قراءة في إحاطة بيدرسون الأخيرة.. والفعل الدبلوماسي المطلوب

بسام سفر
بسام سفر

تعيش المسألة السورية في لحظة من سوء لحظاتها تاريخياً بعد انتهاء مهام القتال الكبرى بين النظام وداعميه والفصائل المسلحة وداعميهم، وتثبيت مناطق النفوذ والتقسيم الحالية لمرحلة زمنية يصعب تقديرها الآن.

وتأتي سوء هذه اللحظة من أنّ النظام السوري بكافة رموزه مع الداعمين يعيش الآن في مرحلة تركيز انتخابي سياسي تعيد تثبيت شرعنته دستورياً وفق دستور العام 2012، الذي فصل على مقاسه دون أيه تغيرات تذكر فيه رغم كل ما جرى من أحداث في النهر السوري.

وهو في هذه المرحلة لا يرغب في أي فعل سياسي خارج ما يخطط له الآن، لأن شرعية الأمر الواقع باتت تحصيل حاصل في مناطق السيطرة والنفوذ التابعة لكل جهة محتلة في مناطق احتلالها وتبعية ووصاية قوى الاحتلال على ما يجري في هذه المناطق.

إنّ إحاطة المبعوث الأممي إلى سوريا، غير بيدرسون، تلامس الحضيض السوري من جوانب متعددة، خصيصاً مع إدراك مجلس الأمن والدول الراعية للعملية السياسية رغبة روسيا وإيران والصين أيضاً استمرار هذه الحالة في الأرض السورية من أجل المزيد من الاستخدام وعرض النظام السوري والمسألة السورية في عملية للبيع والشراء والمبادلة، لمن يرغب في إعطاء المقابل.

وأمام تعثر عملية البيع والشراء بين الروسي والأمريكي، في سوريا، وعدم اهتمام جهات دولية في استمرار المأساة والتراجيديا السورية، وجدت الأمم المتحدة ومبعوثها الأممي أنه لا بد من تحسين شروط الأداء في المرحلة المقبلة المتوقعة ما بعد (26/5/2021)، أي ما بعد تثبيت عملية استمرار الحالة القائمة منذ انقلاب الحركة التصحيحية في بداية سبعينيات القرن الفائت.

إذ ركزت الإحاطة على الوضع الاقتصادي الصعب والمتدهور إلى جانب الفساد الكبير، سوء الإدارة، وانهيار الليرة، وانعدام الأمن الغذائي، (12,4) مليون شخص، الآن يعانون من انعدام الأمن الغذائي بزيادة قدرها (4,5) مليون خلال العام الماضي فقط, ونقص حاد في الوقود، لذلك ناشد المبعوث الأممي بيدرسن في البند الثامن المانحين في استمرار دعم الركائز الأساسية لحظة الاستجابة الإنسانية (المساعدات، الحماية، دعم القدرة على الوصول إلى المساعدات).

ويناشد مع المجتمع  المدني عبر غرفة دعم المجتمع المدني التابعة للأمم المتحدة النظر إلى الوضع المتدهور لمعظم السوريين (رسالة مؤتمر بروكسل في نهاية شهر آذار)، حول تدمير النسيج الاجتماعي السوري، وتدهور أوضاع اللاجئين، وتجنب وتخفيف آثار العقوبات على قدرة السوريين في الحصول على الغذاء والإمدادات الصحية الأساسية والدعم الطبي لكورونا.

وفي البند (11) من الإحاطة، يوضح أنّ ملف المعتقلين والمخطوفين والمفقودين (مجمد)، ولا يمكن استعادة اللحمة الاجتماعية السورية (قضايا العائلات)، المجموعات النسائية والمواطنين العاديين، إلا من خلال مجموعة العمل حول الموضوع (إيرانية، روسية، تركية، اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفة مراقب)، اجتمعت مرة واحدة خلال (14شهراً)، تحتاج إجراءات لتفعيل ومناشدة الحكومة السورية وجميع الأطراف الأخرى لإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين.

يتضح بعد هذا القول مقدار عدم اهتمام الأطراف الدولية (مجموعة عمل) تحقيق أي تقدم يذكر في ملف المعتقلين والمفقودين، وهذا يحتاج خطة عمل خاصة وتحرك شعبي، مدني، سياسي، دولي، لفصل هذا الملف عن العملية السياسية التفاوضية، وجعله ملفاً إنسانياً خالصاً فوق تفاوضي، ولإقناع الأطراف المشاركة في مجموعة العمل على مسارين واضحين، مسار سياسي دبلوماسي لفتح الطريق أمام اللجنة لجعل اجتماعاتها دورية بإشراف أممي بعيداً عن اللجنة الدستورية، والعملية السياسية التفاوضية.

والمسار الثاني السياسي السوري، والمدني السوري، والشعبي، والأهلي، الذي يخص أهالي المعتقلين والمخطوفين بأن يكون هناك حراك دوري ثابت في المواعيد والأماكن من أجل جعل هذه القضية حية تحت أنظار اللجنة ومجلس الأمن والأمم المتحدة والهيئات الدولية الإنسانية، والمهتمة في حقوق الإنسان، على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، بحيث يمكن فتح هذا الملف في أي تجمع دولي من الزاوية الإنسانية، ويجب إشراك أطراف دينية ذات تأثير دولي للضغط على النظام والروس.

ويؤكد بيدرسون في البندين (12و13) على أن “الصراع شهد ويشهد تدويلاً كبيراً دون يتحرك نحو الحل، فنحن (المبعوث الأممي والأمم المتحدة) بحاجة إلى دبلوماسية دولية بناءة وشاملة بشأن سوريا لمحاولة تحقيق تقدم خطوة بخطوة”.

وأضاف بيدرسون أنه يحتاج أطراً جديدة للنقاش الدولي أو تشكيلاً دولياً جديداً يضم الأطراف ذات المصلحة التي يمكنها تقديم شيء على الطاولة (محاولات استكشافية للمساعدة في اختبار ذلك).

يطالب بيدرسون في هذين البندين مجلس الأمن في الدفع نحو عملية دبلوماسية خلاقة قادرة على جمع الأطراف المحتلة لسوريا مع النظام والمعارضة والمجتمع المدني، والعمل من أجل التقدم في العملية السياسية التفاوضية خطوة بخطوة، وهذا الأمر يحتاج إلى دبلوماسية خاصة من مجلس الأمن والأمم المتحدة والأطراف الدولية المؤثرة في محاولة خلق أدوات وأطر سياسية دبلوماسية خاصة في العملية السياسية التفاوضية.

فالتدويل الكبير والشديد يجب أن يقابله فعل دبلوماسي كبير وشديد من أجل دفع الجميع إلى طاولة نقاش متواجد عليها الجميع لعدم ترك الوضعية السورية لفعل التخريب والحت الزمني، لأن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى تكريس التقسيم الحالي لزمن طويل.

ويؤكد في البند (14) من الإحاطة، أنّ الانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في سوريا في (26 أيار) وفق دستور العام 2012، وهي ليست جزءاً من العملية السياسية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2254، والأمم المتحدة ليست منخرطة في هذه الانتخابات، وليس لها تفويض للقيام بذلك.

وبهذا يرفع بيدرسون، المبعوث الدولي، عن كاهل مجلس الأمن والأمم المتحدة المشاركة في هذه الانتخابات، وبأنها ليست جزءاً من العملية السياسية التفاوضية، ويدعو للوصول إلى حل سياسي تحت إشراف الأمم المتحدة.

أما فيما يخص اللجنة الدستورية وجولاتها التفاوضية، فيقول في البند (17)، ثانياً: “من أجل مصلحة السوريين أنفسهم، فإن الدورة السادسة للهيئة المصغرة للجنة تحتاج إلى تحضير بعناية، وتقديم ضمانات للتأكد من أنها ستلتزم بتنفيذ المعايير المرجعية والعناصر الأساسية للائحة الداخلية، وأن تستعيد وتساهم في بناء بعض الثقة، وتحقيق تقدم في تفويض اللجنة بإعداد وصياغة إصلاح دستوري للموافقة الشعبية، وأن تكون الدورة السادسة مختلفة عن ذي قبل، مع بعض الأهداف الواضحة، وأساليب العمل الفعالة، وتعزيز التعاون بين الرئيسين المشتركين، ووضع خطة عمل للدورات المقبلة”.

يطالب بيدرسون الوفود الثلاثة ومرجعياتها بالعمل على التحضير الجيد للجولة الدستورية السادسة، وبضمانات من الدول الراعية للنظام، وأطراف المعارضة، بالضغط من أجل إنجاح هذه الجولة وتحقيق تقدم واضح وإلا عدم الذهاب إليها من أجل عدم دفن المسار الدستوري المجمد والواقف منذ نهاية العام الفائت بعد الفشل الشديد في الجولة الخامسة.

ويظهر في البندين (18و19) أنه قدم مقترحات جديدة لآلية العمل في اللجنة الدستورية، وأنه تلقى رداً من وفد المعارضة عبر هادي البحرة، وأنه كان موعوداً بالرد من الكزبري.

ويدعو بيدرسون في البند (20) إلى إطلاق عملية تفاوضية سياسية واسعة، ويرى أنها ضرورية لخلق الظروف الآمنة والهادئة والمحايدة، بشكل تدريجي، التي يمكن أن ترسخ إصلاحاً دستورياً توافقياً ومدعوماً على نطاق واسع في سوريا.

ويؤكد أن هذه هي نفس الشروط المطلوبة لعودة آمنة وكريمة وطوعية للاجئين السوريين ولإجراء الانتخابات المنصوص عليها في القرار 2254، وهناك خطوات تولد الحركة نحو هذه الأهداف، ويتطلب ذلك دبلوماسية دولية بناءة لتحديدها وتنفيذها.

إن البندين (18و19) يظهر فيهما التركيز لإيجاد آلية عمل جديدة معتمدة على تفعيل البنود القديمة في اللائحة الداخلية من أجل الدفع قدماً إلى الأمام في عملية الإصلاح الدستوري أو إنتاج دستور جديد، وعدم انعقاد الجولة السادسة للجنة الدستورية المصغرة منذ فشل الجولة الخامسة من اجتماعاتها، تحت ضغط الفشل السابق.

يتضح المأزق الذي تعيشه العملية السياسية التفاوضية والمبعوث الدولي، بيدرسن، في سوريا، بعدم وجود رغبة دولية بالتقدم في المسار السياسي التفاوضي، خصيصاً من جهة النظام والدول الداعمة له، إذ إن هذه الدول تربط المسار السياسي التفاوضي السوري بملفات سياسية دولية كبرى أخرى في العالم، ولا ترغب في عزل المسألة السورية عن قضايا مثل “الملف الإيراني النووي”، والاحتلال الروسي لأوكرانيا، والعقوبات الاقتصادية تجاه الدولتين.

ويضاف إلى ذلك عدم اهتمام الدول الغربية من الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، بدفع جزء من أثمان التغير السياسي في سوريا، بدون الإفصاح عن ذلك إسرائيلياً، ورغبة الأمريكي والإسرائيلي بمزيد من استنقاع المسألة السورية، بحيث تجبر الروسي والإيراني والنظام على القبول بما يعرض عليهم نتيجة الأزمات المستمرة التي هم بها.

أخيراً، يتوجب الدفع مع المبعوث الأممي ومجلس الأمن والدول الراعية إلى عمل دبلوماسي واسع الطيف لإنتاج آليات مقاربة جديدة للمسألة السورية معتمدة على القرار الدولي 2254، وتفصل المسألة السورية عن مصالح الاحتلال الموجود على الأرض السورية، لعل ذلك يصون وحدة البلاد السورية، أرضاً وشعباً.

بسام سفر

ليفانت – بسام سفر