على هامش “الانتصارات الإلهية”

طارق عزيزة
طارق عزيزة

بعد أحد عشر يوماً من التراشق الكثيف بالصواريخ بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في قطاع غزّة، وعلى رأسها “حركة المقاومة الإسلامية – حماس”، كانت حصيلة المواجهة وفق الأرقام الرسمية المتداولة، مقتل 12 إسرائيلياً وإصابة نحو 330، مقابل ما لا يقل عن 232 فلسطينياً، قضوا نتيجة القصف الإسرائيلي، بينهم 65 طفلاً، و39 سيدة، و17 مُسنّاً، فضلاً عن إصابة أكثر من 1900 شخص بجروح مختلفة، منهم 560 طفلاً، و380 سيدة، و91 مُسناً، ومن بين الإصابات 90 إصابة شديدة الخطورة. إضافة إلى ذلك، تضرّرت 16800 وحدة سكنية في القطاع، منها 1800 وحدة باتت غير صالحة للسكن و1000 وحدة دُمّرت بالكامل.

وبحسب ما أعلنته “وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – أونروا”، فقد أدّت الهجمات الإسرائيلية إلى نزوح أكثر من 75 ألف فلسطيني من مساكنهم، هذا دون الإشارة إلى مئات المباني الإدارية والمنشآت الاقتصادية والخدمية والسياحية، التي دُمّرت جزئياً أو بشكلٍ كامل.

غير أنّ المعطيات السابقة كلّها تبقى على الهامش، وتكاد لا تحمل أيّ أهمية تُذكر من منظور أصحاب “الانتصارات الإلهية”، إذ لا اعتبار لها عندما يحلو لهؤلاء تصنيف “النصر” وتسميته بـ”الإلهي”. لقد خرج (إسماعيل هنية) رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، عبر شاشات التلفزة من العاصمة القطرية (الدوحة)، بعد نهاية المواجهة التي أطلقت عليها حركته اسم “عملية سيف القدس”، خرج ليتحف الناس بخطبة مثقلة بالحشو والإنشاء، مردّداً آيات قرآنية وأدعية وابتهالات دينية، ومؤكّداً أنّ هذا الذي جرى “نصرٌ إلهيٌّ، ربّانيّ، في هذه المرحلة العظيمة”. وقال (هنية): “وكيف لا يتنزّل النصر على غزّة الأبية ومقاومتها المباركة، وهي انتفضت لتنصر القدس، ولتدافع عن حمى الإسلام في المسجد الأقصى المبارك، ولترفع هذه اليد الآثمة عن قدسنا وأقصانا، عن الشيخ جرّاح، عن باب العمود. لترفع هذه اليد الآثمة عن ضفّتنا الشمّاء، وعن أهلنا في الثمانية وأربعين..”، كما تضمّنت خطبة الزعيم الحمساوي فيضاً من كلمات الشكر والتحيات، كان لـ”الجمهورية الإسلامية في إيران” نصيب بارز منها.

وهنا تنهض جملة من الأسئلة يسهل، لمن يرغب، تبيّن إجاباتها في الواقع، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية والكلام الشعبوي:

أولاً، هل التوصّل إلى وقف لإطلاق النار دون شروط، غيّر أو سيغيّر شيئاً بشأن ما جرى ويجري في القدس والأقصى وحيّ الشيخ جرّاح تحديداً، علماً أنّها الأحداث التي كانت السبب المباشر لإشعال بوادر انتفاضة شعبية مدنية في طول فلسطين التاريخية وعرضها، وأنّ تدخّل حماس عسكرياً عبر قصف إسرائيل بالصواريخ، كان دعماً لذلك الحراك الشعبي وفق زعم قادة الحركة وأنصارها؟

ثانياً، ألم تكن أولى نتائج عملية “سيف القدس” أنها جذبت الأضواء إلى التحرّك العسكري لحماس ومن معها، على حساب انتفاضة الفلسطينيين المدنية التي حازت تضامناً عالمياً واسع النطاق وأربكت دولة إسرائيل حكومةً ومجتمعاً، وبالتالي نقلت التركيز الإعلامي والسياسي إلى أخبار “الرشقات الصاروخية” العبثية، والغارات الإسرائيلية المدمّرة، والتي شكّلت فرصة لرئيس الحكومة الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو)، سارع إلى توظيفها لدعم موقف حكومته داخلياً وخارجياً؟

ثالثاً، حين عرّج (هنية) في خطبته على مخيمات الشتات واكتفى بذكر مخيمات لبنان والأردن، هل كان إغفاله ذكر فلسطينيي سوريا ومخيّماتهم ناجماً عن سهو ونسيان، أم لأنه يذكر جيداً ما فعلته ميليشيات إيران مع قوات الأسد في تلك المخيمات، وكيف دكّتها فوق رؤوس الفلسطينيين العزّل؟

رابعاً، بعد كلّ ما فعلته وتفعله “الجمهورية الإسلامية في إيران” (التي يشكرها إسماعيل هنية)، من تخريب ممنهج وجرائم بحق الشعوب في لبنان والعراق وسوريا واليمن، خدمةً لمشروعها الإمبراطوري التوسّعي، أليس من العته والبلاهة الاعتقاد أنّ ما قدّمته وتقدّمه من دعم بشتّى صوره، لأذرعها ومرتزقتها والملتحقين بها، هو لخدمة شعوب المنطقة وقضاياها العادلة، وليس جزءاً من استراتيجيتها للهيمنة على المنطقة تحت شعارات فلسطين والقدس والأقصى؟!

خامساً، لمّا كان الأصل في التطورات الفلسطينية الأخيرة (ما قبل المواجهة العسكرية في غزة) هو الانتفاضة المدنية التي بدأها أهالي القدس وامتدت لتشمل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، ألا ينبغي مواصلتها والسعي لتجذيرها واستثمار التضامن العالمي معها لدعم الحقوق الفلسطينية، بدلاً من التغنّي بالتصعيد العسكري الذي حرف الأنظار عنها، أم أنّ أطراف “الهدنة” جميعاً أرادوا لهذه الصفحة أن تُطوى، عبر “نصر إلهي” يجري تقاسم نتائجه السياسية على حساب الانتفاضة الشعبية؟

إنّ استدخال عقلية “الانتصارات الإلهية” في قضيّة شعب فلسطين، جاء في سياق عملية تزوير للنضال الوطني الفلسطيني التحرّري الشامل العابر للأديان والطوائف، فهذه العقلية تريد مسخه في صورة “صراع إسلامي – يهودي” وحصره في هذا التحديد الأيديولوجي/ الديني. لكن، بالتوازي مع المزايدات على الشعوب والمتاجرة بدمائها على مذبح الشعارات المقدّسة، يعقد أصحاب “النصر الإلهي” التفاهمات والصفقات المشبوهة مع “العدو الغاشم”، بما يضمن لهم مزيداً من النفوذ والسيطرة، باسم القضية وعلى حساب الناس، أصحاب القضية الأصليين، الذين لا تكترث “الانتصارات الإلهية” لمصائرهم، فهي لا تكفّ عن الاقتيات بجثثهم والرقص فوقها.

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة