عصر الطفولة السوريّة المهدورة

جمال الشوفي
جمال الشوفي

لا مبرر لقاتل، فكيف وإن كانت الضحية طفلة، وليست أي طفلة، بل ابنة القاتل، أي أنّ أباها من قتلها؟ والأكثر بشاعة أن تموت وهي محبوسة في قفص ومربطة بالسلاسل وعلى مرأى من البشر دون أن يجرؤ أحد على فك أسرها، أو حتى سؤال الأب الصفح عنها إن كانت قد أخطأت مثلاً، فلا عجب أن تكون وسائل العقاب على الخطأ تتناسب مع وعي وثقافة منفذه، وهذا سؤال محوري ذو فجاعة.

الطفلة السورية نهلة عثمان قضت في جريمة تعري الوضع السوري من كل جنباته، فقد فارقت الطفلة الحياة بعد أن كان أبوها قد سجنها في قفص وهي مكبلة في إحدى قرى إدلب السورية، حيث أفاد عدد من الشهود أنّ أم الطفلة مطلقة وتعيش في تركيا، بينما الأب متزوج من أخرى ويعاني من خلل نفسي، وهو أحد قادة فصائل الأمر الواقع هناك، والأدهى أن الطفلة قد قضت في هذا المشهد الرهيب في يوم صوم من أيام رمضان.

في ذاكرتنا ثقل وعبء فهي الممتلئة عن آخرها، وقد باتت تفيض من كل جنباتها لشدة الأوجاع فيها:

  • فذات يوم هزّت صورة الطفل السوري إيلان كردي وسائل الإعلام العالمي، حين وجد ميتاً على شواطئ الهجرة، وهجرة السوريين لم تنتهِ بعد لليوم.
  • وكانت صورة عيني عمران الحائرة ذهولاً وفجاعة تعبيراً فاقعاً عن شدة الهول الذي تتعرّض له حلب من قصف جوي هزّ أركان العالم مترافقاً مع اثنين فيتو روسي تطالب بإيقاف الحملة العسكرية على حلب وقتها.
  • بينما كانت صور أحمد الزعبي، الطفل السوري الذي مات أثناء ملاحقة عناصر البلدية له في بيروت والذي يعمل ماسحاً للأحذية، صورة مريرة عن معاناة السوريين وأطفالهم في دولة الجار الشقيق، الذي ضاق بعض المغرضين والموترين من سياسييه وأتباعهم بالسوريين وبمأساتهم ولم يتوانوا عن تحميلهم مسؤولية البطالة اللبنانية، ويصرون كل فترة على ترحيلهم وحرق خيمهم والتضييق عليهم كل سبل الحياة.
  • ولم تزل صورة الطفل حمزة الخطيب الذي قضى في المعتقل ببدايات الحدث السوري، حين حاول أهالي قرى وبلدات درعا فك الحصار عن درعا البلد، فكان لهم الرصاص بالمرصاد والاعتقال لمن يقع بين أيدي الأجهزة الأمنية، وكان نصيب حمزة ورفيقه الاعتقال والتعذيب والموت.
  • هذه المشاهد السورية لم تتوقف على طفل فقط، فحسب وثائق الأمم المتحدة ومنظماتها الدولية، إن عشرات الآلاف من الأطفال السوريين قد قضوا في القصف وبمختلف صنوف الأسلحة، وعلى يد مختلف القوات المشاركة في المجزرة السورية لليوم، وإن حوالي مليون طفل سوري باتوا يتامى، ومثلهم مصابون بإعاقة جسدية أو نفسية، وإنّ ما يزيد عن 2 مليون لم يتلقوا تعليمهم بسبب عمليات التهجير والنزوح وسنوات الحصار والقصف.

فماذا بعد؟

ماذا بعد؟ حين تعتبر حقوق الإنسان في مواثيقها وشرعتها الدولية، أنّ الطفل له حقوق مادية وحياتية وقانونية، تعاقب كل من يخلّ بها، فيُمنع ضربه أو تعنيفه أو حرمانه من التعليم، وليس فقط، بل تجيز القوانين للدولة أخذ الطفل من والديه ومتابعة رعايته إذا ما ثبت أنّهم غير كفؤ لرعايته تعليمياً أو جسدياً ومارسوا بحقّه واحدة من الجرائم الموصوفة في القانون وحقوق الإنسان، فماذا عن ملايين الأطفال السوريين؟

سؤال مرير ووجعه أطول من سنوات عشر لم تبق فيه سبيل لجريمة إلا وارتكبت، عامة، وبحق الأطفال، خاصة، ماذا بعد واستمرار المذبحة السورية؟ رغم تراجع مستوى العمليات العسكرية في السنتين الأخيرتين، إلا أن استمرار المأساة السورية دون حلّ سياسي يفضي لتحقيق العدالة وسيادة القانون وتفعيل دور المؤسسات القضائية والحقوقية ومحاسبة مجرمي الحرب من كل الأطراف، وتقويض سلطات الأمر الواقع التي تتحكم بكل شبر في سوريا، وتراكم الجريمة المادية والنفسية بآن، وتشيّع كل مستويات الجريمة، من قتل وخطف وإتجار بالأعضاء وتجنيد في الأعمال القتالية، والتي حرمتها شرائع الأرض وقوانينها الوضعية، كما شرائع الأديان ووصاياها الإلهية.

ماذا بعد يا الله، ألم يشتكيك الأطفال يوماً؟ ألم يخبروك بكل ما جرى ويجري؟ ماذا بعد يا الله وقد تجبّر وتكبّر كل طغاة الأرض على شعب أراد الحرية والكرامة الشخصية فوقع تحت نير كل جرائم العصر؟ ماذا بعد يا الله وأن من يحكم بشريعتك يهدم شرعية وجودك كإله متعالٍ ذي جلال وقدرة؟ ماذا بعد وقد طغى الأزلام والمجرمون وأرزال الأرض على كل نفس في هذه الأرض التي كانت تسمى ذات يوم بلاد الشمس؟ ماذا بعد وقد أصبحت سياسة الأمر الواقع تهدم كل قيمة للإنسان الذي كرمته بالعقل والأخلاق؟ فبالله عليك أي عقل يمكنه أن يستوعب ما يجري، وأي عقل يمكنه أن يستوعب استسهال قتل طفل؟ وأي عقل يمكنه أن يستوعب أن يلجأ أب لتربيط ابنته وسجنها في قفص وتركها تموت في أيام الصيام هذه؟

إن كان عقل السوريين يحاول أن يستوعب الحدث السوري على أنه حدث دولي وقد بات عقدة عالمية كبرى تنذر شراً، لكنه أبداً لا يمكنه أن يقر بأن هذا هو حاضرنا ومستقبل أطفالنا، والسؤال المحير للعقول والقلوب: من أين ظهرت كل هذه الشرور والنزعات العدوانية في القتل المجاني؟ وكيف تراكمت مع التاريخ وباتت حاضراً مرعباً؟ فإن كان العقل قادر على تفكيك المنظومات السياسية الاستبدادية وطرق بطشها وهيمنتها العسكرية ويحاول في إيجاد حلول سياسية لها، فكيف لهذا العقل أن يستوعب أن يكون بعض ممن سموا أنفسهم الطرف الآخر له يمارسون ذات أفعاله وبصورة أكثر اجراماً، كونها أكثر حسية وملامسة؟

قد يقول قائل ثمة ريبة وشك في مقتل الطفلة نهلة، فأحدهم يقول الأب مختل نفسياً، وآخر يقول إنّه أمني في هيئة تحرير الشام، وثالث يقول ويقول، لكن الثابت في الأمر أنّ هناك طفلة أضيفت لقطار الهدر السوري العام، والصورة الأشد فقاعة أن هدر الطفولة بات عنوان عصر لا يصح تسميته سوى بعصر الأوغاد والسفلة والذئاب البشرية، سياسياً وعسكرياً ودينياً.. فماذا بعد يا الله؟

جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي