رؤساء سوريا موظفون أم وطنيون؟ “أبو عبدو السفاح نصف في المزة ونصف في الدحداح”

طه الرحبي 

يعتبر عهد الرئيس أمين الحافظ فاتحة للمجازر التي ارتكبت بحق الشعب السوري من قبل نظام البعث، وحجر الأساس في بناء الحكم الشمولي الطائفي، وكان بمثابة سلّم تسلّق عليه الطائفيون للوصول إلى الحكم بعد تصفية الجيش من الضباط السنة، بقرارات ممهورة بتوقيع الحافظ. رؤساء سوريا

ويحسب للحافظ أنه أول سوري يقصف شعبه بالدبابات، فقد قصف المسجد السلطاني في حماة وخلّف 40 قتيلاً، ونهبت المحلات التجارية ودمرت أجزاء من الأحياء السكنية بإشراف عبد الحليم خدام، محافظ حماة حينها، ومصطفى طلاس وحافظ الأسد وصلاح جديد، ولم يتوانَ من اقتحام المسجد الأموي في دمشق بالدبابات بقيادة سليم حاطوم، وبأوامر مباشرة من اللجنة العسكرية التي يقودها الأسد وجديد ومحمد عمران، وأعدم العشرات من المعتصمين في الأموي، وعندها قال الحافظ مقالته المشهورة: “إنّ النساء يلدن كثيراً، سنقطع أرجلهم وأيديهم ونرميها للكلاب”.

كان يوصف بالعبارة التالية: “أبو عبدو السفاح، نصف الناس في المزة ونصفهم في الدحداح”، إشارة إلى بطشه، ويقصدون سجن المزة ومقبرة الدحداح.

ولد الرئيس السوري الثامن عشر “أمين الحافظ” في حلب سنة 1921، وتخرج من الكلية الحربية عام 1946، كان عضواً في مجلس القيادة العسكرية الأعلى الذي ضم 24 ضابطاً 1956، كما كان من ضمن الضباط الـ14 الذين اقترحوا على عبد الناصر الوحدة دون علم القيادة السياسية، وخلال الوحدة نقل إلى الإقليم الجنوبي في مصر ثم ملحقاً عسكرياً في السفارة السورية بالأرجنتين.

شارك في انقلاب حزب البعث 8 آذار 1963، الذي أطاح بالرئيس الشرعي ناظم القدسي، بمساعدة الناصريين، وبعد نجاح الانقلاب وتسلّم لؤي الأتاسي الرئاسة، عيّن وزيراً للداخلية، ونتيجة لإقالة العديد من الضباط الناصريين قام جاسم علون بانقلاب 18 تموز 1963، وتصدّى له الحافظ بصفته وزيراً للداخلية بعنف وقصف وحدات الجيش بالطيران وقتل واعتقل المئات من الضباط الناصريين عندها قدم لؤي الأتاسي استقالته اعتراضاً على قرار اللجنة العسكرية بإعدام مجموعة من الضباط الناصريين، وتسلّم الحافظ الرئاسة بصفته رئيساً لمجلس قيادة الثورة في 27 تموز 1963.

في عام 1964، كتب أحد الطلاب البعثيين في حماة عبارة استفزازية “لا حكم إلا للبعث” فردّ عليه طالب آخر بالكتابة “الحكم لله”، مما أثار حفيظة السلطة التي اعتقلت الطالب وعذبته، عندها خرج بعض الأهالي في مظاهرات نددت بالحادثة، وكان الرد قاسياً جداً من السلطات، مما أدّى إلى اتّساع دائرة الاحتجاجات في المدينة، فوجهت حملة قمع قاسية بقيادة المحافظ عبد الحليم خدام، وبأوامر مباشرة من الحافظ، فنهبت قوات الأمن المحلات التجارية، واعتقلت الكثير، وقصفت مسجد السلطان، وبعد السيطرة على الاحتجاجات أصدر مصطفى طلاس أحكاماً عرفية بإعدام عدد لا بأس منه من أهالي حماة، قبل أن يصدر الحافظ عفواً عن المحكومين.  

في عام 1965، واحتجاجاً على قرار التأميم على الورش الصناعيّة المتوسط والصغيرة، اعتصم بعض تجار دمشق في المسجد الأموي، وبدلاً من التفاوض معهم وجه الحافظ، الذي كان مجرد واجهة فقط للثلاثي الطائفي (جديد، عمران، الأسد)، دباباته لتدخل المسجد الأموي وتقتل وتعتقل العشرات.

طفت على السطح قضية الجاسوس إيلي كوهين الذي تغلغل في المؤسسات العسكرية السورية وكثر الحديث عن علاقته الشخصية بالرئيس الحافظ الذي تعرف عليه بالأرجنتين، كما يقال، ونظراً لأهمية القضية بالنسبة للسوريين، فقد أمعنا البحث فيها، ويبدو أنّ الإعلام الناصري ونتيجة للمشاكل الحاصلة بين البلدين قد ضخم الأمر بطريقة درامية مشينة للإساءة للطبقة الحاكمة التي كانت ندّاً لناصر، وبنفس الوقت جاء الرد البعثي أكثر بشاعة، فأشاعوا أنّ كوهين هو ابن لسيدة يهودية كان والد عبد الناصر قد تزوجها، وكل هذه الروايات بعيدة عن الواقع، خاصة بعد الشهادة التي أدلى بها رئيس المحكمة التي حاكمت كوهين، اللواء صلاح الضللي، وقال في حديث له عام 2004: “كوهين كان جاسوساً عاديا”. رؤساء سوريا

كما استغلّ صلاح جديد، معاون مدير إدارة شؤون الضباط، سذاجة الحافظ، وقام بتسريح مئات الضباط واستدعاء المئات من ضباط الاحتياط البعثيين والعلويين إلى الجيش من وظائفهم المدنية، وأقدم على تصفية الجيش، فنقل البعض إلى السلك الدبلوماسي، وأحال البعض إلى التقاعد بحجة تمكين حزب البعث من الحكم كما هو معلن، ولكن يبدو الأمر كان سعياً نحو تمكين الطائفة، وكان الرئيس الحافظ يقوم بالتوقيع على جميع القرارات دون مراجعة، هذا ما أكده وزير الإعلام الأسبق محمد الزعبي في لقائه على العربية، فأقال ونقل الآلاف من الضباط رغم التحذيرات العديدة التي تلقاها، وأنّ عاقبة هذا ستكون وخيمة على البلد.

في 23 شباط لعام 1966، قام صلاح جديد وحافظ الأسد بانقلاب على الحافظ رغم الخدمات الجليلة التي قدمها لمشروعهم الطائفي، وسجن حتى عام 1967، بعدها انتقل إلى لبنان ثم العراق، وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، عاد إلى حلب، مسقط رأسه، بعد أن بقي على الحدود السورية العراقية فترة لابأس بها، ليُؤذَن له بالدخول، وبقي في حلب حتى وفاته في 17 ديسمبر 2009.

يبقى السؤال: هل كان أمين الحافظ ساذجاً لهذه الدرجة أم كان يقوم بدور قد رسم له؟. رؤساء سوريا

ليفانت – طه الرحبي  ليفانت