردستانية التي قادها الرئيس مسعود بارزاني، منذ الأيام الأولى لاستقلال الإقليم عن نظام بغداد، وانبثاق أول برلمان كوردستاني، مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية، هي الأولى من نوعها في التاريخ الكوردي المعاصر بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان عام 1946.

وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين، وأسست النظام السياسي الجديد، إثر اعتماد دستور دائم للبلاد، الدستور الذي أقرّ واعترف بفيدرالية كوردستان وكيانها السياسي ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية، قاد الرئيس مسعود بارزاني وفريقه منذ 2006 عملية بناء علاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط العربي بشكل خاص، حيث تم إرساء قواعد متينة للعلاقات الكوردستانية العربية، وعلى مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال زيارات رسمية لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والأردن وليبيا وجمهورية مصر العربية، والتي أدّت إلى تمتين العلاقة وفتح ممثليات وقنصليات لها في عاصمة الإقليم وبداية انفتاح كوردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الإعلام الأسود فعلته في تشويه تطلعات الإقليم الكوردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب، شعوباً وفعاليات سياسية، عبر موروث كبير من الإيجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين، جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، رغم ما فعلته أنظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة وإعلامها الأسود، طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من أجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الأرض والمصير.

 إنّ ما يجري اليوم من بعض المجموعات المتطرّفة في إشاعة الكراهية ضد الكورد، باستخدام الوتر الطائفي تارة، والوتر القومي تارة أخرى، سيصطدم بجدار صلب من العلاقة التاريخية بين العرب والكورد، سبق لأعتى الدكتاتوريات أن فشلت في اختراقه، هذه المجموعات الميليشياوية تعمل منذ سنوات وتطمح أن تحيل الخلافات السياسية بين الإقليم والحكومة الاتحادية إلى فتنة قومية أو طائفية مقيتة، من خلال العمليات الإرهابية التي تقترفها ضد الإقليم، وقراءة سريعة للتضامن العربي والعالمي مع كوردستان بعد قصف مطارها من قبل ميليشيات إرهابية دليل على صلابة هذا الجدار وقوة الإقليم وسمعته ومكانته، عربياً وعالمياً، ومتانة الأواصر بين كوردستان والعرب، سواء في العراق أو بقية الدول العربية الأخرى.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم