عندما تكون الإدارة للشعب لمرة واحدة

عبد الوهاب أحمد

لن أدخل في تفاصيل كيفية اتخاذ قرار ما في “الإدارة الذاتية”، أو مدى ملامسته للواقع الذي يعيشه الشعب في المناطق الكردية منذ أن تسلّم حزب الاتحاد الديموقراطي السلطة هناك، ولكن من المهّم أن ندرك أحياناً الدوافع التي تقف خلف معظم القرارات التي صدرت وتصدر تباعاً في هذه “الإدارة”، لا سيما الخاصة منها، في المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.

قبل أيام، صدر القرار رقم /١١٩/ عن الإدارة الذاتية، الخاص برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تجاوزت ٣٠٠٪ لبعضها، ما أثار موجة من الغضب والاستياء، تكللت في اليوم التالي بخروج الناس إلى الشارع منددين بالقرار ومطالبين بإلغائه فوراً لما له من تداعيات كارثية على حياة الناس اليومية، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها سوريا والمناطق الكردية بشكل خاص.

لاشك، إلغاء هذا القرار أمر إيجابي، ومهما كانت حيثياته، لطالما كان سينعكس أثره سلباً على الوضع المعيشي للناس في مناطقنا، إلا أنه ثمة تساؤلات فرضت نفسها حول توقيت إصداره، وهل فعلاً قرار رفع أسعار المحروقات اُتخذ عن عبث ودون دراسة؟ أم فعلاً تم التشاور عليه مع الخبراء؟ وهل الخبراء الذي قصدهم المسكين (المهباش) هم نفسهم الخبراء الذين نعرفهم عندما يريدون تمرير رسائل سياسية محددة لجهة ما؟

لا يقبل المنطق ومهما كان ساذجاً، أن لا يعلم أو يتوقع مُشرّع القرار/١١٩/ بردة فعل الشارع السلبية ورفضه له، أو أن لا يعلم بحجم المواقف السياسية التي ستستثمر لاحقاً من الأحزاب الحليفة قبل الخصمة للتنديد بهذا القرار.

الإدارة الذاتية التي صدر القرار باسمها، سحبت قرارها ليس محبّةً بالناس، أو احتراماً لمشاعرهم، أو خوفاً من مواقف الأحزاب كما ادعى البعض، بل يبدو أنّ قرار السحب نفسه اتخذ قبل إصداره، لكنه طُرح على ما يبدو لتمرير رسائل ذات مدلولات سياسية إلى الجهة المتنفذة (الإدارة الأمريكية في شرق الفرات) لحسابات الحاكم الفعلي للإدارة الذاتية- حزب العمال الكردستاني وسياساته فيما يتعلق بصراعه مع تركيا، ووجوده في شنكال وإقليم كردستان العراق، ومستقبله في سوريا، إلى جانب عدم جعل رموز وقيادات الحزب في قنديل أكباش فداء من قبل واشنطن، إرضاءً لأنقرة، ودعماً لحلفائها في سوريا.

فالحاكم الذي لم يبخل طوال السنوات الماضية بأي فعلٍ ضد هذا الشعب الذي خرج بالأمس، لا يرمش له جفن إن بقي المتظاهرون في الشارع لأيام وشهور، وليس عاجزاً على إسكات تلك الأصوات في لحظات، لكنه لم يرغب بذلك هذه المرة، بل أراد أن يثير حول القرار مزيداً من ردود الفعل الشعبية والسياسية المحلية لتصل للدائرة الأوسع الإقليمية والدولية، وتزامن صدور القرار مع حادثة رشق الدورية الأمريكية بالحجارة من قبل منظمة الشباب الثورية التابعة لحزب العمال الكردستاني، إلى جانب قيام بعض المتظاهرين في الشدادة بأعمال عنف، والاتهام المبطن لبيان قوى الأمن الداخلي ( الأسايش) بوجود جهات خارجية بين المتظاهرين.

باعتقادي، ليست إلا رسائل أراد “الحزب” توجيهها إلى الإدارة الأمريكية التي تنشد وتعمل بالتنسيق مع حلفائها الإقليمين والدوليين من أجل إقامة إدارة ذاتية أكثر تشاركية، تضم كافة مكونات المنطقة السياسية والعرقية والمجتمعية، والتي قد تكمن في استخدام سخط الشارع كوسيلة جديدة لابتزاز الطرف الأمريكي والجهات الدولية المانحة، لا سيما وأنّ الأمم المتحدة قررت تخصيص مساعدات مادية وإنسانية لمناطق سوريّة عدة. إظهار الوضع الأمني بصورته الهشّة، كما بدا في الشدادة – المحيطة بآبار النفط، والتلويح بورقة الفوضى، وإمكانية استغلال داعش لذلك في زعزعة أمن واستقرار المنطقة وعودة الإرهاب من جديد.

إظهار الجانب الملائكي في الإدارة الذاتية، ومدى تأثرها بصوت الشارع، والتأكيد على أنّها خير من تمثلهم وتحقق مطالبهم، وهي “من الشعب وللشعب”، كما جاء في مقدمة قرار الإلغاء/١٢٣/. إظهار الوجه الحضاري لقوى أمنها الداخلي في التعامل مع المتظاهرين، والسماح للقنوات الإعلامية بنقل الخبر كما هو، وأخذ آراء المتظاهرين المعبّرين “بحرية” عن سخطهم من القائمين على الإدارة، وليست الإدارة بحد ذاتها. التأكيد على أنّ الشكل الأمثل للإدارة في هذه المنطقة هو النموذج الحالي “الديمقراطي”، وبالتالي لن يؤثر فشل عملية توسيعها لتضم جهات أخرى، سياسية أو مجتمعية، في مدى احترام وإخلاص الناس لهذه الإدارة.

ما دفعنا للاعتقاد أنّ “الحزب” أراد أن يستخدم الشارع لتمرير رسائله السياسية، هي العقلية التي تُدار بها الإدارة منذ تأسيسها، كما أنّ كم القرارات والممارسات التي صدرت سابقاً، وكانت بنفس وزن القرار /١١٩/ ومفاعيله على الحياة العامة السياسية والاقتصادية، وما زال الشعب يدفع ضريبته، لم تلق آذاناً صاغية من قبل، أو تم الاستجابة لها بهذه السرعة، وإذا كنا مقتنعين أنّ الإدارة والقائمين عليها تهمها رأي الشعب، وتسهر على راحته، وتأمّن أفضل سبل العيش له، فمازالت الكثير من القرارات تستوجب التظاهر من أجلها، وتعلن الإضراب العام حتى تحقيقها لطالما الإدارة “من الشعب وللشعب”.

ليفانت – عبد الوهاب أحمد

لن أدخل في تفاصيل كيفية اتخاذ قرار ما في “الإدارة الذاتية”، أو مدى ملامسته للواقع الذي يعيشه الشعب في المناطق الكردية منذ أن تسلّم حزب الاتحاد الديموقراطي السلطة هناك، ولكن من المهّم أن ندرك أحياناً الدوافع التي تقف خلف معظم القرارات التي صدرت وتصدر تباعاً في هذه “الإدارة”، لا سيما الخاصة منها، في المسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.

قبل أيام، صدر القرار رقم /١١٩/ عن الإدارة الذاتية، الخاص برفع أسعار المشتقات النفطية بنسبة تجاوزت ٣٠٠٪ لبعضها، ما أثار موجة من الغضب والاستياء، تكللت في اليوم التالي بخروج الناس إلى الشارع منددين بالقرار ومطالبين بإلغائه فوراً لما له من تداعيات كارثية على حياة الناس اليومية، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها سوريا والمناطق الكردية بشكل خاص.

لاشك، إلغاء هذا القرار أمر إيجابي، ومهما كانت حيثياته، لطالما كان سينعكس أثره سلباً على الوضع المعيشي للناس في مناطقنا، إلا أنه ثمة تساؤلات فرضت نفسها حول توقيت إصداره، وهل فعلاً قرار رفع أسعار المحروقات اُتخذ عن عبث ودون دراسة؟ أم فعلاً تم التشاور عليه مع الخبراء؟ وهل الخبراء الذي قصدهم المسكين (المهباش) هم نفسهم الخبراء الذين نعرفهم عندما يريدون تمرير رسائل سياسية محددة لجهة ما؟

لا يقبل المنطق ومهما كان ساذجاً، أن لا يعلم أو يتوقع مُشرّع القرار/١١٩/ بردة فعل الشارع السلبية ورفضه له، أو أن لا يعلم بحجم المواقف السياسية التي ستستثمر لاحقاً من الأحزاب الحليفة قبل الخصمة للتنديد بهذا القرار.

الإدارة الذاتية التي صدر القرار باسمها، سحبت قرارها ليس محبّةً بالناس، أو احتراماً لمشاعرهم، أو خوفاً من مواقف الأحزاب كما ادعى البعض، بل يبدو أنّ قرار السحب نفسه اتخذ قبل إصداره، لكنه طُرح على ما يبدو لتمرير رسائل ذات مدلولات سياسية إلى الجهة المتنفذة (الإدارة الأمريكية في شرق الفرات) لحسابات الحاكم الفعلي للإدارة الذاتية- حزب العمال الكردستاني وسياساته فيما يتعلق بصراعه مع تركيا، ووجوده في شنكال وإقليم كردستان العراق، ومستقبله في سوريا، إلى جانب عدم جعل رموز وقيادات الحزب في قنديل أكباش فداء من قبل واشنطن، إرضاءً لأنقرة، ودعماً لحلفائها في سوريا.

فالحاكم الذي لم يبخل طوال السنوات الماضية بأي فعلٍ ضد هذا الشعب الذي خرج بالأمس، لا يرمش له جفن إن بقي المتظاهرون في الشارع لأيام وشهور، وليس عاجزاً على إسكات تلك الأصوات في لحظات، لكنه لم يرغب بذلك هذه المرة، بل أراد أن يثير حول القرار مزيداً من ردود الفعل الشعبية والسياسية المحلية لتصل للدائرة الأوسع الإقليمية والدولية، وتزامن صدور القرار مع حادثة رشق الدورية الأمريكية بالحجارة من قبل منظمة الشباب الثورية التابعة لحزب العمال الكردستاني، إلى جانب قيام بعض المتظاهرين في الشدادة بأعمال عنف، والاتهام المبطن لبيان قوى الأمن الداخلي ( الأسايش) بوجود جهات خارجية بين المتظاهرين.

باعتقادي، ليست إلا رسائل أراد “الحزب” توجيهها إلى الإدارة الأمريكية التي تنشد وتعمل بالتنسيق مع حلفائها الإقليمين والدوليين من أجل إقامة إدارة ذاتية أكثر تشاركية، تضم كافة مكونات المنطقة السياسية والعرقية والمجتمعية، والتي قد تكمن في استخدام سخط الشارع كوسيلة جديدة لابتزاز الطرف الأمريكي والجهات الدولية المانحة، لا سيما وأنّ الأمم المتحدة قررت تخصيص مساعدات مادية وإنسانية لمناطق سوريّة عدة. إظهار الوضع الأمني بصورته الهشّة، كما بدا في الشدادة – المحيطة بآبار النفط، والتلويح بورقة الفوضى، وإمكانية استغلال داعش لذلك في زعزعة أمن واستقرار المنطقة وعودة الإرهاب من جديد.

إظهار الجانب الملائكي في الإدارة الذاتية، ومدى تأثرها بصوت الشارع، والتأكيد على أنّها خير من تمثلهم وتحقق مطالبهم، وهي “من الشعب وللشعب”، كما جاء في مقدمة قرار الإلغاء/١٢٣/. إظهار الوجه الحضاري لقوى أمنها الداخلي في التعامل مع المتظاهرين، والسماح للقنوات الإعلامية بنقل الخبر كما هو، وأخذ آراء المتظاهرين المعبّرين “بحرية” عن سخطهم من القائمين على الإدارة، وليست الإدارة بحد ذاتها. التأكيد على أنّ الشكل الأمثل للإدارة في هذه المنطقة هو النموذج الحالي “الديمقراطي”، وبالتالي لن يؤثر فشل عملية توسيعها لتضم جهات أخرى، سياسية أو مجتمعية، في مدى احترام وإخلاص الناس لهذه الإدارة.

ما دفعنا للاعتقاد أنّ “الحزب” أراد أن يستخدم الشارع لتمرير رسائله السياسية، هي العقلية التي تُدار بها الإدارة منذ تأسيسها، كما أنّ كم القرارات والممارسات التي صدرت سابقاً، وكانت بنفس وزن القرار /١١٩/ ومفاعيله على الحياة العامة السياسية والاقتصادية، وما زال الشعب يدفع ضريبته، لم تلق آذاناً صاغية من قبل، أو تم الاستجابة لها بهذه السرعة، وإذا كنا مقتنعين أنّ الإدارة والقائمين عليها تهمها رأي الشعب، وتسهر على راحته، وتأمّن أفضل سبل العيش له، فمازالت الكثير من القرارات تستوجب التظاهر من أجلها، وتعلن الإضراب العام حتى تحقيقها لطالما الإدارة “من الشعب وللشعب”.

ليفانت – عبد الوهاب أحمد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit